الألماني فيرتر هيرتزوغ: برهاني أنني رأيت ما رأيت

الأحد 2014/11/23
المخرج هيرتزوغ اثناء التصوير في غابات البيرو

توقفت بشكل خاص أمام الفصل السادس من كتاب “سينما فيرتر هيرتزوغ: ذهاب إلى التخوم” الذي أعده بول كولين، وترجمه الكاتب البحريني أمينصالح وصدر حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.

هذا الفصل تحديدا أغواني بالكتابة عن المخرج الألماني المعروف بغرابة أطواره، لأن الفصل لا يسلط الأضواء فقط على مسيرة عمل المخرج الشهير وأفلامه المثيرة للجدل، ولكنه يكشف أيضا النقاب عن الكثير من الجوانب الدفينة المكونة لشخصيته كسينمائي جامح في مشاعره، وكذلك في موهبته، يطيح في طريقه بالكثير من التقاليد المتعارف عليها، لا يحب أبدا أن يحصر نفسه في الدائرة الضيقة للوطن الألماني، بل يمكن اعتباره -عن حق- سينمائيا من العالم، ينتمي للعالم، منه أتى، وله يخرج أفلامه، خاصة وأن الغالبية العظمى من أفلامه التي يخرجها منذ السبعينات، صُوّرت خارج ألمانيا، في أقاصي الأرض، وفي مناطق لم يسبق أن دخلتها أصلا كاميرا سينمائية، فهيرتزوغ بهذا المعنى، مكتشف سينمائي وليس مجرد مخرج ينفّذ الأفلام.


حذاء المخرج

ويمكن اعتبار تجربة هيرتزوغ في إخراج فيلمه الشهير “فيتزكارالدو” (1982) التجربة الأكثر أهمية وحضورا في حياته، فقد كشفت عن شخصيته وعن علاقته بالآخرين وكيف يمكنه أن يدفع الأمور دفعا مجنونا من أجل تحقيق هدفه، وكأنه بالضبط، جنرال يقود حملة لاكتشاف أرض جديدة مثلا، مسلحا بالكاميرا وقوة العزيمة والبأس. وقد تعرض هيرتزوغ بعد خوض غمار تلك التجربة “المتوحشة” للكثير من الانتقادات بل الاتهامات كما سنرى.

الكتاب كلّه عبارة عن سلسلة من الحوارات الطويلة حول كل شيء في حياة هيرتزوغ بما في ذلك أفلامه بالطبع وظروف تصويرها، بل إن الأفلام تستغرق الحيز الأكبر منه بالتأكيد. وهيرتزوغ يقول للمؤلف “كرونين” الذي يحاوره، بكل بساطة وربما دون أن يضحك: “على كل شخص بالِغ أن يأكل حذاءه ولو مرة واحدة في حياته”. ولكن ماذا يكمن وراء تلك العبارة الغريبة؟

يقول هيرتزوغ إنه كان في بيركلي مع المخرج الأميركي إيرول موريس الذي كان لا يزال شابا صغيرا لم يخرج أيّا من أفلامه الوثائقية التي ستجعل منه نجما شهيرا فيما بعد. وكان هيرتزوغ يعتقد أن موريس الذي كان قد تخرّج لتوه، شابا موهوبا جدا، لكنه “واحد من أولئك الذين باشروا العديد من المشاريع لكنهم لم ينهوها قط”.

كان موريس يشكو لهيرتزوغ من عدم توفر الأموال التي يراها ضرورية لإنتاج الفيلم الذي يحلم بتقديمه، لكن هيرتزوغ يقول إنه كان يرد على هذا القول بأن “من الممكن تحقيق الأفلام من دون أموال، وأن الإيمان وحده وكثافة الرغبة وليس المال هما اللذان ينتجان الفيلم”. وكان يوبخه ويطلب منه الكف عن التذمر والشكوى، ثم بلغ به الحماس أن أخذ ذات مرة، يراهنه بقوله: “في اليوم الذي أشاهد فيه فيلمك مكتملا سوف ألتهم حذائي”.

وعندما وصل فيما بعد إلى بيركلي، كان يرتدي نفس الحذاء الذي كان يرتديه وهو يتعهّد بالتهامه. وقد قام بطهو الحذاء في مطبخ أحد المطاعم، ويقول إن الحذاء أخذ ينكمش وينكمش ويزداد خشونة، ولم يجد طريقة ليلتهمه سوى بعد تقطيعه إلى أجزاء صغيرة جدا وتناولها مع شرب كميات كبيرة من الجعة. وقد صوّر المخرج لي بلان هذا الحدث في فيلم تسجيلي قصير أطلق عليه “فيرنر هيرتزوغ يأكل حذاءه”.

السفينة تسبح فوق قمة الجبل

كان فيلم “فيتزكارالدو” السبب في شهرة هيرتزوغ بعد ذلك، وكان قد صوّره في ظروف بالغة الصعوبة في غابات بيرو بأميركا اللاتينية. ويقول هو إنه بعد أشهر من عرض الفيلم، كان يسير في أحد شوارع هامبورغ، فوجئ برجل يركض نحوه ثم يثب عاليا في الهواء ويركله في بطنه وهو يصيح: “هذا ما تستحقه أيها الخنزير”.

لنذهب أولا إلى بدايات قصة “فيتزكارالدو” وكيف أصبحت فيلما وما سبب كل ذلك الحنق والغضب تجاه هيرتزوغ بسببه؟


تجربة متوحشة

يقول هيرتزوغ إنه عثر على قصة تدور حول رجل يدعى خوسيه فرمين فيتزكارالدو، فاحش الثراء، كان واحدا من أقطاب صناعة المطاط في بداية القرن العشرين، وكان يوجد تحت إمرته جيش خاص مؤلف من خمسة آلاف رجل.

أما ما لفت نظر هيرتزوغ في شخصيته أنه كان عاشقا للموسيقى الكلاسيكية وللأوبرا بوجه خاص. وقد قام بالتقاط هذا الخيط وجعل هذا الرجل الأسطوري، يذهب في سفينة ضخمة عبر النهر في غابات الأمازون، بمساعدة ألف رجل من السكان المحليين، لتدبير المال اللازم لبناء دار للأوبرا في تلك المنطقة من العالم، عن طريق جمع المطاط من ملايين الأشجار هناك.

والطريف أن هيرتزوغ أصرّ على بناء سفينتين حقيقيتين بالحجم الكامل، وجعل الرجال يرفعون الأولى إلى قمة الجبل للعبور بها إلى الجهة الأخرى من النهر، وصوّر الثانية وهي تهبط من الجهة الأخرى. وقد قضى في البداية سنتين كاملتين في منطقة الغابات في بيرو، يدرس الطبيعة، ويبني السفينتين مع رجاله من السكان الأصليين، الذين كانوا يقيمون في مخيم ضخم مع فريق الفيلم من الفنيين والمساعدين، مما جعل تحضيرات ما قبل الإنتاج تمتد إلى ثلاث سنوات.

هذه التجربة التي يرويها هيرتزوغ هي إحدى أكثر التجارب غرابة في تاريخ صناعة السينما. إنها تشبه تشكيل وإعداد وقيادة جيش حقيقي للقيام بعملية عبور إستراتيجية تبدو للجميع في البداية، مستحيلة، فهو لم يفكك السفينة كما فعل فيتزكارالدو الأصلي، بل تم حملها قطعة واحدة، وثانيا كانت العملية تبدو مكلفة للغاية وفيها الكثير من المخاطرة أيضا، حيث كان يمكن لأي مخرج آخر لا يتمتع بالخيال الجامح مثل هيرتزوغ، أن يكتفي باستخدام نموذج مصغر للسفينة كما اقترحت عليه شركة فوكس التي تحمّست لتمويل الفيلم.

من ضمن أسباب الهجوم الذي تعرض له هيرتزوغ تصويره انزلاق السفينة على جانب الجبل وسحقها إثنين من السكان الأصليين

ومن المتاعب العجيبة التي قابلته أنه عندما نجح الرجال بمشقة في رفع السفينة بأيديهم إلى قمة الجبل، لم يجدوا مياها في الجانب الآخر، وبالتالي فقد تركوا السفينة هناك لستة أشهر إلى حين ارتفاع منسوب المياه. ويقول هيرتزوغ إنه استأجر عائلة مكونة من زوجين وخمسة أطفال وبضعة خنازير للعيش داخل السفينة وحراستها.


أجواء التصوير

من ضمن أسباب الهجوم الذي تعرض له هيرتزوغ تصويره انزلاق السفينة على جانب الجبل وسحقها اثنين من السكان الأصليين. وهو ما دفع البعض للاعتقاد بأن هيرتزوغ تسبّب في مقتل الرجلين بل وقام أيضا بتصوير جثتيهما في الوحل أسفل السفينة أيضا.

لكنه يقول إن هذا محض خيال، وإنه فخور بتنفيذ المشهد على هذا النحو المقنع. لكنه في الوقت نفسه، لا ينكر وقوع بعض الحوادث أثناء العمل. فقد قام شابان بسرقة زورقين، فانقلبا بهما في النهر وغرق أحدهما ولم يتم العثور على جثته، وتحطمت طائرتان لكن الركاب نجوا مع بعض الإصابات الخطيرة. ويقول إنهم تمكنوا من علاجهم في المستشفى الميداني الذي أقاموه في منطقة التصوير. ومن ضمن المشاكل التي يتحدث عنها هيرتزوغ أنه كان هناك في تلك الفترة نظام ديكتاتوري عسكري في بيرو، وكانت هناك حرب على وشك أن تنشب بين بيرو والإكوادور، وكانت شركات النفط قد قامت بمد أنابيب عملاقة في منطقة الأنديز باستغلال السكان الأصليين الذين تعاملت معهم بوحشية. وقد ركزت وسائل الإعلام على موضوع النفط والحرب ووقع الفيلم وصاحبه “ضحية” لهذه الأجواء، وكأنه يساند النظام العسكري.


هراء إعلامي

ومن القصص الطريفة التي تشير إلى مدى ما أحدثه فيلم “فيتزكارالدو” وقصة تصويره وكأنه إعادة تجسيد للواقع الفعلي، قيام مجموعة من الشباب بعقد محاكمة غيابية لهيرتزوغ في ألمانيا. ولكنّه يصفهم بأنهم “مجموعة من اليساريين النظريين من بقايا جيل 1968، اتهموني بسجن وتعذيب السكان الأصليين من الهنود وتجريدهم من ثقافتهم”. وهو يعتبر هذا كله من نوع “الهراء الإعلامي” لكنّه يتوقف بوجه خاص أمام الادعاء الوحيد الذي يعتبره خطيرا أي “أننا تسببنا في اعتقال الجيش لأربعة من الهنود. وقد ذهبت بنفسي إلى بلدة “سانتا ماريا نيفا” للكشف عن الحقيقة بنفسي، وقد اتضح أن الأربعة ليست لهم أي علاقة بالفيلم، وأن أحد الرجال هناك سجن بسبب عدم تسديده بعض الفواتير. وقد نشرت منظمة العفو الدولية ما يفيد عدم وجود أي علاقة لي بهذا الموضوع″.

كلاوس كينسكي بدور فيتزكارالدو

ويعلق هيرتزوغ على الموضوع بقوله أخيرا: “لكن الميديا لم تكترث لأنها قصة غير جيدة. ذات مرة أرسلت مجلة “دير شتيرن” مصورا إلى غابتنا حيث التقط ألف صورة على الأقل، لكن المجلة لم تنشر هذه الصور بل اختارت من أرشيفها صورا لهنديات عاريات من الأمازون وهن يصطدن السمك بالحراب مع تلميح بأننا نتطفل على خصوصيات السكان!”.

ولكن لماذا وافق الهنود على مساعدة “فيتزكارالدو” بهذه الطريقة؟ يرى هيرتزوغ أن الهنود كانوا ممسوسين بفكرة بناء دار أوبرا، فقد أرادوا أن يخلّصوا أنفسهم من “الأرواح الشريرة” التي يعتقدون أنها تقطن في منحدرات النهر، لهذا السبب هم يطلقون سراح السفينة نحو منحدرات النهر. إنهم في الحقيقة في مهمة ميثولوجية لم يفهمها فيتزكارالدو أبدا.. إننا لا نفهم حقا لماذا يكدحون ويتحملون كل هذا العناء في سحب السفينة عبر الجبل. ونحن نفهم مغزى ما يجري فقط عندما يحررونها فتندفع بسرعة وعنف عبر منحدرات النهر. بالتضحية بالسفينة هم يريدون أن يهدّئوا الأرواح الشريرة التي تسكن المنحدرات لذلك فالهنود وحدهم هم الذين ينجحون في تحقيق حلمهم. إنهم يربحون، بينما يخسر فيتزكارالدو، مع أنه في النهاية، يحوّل الهزيمة إلى نصر عبر قوة مخيّلته وروحه الخلاقة”.


السفينة والجبل

استخدم هيرتزوغ موسيقى الأوبرا عبر فيلمه البديع الذي يقوم فيه الممثل الألماني (الراحل) كلاوس كينسكي بدور فيتزكارالدو، وكان قد سبق أن قام ببطولة فيلم هيرتزوغ السابق “أجيري.. غضب الرب” الذي صور أيضا في غابات الأمازون في البرازيل. ويرى هيرتزوغ أن استخدام موسيقى الأوبرا يخدم فكرة وجود سفينة تتحرك فوق قمة الجبل نحو الأحلام.. فكرة ذلك الحلم الذي يتحدى قوانين جاذبية الأرض.

الإشاعات ضد هيرتزوغ لم تتوقف منذ أن صنع هذا الفيلم الغريب الذي أصبح بحق واحدا من كلاسيكيات السينما المعاصرة. لكنه لا يبدو مهتما بنفي تلك الإشاعات أو بالرد عليها، فهو يقول: “بإمكاني أن أدحض كل تلك الاتهامات بطريقة أفضل.. من خلال الأفلام نفسها. يروي “فيتزكارالدو” في الفيلم قصة عن فرنسي هو أول رجل أبيض يرى شلالات نياغرا قبل أن يستوطن الأميركيون الأرض. وعندما يقص عليهم ما رآه اعتبروه كاذبا وطلبوا منه برهانا، فقال لهم: برهاني هو أنني رأيت ذلك”.

14