الألمانية مونيكا فاردي تشكّل من الحضارة الفرعونية لوحات تجريدية

التشكيلية مونيكا فاردي التي تأثرت بسحر وغموض أفريقيا وفنونها تقدّم عبر معرضها لوحات تغمرها الألوان المفعمة بالحيوية وتسيطر عليها ملامح المدرسة التجريدية.
الجمعة 2021/04/23
لوحة تجريدية ينساب فيها نهر النيل ألوانا وحياة

منذ الآلاف من السنين ومصر بعمارتها القديمة ونيلها المتدفّق وشمسها المشعة تفتن الناس، خاصة منهم الفنانون الغربيون الذين استلهموا جمالها ليجسدوه على لوحاتهم. وهو ما حصل مع الفنانة التشكيلية الألمانية مونيكا فاردي التي وصل بها الشغف بالبلد وفنونه حد الاستقرار فيه لتواصل رسم كل ما تراه عيناها من جمال رباني وآخر من صنع الإنسان المصري القديم.

الأقصر (مصر)- عرف المصريون الفن التشكيلي بأنواعه منذ أقدم العصور، فتماثيل الملوك والخاصة واللوحات المصوّرة والمحفورة، عكست مفاهيم فنية هدفها خدمة طقوس الآلهة والملوك والموتى. وارتبطت الفنون المصرية القديمة، مثل النحت والرسم والنقش، ارتباطا وثيقا بالهندسة المعمارية.

وقد أثّر ذلك كثيرا على العديد من التشكيليين الغربيين الذين رسموا العمارة المصرية القديمة في تجاورها الحميمي بنهر النيل المدرار.

وتعتبر الفنانة التشكيلية الألمانية مونيكا فاردي إحدى الشغوفات بالحضارة المصرية القديمة ومعالمها التاريخية، وهي التي طافت العالم قبل أن يستقر بها المقام في مصر، حيث اختارت مدينة الأقصر الغنية بمعابد ومقابر ملوك وملكات ونبلاء مصر القديمة، لتكون سكنا دائما لها.

دلتا النيل كما تخيلتها ريشة فاردي

وتمارس فاردي التي تُعرف بين المصريين باسم مُنى، فنون الرسم وتقدّم عبر معرضها الذي استضافه أخيرا غاليري “نون للفنون” في البر الغربي لمدينة الأقصر التاريخية في صعيد مصر، لوحات تغمرها الألوان المفعمة بالحيوية، وتسيطر عليها ملامح المدرسة التجريدية، إلى جانب مجموعة من اللوحات رسمت على القماش حملت في خطوطها وألوانها رؤيتها الفنية الخاصة، وتأثرها بسحر وغموض أفريقيا وفنونها، وبنهر النيل السيال الذي استوحت منه الكثير من أعمالها الجديدة.

وتسمح لوحاتها القماشية بأن يتجوّل المشاهد بين خطوطها وألوانها التي تتفجّر في طبقات مشبعة من النسيج واللون الأزرق الذي يرمز لمياه نهر النيل، إلى جانب تكوينها مجسمات فنية مستوحاة من فنون بلدان القارة الأفريقية، حيث أقامت العديد من المعارض الفنية في كل من ألمانيا وفرنسا، نقلت من خلالها مدى تأثرها بفنون أفريقيا، وبنهر النيل وبمعالم وآثار مصر القديمة للجمهور الأوروبي.

وتروي الفنانة التشكيلية الألمانية تفاصيل بعض المحطات في مسيرتها الفنية التي طافت خلالها بلدان العالم إلى أن استقرت بالبر الغربي لمدينة الأقصر المصرية منذ أربع سنوات مضت، قائلة “وجدت في مصر المكان الذي أبحث عنه، فمصر بالنسبة إلي تمثل لوحة فنية جميلة يتوسطها نهر النيل الخالد، والخضرة على جانبيه”، وأوضحت أنها تشعر بأن مصر هي بيتها الذي كانت تبحث عنه في رحلاتها العديدة ببلدان العالم.

ولفتت إلى أن انبهارها بأفريقيا وفنونها، ربما يعود إلى أن الفنون الأفريقية لا تزال تحتفظ بملامحها البدائية، وأن البلدان الأفريقية العديدة التي زارتها تمثل بالنسبة إليها بداية الكون، لما فيها من سحر وغموض، وملامح بدائية لم تتأثر بالحياة المعاصرة، أو الحداثة التي طالت الفنون وكل تفاصيل الحياة اليومية للبشر، وهي أمور جعلتها أكثر ارتباطا وتأثرا بفنون القارة السمراء.

وزارت فاردي الكثير من البلدان الأفريقية مثل السنغال، وكوت ديفوار وموزمبيق، وجنوب أفريقيا وغينيا، إلاّ أنها وجدت في الفن المصري القديم، المنتشر وسط مقابر ومعابد ملوك وملكات ونبلاء مصر القديمة في مدينة الأقصر، فنا توجد به كل العناصر الفنية التي نجدها في اليوم في الفنون التشكيلية المعاصرة، وهو فن يمنحها قوة خاصة وشعورا مختلفا عن تلك الفنون التي شاهدتها خلال جولاتها في بلدان القارة الأفريقية.

الفنانة الألمانية تسرد في لوحاتها رحلتها الطويلة في القارة السمراء ومدى تأثرها بسحر أفريقيا وغموضها وفنونها
الفنانة الألمانية تسرد في لوحاتها رحلتها الطويلة في القارة السمراء ومدى تأثرها بسحر أفريقيا وغموضها وفنونها

وفاردي التي درست فنون تصميم الأزياء تعشق ملمس النسيج، وهو الأمر الذي يظهر جليا في لوحاتها المرسومة على القماش. وكثيرا ما توظف أعمالها الفنية في الدفاع عن قضايا المرأة، وهي تؤمن بقدرة المرأة على قيادة العالم. وتبشّر في لوحاتها ومجسماتها الفنية، بعودة المرأة لتكون في المقدّمة، وهي تؤكّد أن المرأة أول كائن تم تأليهه وعبادته، وفي أعمالها العديد من الأفكار النسوية، والرسائل الرمزية التي تبدوا فيها أكثر قربا من المرأة ومن قضاياها.

ويقول سيد قناوي مسؤول المعارض بغاليرى “نون للفنون”، “يلاحظ في الأعمال التشكيلية ذات الملامح الأفريقية التي تنجزها فاردي، أنها تتقمّص من خلالها روح الفنان الأفريقي الذي يقدّم فنا طقسيا يحمل في تفاصيله الكثير من السحر والغموض، فتتلاعب بالألوان، فيما تحمل لوحاتها تعبيرات وخطوطا وألوانا رقيقة، في حين تقدّم تماثيلها ومجسماتها الفنية المستوحاة من روح أفريقيا تعبيرات صارخة، وفى مجمل أعمالها تجد دعوة إلى التفكير والتأمل في الطبيعة وفي البشر، ومحاولة لاستنطاق الحيوان”.

لوحات مونيكا فاردي القماشية تسمح بأن يتجوّل المشاهد بين خطوطها وألوانها التي تتفجّر في طبقات مشبعة من النسيج واللون الأزرق الذي يرمز لمياه نهر النيل

ويؤكّد أيمن أبوزيد رئيس الجمعية المصرية للتنمية السياحية والأثرية، أن البر الغربي لمدينة الأقصر التاريخية الذي اختارته الفنانة فاردي سكنا لها، بات مركزا للتعايش بين مواطنين من مختلف البلدان والثقافات.

والمنطقة التي تضم بين جنباتها المئات من المقابر والعشرات من المعابد المصرية القديمة وتضم المئات من الجداريات والمنحوتات والتماثيل التي زيّن بها الفنان المصري القديم جدران وأسقف وأعمدة المقابر والمعابد التي شيّدها ملوك وملكات ونبلاء ونبيلات مصر القديمة قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، صارت اليوم مكانا يفد إليه فنانون من كل أنحاء العالم لممارسة فنونهم التشكيلية، واستلهام لوحاتهم ومنحوتاتهم من المعالم الأثرية في المنطقة، ومن الطبيعة الساحرة التي تتفرّد بها.

ويضيف أبوزيد “كما صارت المنطقة تضم حاليا العديد من قاعات العرض الفني التي تستضيف المعارض التشكيلية على مدار العام”.

17