الألم المهاجر

الجمعة 2014/01/17

أحدى عوارض الألم الجسدي الحاد هو استحالة تعريف موقعه ومصدره من قبل المريض، حيث يكون في الغالب مقيدا بشبكة عنكبوتية من الأعراض التي يمكن أن تشبه في مواصفاتها أمراضا لا حصر لها في الوقت ذاته، لذلك تصبح مهمة الطبيب شبه مستحيلة لتشخيص نوع العلة وتحديد موقعها في الجسد.

في حالات التدخل السريع، يلجأ الأطباء إلى استخدام الحيل اللفظية للتحايل على الألم ومحاولة ترويضه ولو بالإيحاء، حيث يصفونه في إحدى حالاته غير المعتادة بقدرته على الارتحال عبر ممرات عصبية دقيقة ليظهر في مواضع بعيدة عن المصدر الحقيقي له؛ فحين ينتقل مصدر الألم ابتداء من جذر العصب ليتبع مساره في أرجاء مختلفة من الجسد تنتقل معه الأعراض والآلام المبرحة لتسرح وتمرح في جسد العليل حتى تقطع عليه كل سبل الراحة والسكينة. وهذا هو في رأيهم: “الألم المهاجر”.

الألم النفسي يحلو له أن يهاجر أيضا، لكن هجرته في الغالب تتجاوز حدود الجسد فتراه كالحقيبة المهترئة، التي تلاحق صاحبها في الموانئ والمطارات ومحطات الانتظار الطويل ودروب الصقيع دون كلل. وحين تعطف الظروف والغربة على صاحبنا المهاجر وتمنحه رخصة للتنفس والعيش في مساحة ضيقة لا تزورها الشمس ولا ترنو إليها وجوه الآلهة الطيبة، يبقى الألم النفسي تائها هائما كظل أعرج.

في القانون الدولي لا يمنح الظل ولا الأعرج حق اللجوء، لذا تراه يمضي عابسا وربما وحيدا، حتى تحين لحظة لقاء ثانية فيقفز إلى وجه صاحبه القديم ليسرق لحظات الفرح والأمل التي ما زالت غضة، راسما ملامحه العنكبوتية مرة أخرى على زوايا الروح.

لكل علّة دواء، هذه هي قوانين الطبيعة ولهذا.. ربما يزول الألم النفسي بزوال الأسباب، فالاكتئاب الذي يلحق الفشل سرعان ما يلتئم عند بلوغ أول عتبة للنجاح. كما قد يزول الألم النفسي بزوال المتسبب؛ فاليأس المزمن الذي يسببه وجود حاكم مزمن يمسك بتقاليد الحكم لعقود عدة دون أن يرف له جفن، قد يزول مع موت هذا الحاكم بسبب عضة بعوضة نجحت في التسلل إلى الجناح الرئاسي ذات يوم بعوضي، وهذه الحادثة طبعا من اختصاص قوانين الطبيعة، التي ترى في شخص الرئيس مادة حية قابلة للموت والتحلل والتعفن.

أما الألم النفسي المتأتي بسبب الشعور بالظلم وكسر الخاطر، فيشفيه مشهد تعثر شخص سبق وأن تسلق على أكتافك أعلى سلالم المجد، حيث الاستمتاع بمشهد تهشم كبريائه وهو ترياق علاجي عادل.. مجرب ومتين.

بعض أنواع الآلام النفسية المهاجرة عصية على الزوال.. وهذه تتبع مفوضية القضاء والقدر، وبالطبع، لا شأن لها بقوانين الطبيعة. تلك الآلام العظيمة التي تمسك بمطرقتها طوال الوقت لتهوي بها على رؤوس تأجل قطافها، أو مسامير تتقن فن التسلل إلى مخزن الذكريات فتحدث في واجهته ثقوبا جديدة بنكهة الغياب، آلام ليس لها اسم أو ملامح.. تهاجر مع صاحبها من رقعة إلى أخرى ومن صيف إلى شتاء لتمر عبر البحار والقارات والمدارات العصبية بخفة ولا تضع رحالها إلا على مضض.

هذه الآلام المهاجرة التي ترتدينا “كمعطف عليها”، لا تعترف بالمسافات ولا تنطلي عليها مظاهر النجاح المزيف كما لا تتأثر بالأخبار السعيدة القادمة من الوطن الجريح؛ فتصبح كبصمة الأصابع لا يمكن أن تموت إلا بنفاذ صلاحية الجسد.

21