الألماني فيم فيندرز مخرج الطريق والشخصيات القلقة

الأحد 2015/03/08
لم يبتعد فيندرز في "كل شيء سيكون على ما يرام" عن الإنسان في علاقته بالطبيعة وشعوره بالعزلة

لم يكن تكريم مهرجان برلين للمخرج الألماني المرموق فيم فيندرز، نوعا من الاحتفال بالذات الألمانية، على غرار ما درج عليه العرف في المهرجانات السينمائية العربية التي تهتم كثيرا بتكريم عشرات السينمائيين المحليين من أبناء الدولة المنظمة للمهرجان، في طقس احتفالي خاص يكرّس عبادة “الذات الوطنية”، غافلين عن ضرورة أن يكون للسينمائي المحتفى به، تأثير على المستوى الإقليمي إن لم يكن العالمي، أو أن يكون قد ترك بصمة إيجابية واضحة على مسار تطور السينما في بلاده.

نال فيم فيندرز جائزة “الدب الذهبي” الشرفية في احتفال خاص بقصر “البرليناله”، عن مجمل أعماله منذ أن بدأ الإخراج السينمائي عام 1967. ولد فيندرز في دوسلدورف عام 1945، ودرس أولا الطب والفلسفة قبل أن يدرس السينما في أكاديمية ميونيخ بينما كان يعمل كناقد سينمائي. وقد أخرج فيندرز ثمانية أفلام قصيرة لحساب أكاديمية الفنون في الفترة بين 1967 و1969، قبل أن يخرج فيلمه الروائي الطويل الأول “الصيف في المدينة” عام 1971.

ولكن لماذا استحق فيندرز أخيرا هذا التكريم الرفيع من أكبر مهرجان سينمائي في بلاده، وأحد أهم وأكبر مهرجانات السينما في العالم؟ للإجابة على هذا السؤال نقول إن فيندرز هنا رمز ونموذج للنجاح، فهو رمز لجيل من السينمائيين الألمان الذين أعادوا السينما الألمانية إلى دائرة الاهتمام منذ ظهورهم في سبعينات القرن العشرين، كما أنه نموذج للسينمائي الألماني الذي لم يكتف فقط بتقديم أفلام ألمانية، بل طرق أبواب هوليوود، وقدّم عددا كبيرا من الأفلام الأميركية، أحدثها “كل شيء سيكون على ما يرام” الذي عرض خارج مسابقة مهرجان برلين، كما عرض المهرجان عشرة من أفلامه الأخرى، مثل “الصديق الأميركي (1977) الذي كان فاتحة سلسلة من الأفلام التي أخرجها في أميركا أشهرها فيلم “باريس تكساس” (1984)، ومنها أيضا “قصة لشبونة” (1994) و”نهاية العنف” (1997) و”فندق بمليون دولار” (2000). وربما يكون أهم أفلامه التي أخرجها في بلاده ثنائيته الشهيرة “أجنحة الرغبة” (أو الملائكة فوق برلين) (1987)، و”بعيد جدا.. قريب جدا” (1993).

فيندرز نموذج للنجاح

شخصيات أفلام فيندرز، كما يرى الباحث الأكاديمي الألماني مايكل كوتز، كما تتبدّى في أفلام مثل “أليس في المدن” و”خطوة خاطئة” و”ملوك الطريق” و”باريس تكساس”، “شخصيات عصيّة على القصص ذات النهايات، إن النظرة التي تتخذها الكاميرا وهي تصوّر شخوص أفلامه وهم يسيرون في الطرق عبر المدن، والمناظر الطبيعية، تبقى مثيرة للتأمل، فالشخصيات كانت عنده دائما أكثر أهمية من القصص”.

كان فيندرز، في أفلامه الأميركية الأولى، يرى أميركا من خلال نظرة رومانسية، بلادا تختلف كثيرا عن بلده حيث ولد ونشأ بعد الحرب العالمية الثانية، ألمانيا التي كانت تسعى إلى أن تزيح كابوس الماضي عن كاهلها. وفي الستينات، فتنته موسيقى “الروك” القادمة من أميركا، كرمز لتحرر الشباب.

وكان فيندرز يرى أن أميركا تمثل كل ما هو نقيض لألمانيا، في الضخامة والاتساع واستيعاب الأجناس والثقافات المختلفة، إلى أن وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وشهدت أميركا تلك التحوّلات السياسية في اتجاه صعود اليمين المتعجرف الذي أصبح أداة للتضييق على الحريات باسم الدفاع عن الوطن.

لقد تحطمت وسقطت “أسطورة أميركا” كما كان يراها، وفي فيلمه “أرض الوفرةLand of Plenty " الذي أخرجه عام 2004، نرى آنا الفتاة التي تعود إلى وطنها بعد أن قضت سنوات طويلة في الخارج، تبحث عن عمّها وتحاول استعادة علاقتها به، والعم “بول” مقاتل سابق في فيتنام، لا يزال يعاني من الاضطراب النفسي والإصابة الجسدية، وبينما تعمل آنا في منزل لإيواء المشردين، يندفع بول بشكل أقرب إلى الهوس لتعقب من يعتقد أنهم من “الخلايا النائمة” الإسلامية المتطرفة في لوس أنجليس، أي “الإرهابيين” خصوصا بعد مقتل شاب عربي كانت تعرفه آنا، لكن بول يشك في أنه كان يخطط للقيام بعملية إرهابية. هذه العلاقة الملتبسة المتشابكة المعقدة، هي ما تدفع الفيلم دراميا، إلى الأمام، وتتيح الفرصة لفيندرز لكي يعقد مقارنة بين ما كانت عليه أميركا التي يحبها وسبق له الاحتفاء بها في أفلامه السابقة مثل “باريس تكساس” و”نهاية العنف”، وبين ما أصبحت عليه الآن.


الشخصية والمكان


وكما يهتمّ فيندرز كثيرا بالشخصيات على حساب القصة المحبوكة والصراع الدرامي التقليدي، فهو يهتمّ أيضا بالأماكن؛ بالبحث عن الطبيعة في علاقتها مع الإنسان، بالانتقال الدائم في المكان. هناك مثلا فيلمه الشهير “أجنحة الرغبة” أو “الملائكة فوق برلين” (1987) الذي نرى في أحد مشاهده الملاك الثاني الذي يقوم بدوره كيرت بوريس، وهو يتجوّل داخل قاعة المطالعة في مكتبة برلين العامة، يمكنه أن يستمع إلى أفكار القراء الجالسين يقرأون في صمت، هذه الأصوات تتردّد عبر شريط الصوت في أذنه، وهي تصل إلى مسامعه لأنه “ملاك” أي إنه كائن غير أرضي، فوقي، يمكنه أن يرى ويسمع ما لا نراه ولا نسمعه.

أفلام فيندرز تقدس المكان

هذه الأصوات- الأفكار التي تتخذ شكل أصوات مسموعة لديه ويسمعها المشاهد، تتداخل وتتعاقب معا في سياق موسيقي، بينما تتحرك معه الكاميرا وهو يتقدّم داخل القاعة، كأنها تمتلك القدرة على اختراق حواجز وجدران المكان، وتطير فوق البشر. هنا تتجسّد ملامح أسلوب فيندرز في اهتمامه الكبير بالصوت بقدر اهتمامه بالصورة، بالحركة داخل الكادر، بجماليات الفيلم كوسيلة للتعبير عن رؤية الفنان.

وفي مشهد آخر من الفيلم نفسه، يشاهد الملاك رجلا عجوزا يتكرّر ظهوره في الفيلم، يسير هائما على وجهه في المنقطة الواقعة بين برلين الشرقية وبرلين الغربية أي قرب الجدار الشهير، وهي منطقة قاحلة مليئة بالأعشاب والمستنقعات بسبب ما شابها من إهمال بعد الحرب وبعد تقسيم المدينة. والرجل يتساءل بصوت مسموع: أين بوتسدامر بلاتز؟ تلك المنطقة التي كانت تعجّ بالحياة والنشاط في برلين قبل الحرب. ومرة أخرى، هنا علاقة مباشرة بين الشخصية والمكان، وبين العالم الأرضي والعالم ما وراء الأرضي من خلال الملائكة.

منذ فيلمه “خطوة خاطئة” عام 1975 وفيندرز مفتون بالأماكن، بسحر الاكتشاف، بما يمكن أن يتمخض عن “الحركة” من مفاجآت غير متوقعة. هنا نشاهد كيف يقرر شاب ألماني أن يصبح كاتبا، لكنه يودّ أن يكتشف أولا نفسه، عبر اكتشاف ألمانيا، لعله يستمدّ من الرحلة في أرجاء بلاده، الوعي بالتاريخ، بالزمان وبالمكان، وخلال رحلته يلتقي بشخصيات عديدة، يقيم صداقات، ويرتبط بمجموعة من الأشخاص يتوجهون معه لزيارة عمه، لكنهم يحطون رحالهم خطأ في منزل رجل ثري لكنه بائس، يعاني من الوحدة والاكتئاب.

وفي فيلم “حتى نهاية العالم” (1992) ينتقل فيندرز بين اثنتي عشرة دولة وهو يعرض موضوعه الذي يقارن بين الطفرة التي حققها العلم لصالح الإنسان، وتلك التي تحققت في أسلحة الدمار الشامل التي أصبحت تهدّد بفناء البشرية. إنه يجعل المرأة العمياء تستطيع أن ترى عن طريق جهاز جديد يعمل عبر خلايا المخ، لكنه عاجز عن وقف ذلك التهديد بالخطر الوشيك. هذا فيلم من أفلام الطريق التي يولع بها فيندرز منذ ثلاثيته الشهيرة “أليس في المدن”، “خطوة خاطئة”، و”ملوك الطريق”.

في “ملوك الطريق” (1976) يجمع فيندرز بين شابين يقطعان معا رحلة طويلة، يتناقشان خلالها حول العديد من القضايا، ينتقلان من العام إلى الخاص، من مناقشة ما حل بألمانيا وصعود القوة الأميركية بدرجة مخيفة، إلى مغامراتهما النسائية. وخلال الرحلة يتوقف الاثنان في الكثير من دور السينما المهدمة المغلقة، وتتجوّل الكاميرا في لقطات طويلة معهما دون حوار.

هذا النوع من أفلام الطريق، يتيح الفرصة لفيندرز لكي يمنح المكان شخصية خاصة تلعب دورها في سياق الفيلم، تماما مثل الشخصيات الإنسانية، هنا تصبح للمكان أهمية خاصة في التعبير عن رؤية فيندرز، وعما يريد أن يقوله أو يتوقف قصدا عن قوله، اكتفاء بما يوجد “بين السطور”.

فيم فيندرز: مخيلة طليقة وأفق سينمائي لا ينضب


على ما يرام


فيندرز يعود أخيرا بفيلم جديد هو “كل شيء سيكون على ما يرام” الذي عرض في مهرجان برلين عرضا عالميا أوّل، وفاجأ الجمهور بأنه صوره بتقنية الفيلم المجسم، أي الفيلم ثلاثي الأبعاد. ولكن مشاهدة الفيلم نفسه تقول لنا إن هذه التقنية لم تكن لها ضرورة ملحة في الفيلم، فلا هو يستخدم الكاميرا هنا في حركات معقدة من زوايا غريبة (كما فعل مثلا المخرج الأسترالي باز ليرمان في “غاتسبي العظيم”- 2013)، ولا الأبعاد التقليدية الطبيعية للفيلم نفسه يمكنها أن تستوعب فكرة الصورة ثلاثية الأبعاد.

إننا هنا أمام دراما تقليدية تماما، محورها كاتب شاب يعاني من أزمة مع زوجته، ينعزل في منطقة ريفية تغطيها الثلوج، للانتهاء من كتابة روايته، وذات ليلة وهو يقود سيارته في الليل، يصدم طفلا لا يراه انزلق في الثلج أسفل السيارة، يتوقف بالسيارة فورا ويهبط لكي ينقذ طفلا يجده سليما معافى، يقوم بحمله إلى منزل أسرته القريب الذي تعيش فيه والدته بمفردها. لكن الأم تصدم عندما تكتشف غياب طفل آخر هو الذي توفي نتيجة الحادث ولم يره بطلنا بل ولم يدرك أصلا أنه تسبب في موته.

يتصاعد شعوره بالذنب، ويظل هذا الشعور معه لسنوات، يحاول أن يفعل أيّ شيء لإرضاء تلك المرأة الوحيدة لدرجة أنها تحاول التخفيف عنه بقولها إن الخطأ لم يكن خطأه. لكن طفلها الآخر، وقد كبر الآن وأصبح مراهقا، أصبح مفتونا بشخصية هذا الكاتب الذي أصبح شهيرا الآن بعد أن تمكن من نشر ثلاث روايات ذاع صيتها في ألمانيا.

ولكن الصبي يختار طريقة غريبة للفت أنظار الكاتب إليه، فهو يراقبه، يقتحم مسكنه، يتبوّل في فراشه، إلى أن تحين لحظة المواجهة بينهما وتصفية الحساب مع الماضي. فيندرز هنا يبدو غريبا على طابع أفلامه التي عرفناها، ولكن اهتمامه بالمكان يظل قويا وبارزا، مثل اهتمامه بتقديم وصف للحالة النفسية للشخصيات: الوحدة، العزلة، فشل العلاقات العاطفية.

سيظل فيندرز ملهما للكثير من السينمائيين الشباب داخل وخارج ألمانيا، بأفلامه التي تجاوزت حتى الآن 57 فيلما، ما بين الفيلم القصير والطويل، الروائي والتسجيلي، فهو بلا شك، يظل مع زميله هيرتزوغ، الذي ينتمي إلى نفس المدرسة، أكثر السينمائيين الألمان ابتعادا عن التقليدية، وخروجا عن “الذات الألمانية”، والأكثر انفتاحا على العالم.

18