الألم السوري أو قليل من الأمل

الاثنين 2013/12/23

“الموت الموت ولا المذلّة”. بهذا الشعار انبثقت لحظة الوعي الفجائي التي فجرت الثورة السورية قبل المقتلة الكبرى.

والآن، لسنا نعرف أيّ الأوصاف هي الأصدق والأدق بالنسبة لحالة سورية: ثورة مغدورة، أم حرب أهلية، أم فتنة طائفية؟ ما أحوجنا إلى توصيف صريح. هل أصبح الأمر مجرّد قتال بين استبداد وحشي وجهاد همجي لا خير فيهما ولا رجاء في ثالثهما؟ كان نيتشه يقول: وأنت تقاتل الوحش احذر أن تصبح وحشاً بدورك. والآن، هل أصبح مقاتل الوحش وحشاً بدوره؟ لكن، أين الحراك المدني من كل هذا؟ أين اختفى أولئك الذين كانوا يحلمون ببلد -على أضعف الإيمان- لا يصفع فيه الشرطي مواطنا، ولا تعتقل فيه المخابرات طفلا، ولا تسطو فيه السلطة على منزل معتقل، ولا يعتقل فيه الأخ بدل أخيه..؟ هل اختفى هذا الحلم المتواضع إلى الأبد، أم إنّه توارى في زاوية ما من زوايا الوعي المقهور، وقد يعود وقتما يسكت دويّ المدافع وهدير الطائرات وانفجار البراميل الساقطة على المُدن؟ لكن، هل يهدأ كل هذا قبل خراب البلد؟ فماذا بقي الآن غير العناوين الانتحارية: الأسد أو نحرق البلد، الخلافة الإسلامية في الشام، العلوي عا التابوت والمسيحي عا بيروت…؟ أين سوريا من كل هذا الجحيم، سوريا الأعرق والأعمق من كل الحكام وكل الأحزاب وكل الطوائف وكل الأديان؟

انسحاق وطن بين مطرقة استبداد القائد الواحد الأحد، والحزب الوحيد الذي لا شريك له من جهة، وسندان تطرف شيوخ الفتنة والجهل من جهة ثانية. وأين الجهة الثالثة، أين؟

بالحسابات الواقعية والدقيقة، الدولة الآن لا تسيطر سوى على القليل من الأرض، وكذلك الثورة فإنها لا تسيطر إلا على القليل من الأرض. تدهورت الثورة نعم، لكن الثمن كان غاليا، انهارت الدولة بالكامل، انهارت أخلاقيا ثم اجتماعيا، وهي على وشك أن تنهار جغرافيا، ووحدهم الإرهابيون من يرثون الأرض وما عليها. وساذج من يظنّ أنه سيقول في آخر اللعبة للإرهابي: شكراً لك، يمكنك الانصراف الآن.

اللعبة بحجم الخطيئة الأصلية أيا كان لاعبها الأصلي، حيث الثمن يدفعه الجميع على مدى زمني يطول، ولا يمكن تفادي الكلفة بأي حال من الأحوال. لا شيء يمكنه أن يعود كما كان. عقارب الساعة لا تعود إلى الخلف. وهذا هو اليقين الوحيد الذي ينكره الجاحدون.

فأين العلة في الغمّة السورية؟

بصرف النظر عن التقويم النهائي لما يحدث في سوريا الآن، والذي هو أقرب إلى ورطة وقعت فيها مختلف الأطراف المحلية والإقليمية والدولية لأمد سيطول، بوسعنا أن نؤكد بنوع من اليقين أنّ ما وقع كان بالإمكان تفاديه منذ الوهلة الأولى عندما اعتُقلأطفال درعا واقتلعت أظافرهم، كانت إقالة محافظ درعا مثلا تكفي لغلق الملف ولو إلى حين. وحتى بعد مرور عام عن اندلاع الثورة في درعا وبانياس وإلى حدود مقتلة بابا عمرو في حمص، بل إلى حدود ما سمي بيوم الجمعة العظيمة (آه، حتى أسماء الجمعات لم تعد تُذكر) كان يمكن تدارك الخراب بقرار حكيم من بضعة أشخاص. وبالحس السليم كانت هناك ثلاث فرص ضائعة:

أولا، على منوال ثورتي تونس ومصر، كان منتظراً من الجيش النظامي السوري (حماة الديار) أن لا يتدخل في الصراع السياسي، وأن لا يتورط في المواجهة مع الحراك الشعبي، وأن لا يدعم أي طرف، بل كان منتظرا منه شيئان يظلان من صميم مهامه: تأمين المراكز الاستراتيجية للدولة السورية؛ وإعلان الحدود البرية منطقة عسكرية لمنع دخول الإرهابيين وتهريب الأسلحة. وبهذا النحو كان الجيش السوري سيحمي وحدته ووحدة سوريا ويحتفظ بإمكانية لعب دور حاسم في تدبير الانتقال السياسي بكلفة أقل وتحفظ ما يسمى بالدور الاستراتيجي السوري ومن دون حاجة لأي تدخل أو استعانة بالخارج، أكان الخارج يتعلق بالإرهابيين السنّة وبالتسليح الخليجي أو كان يتعلق بمقاتلي حزب الله الشيعي وبالحرس الثوري الإيراني.

ثانيا، حتى بعد تورط الجيش في الصراع السياسي، كانت خطوة بسيطة من الأسد من شأنها أن تغير الاتجاه نحو تفادي الكارثة، اللهم إن كان نظام الأسد قد أصرّ مسبقا على اختيار شمشون، هدم المعبد على رؤوس الجميع، الأسد أو لا أحد، وهو اختيار غير حكيم في كل الأحوال. كانت الخطوة الحكيمة تستدعي التضحية بمنصب رجل واحد فقط، الأسد، ومن ثم تفويض نائب الجمهورية تشكيل حكومة تدبير المصالحة الوطنية على أساس إلغاء مسبق للمادة الثامنة من الدستور. لاسيما وأن نائب الجمهورية (الوضع الآن لم يعد واضحا) كان يحظى باحترام معظم شباب الحراك الثوري في الداخل السوري.

ثالثا، كان المطلب الأساس لثوار الداخل السوري أوّل الأمر هو إعلان منطقة حظر جوي تشمل معظم الأراضي السورية، مع رفضهم لأي تدخل عسكري خارجي، بل رأينا خلال العام الأول من الحراك ما يكفي من الشعارات الناقدة للمجلس الوطني في الخارج والذي كان يأمل في تدخل عسكري خارجي على طريقة ليبيا. وفعلا، كان بوسع إعلان منطقة حظر جوي أن تحيّد سلاح الطيران النظامي والذي استطاع تخريب الثورة، لكن بكلفة تساوي خراب سوريا وتغول الإرهاب العالمي في المنطقة. بمعنى، الانتحار الجماعي.

ما جدوى هذا الاستذكار الآن؟

نعم، لا تأتي الحكمة بأثر رجعي. أو كما يقول المغاربة “البكاء على الميت خسارة”، لكن استذكار الفرص الضائعة قد ينفع في استلهام الدروس والعبر. في كل الأحوال كلنا فانون سواء وقفنا مع الثورات أو ساندنا الأنظمة، غير أن الذي سيبقى بعدنا هو الدروس والعبر. لقد كان حدس أفلاطون بليغاً: تخلد الأفكار وتفنى التجارب.

وماذا بعد؟

في كل الأحوال، فإنّ الشعب السوري من حيث ثقافته ونفسيته ومزاجه لا يمثل بيئة حاضنة للتطرّف الديني. إذ لعلها أجواء المقتلة الكبرى وبراميل الموت الساقطة من الطائرات هي التي أرغمت الهاربين من الموت بطائرات “الممانعة” على مساكنة الموت بسكاكين “التّكبير”، في انتظار أن يأتي يوم يرحل فيه جميع تجار الدم عن سماء سوريا، لتعود دمشق عاصمة لعشاق الحياة كما كانت دوماً. لكنها هذه المرّة لا موت فيها ولا مذلة أيضاً. ومن يدري، لعل الموت الكبير ثمن انبعاث كبير.

كاتب مغربي

8