الألوان الدافئة تتحدَّى الرتابة وتقهر عناد الشكل

الفنان عيّاد النمر قدّم خطابا متشعّبا في مستوياته الجمالية والفكرية والترميزية فهو بحرصه على التجريد والاختزال استغنى عن الزوائد في سرديات البهجة والمرح.
الثلاثاء 2020/10/13
سباحة روحانية في الملكوت

في معرضه الفردي الأخير بعنوان “تفاؤل”، الذي استمر لمدة عشرة أيام، قدم الفنان التشكيلي المصري المخضرم عياد النمر عددا من اللوحات المتباينة الحجم، تتسم بالطابع التجريدى، رسمها بألوان دافئة تبث الأمل والتفاؤل موظفا فيها سنين خبرته وتمرسه بأعماق اللوحة وخطابها الجمالي والفكري.

في معرضه الفردي “تفاؤل” بغاليري “الكحيلة” في حي المهندسين بالقاهرة، أطلق الفنان عيّاد النمر تكويناته الهندسية المرنة خارج الأطر الحادّة والبراويز الجامدة، متكئا على حرية التفجّرات اللونية الدافئة، وصخب الدفقات التعبيرية الدافعة لاقتناص الحياة من بين أظافر عالم شرس قاتم.

اصطحب النمر (72 عاما) متلقّيه منذ البداية إلى قلب التجربة مباشرة، فاللوحات الجاذبة، متباينة المقاسات، حملت عنوانا صريحا لا يقبل التأويلات؛ هو تفاؤل، ومن هذه العتبة المفتاحية الصارمة هيّأ المُشَاهِد ذاته للتعاطي مع منظومة متشابكة من الأفكار والمدارك والمدارات البصرية، التي أعلنت تقاطعها الحميم مع خطوط البهجة كشرط ضروري أوّلي.

كتل متوهجة

التفاؤل الذي انبنت عليه فلسفة المعرض ورؤيته العامّة ليس مضادّا للتشاؤم بمعناه الضيق، إنما هو سلسلة من التحدّيات المُقاوِمة للرتابة والجمود وعناد الشكل ودوائر الإحباط واليأس والتراجع والانهزامية والتبلد الحسي والمعنوي.

التشكيلي عيّاد النمر

 وهذا التفاؤل هو أيضا البركان المتقلب الثائر، الذي تتدفق منه دوّامات الجنون، وخلايا الدورة الدموية في الإنسان المتغير المتطور والكائنات الحية النامية، وإيقاعات الأمل النابض المُراوِغ، الذي لا يمكن إخماده أو تقييده أو حصره في قالب.

استثمر الفنان عيّاد النمر قدراته الأكاديمية كدارس للتصوير في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، وخبراته المعرفية والجمالية، ومخزونه الحياتي، ووعيه التاريخي والتراثي، في هندسة الأسطح وفق ترتيب خاص لا يخضع للمقاييس والمواصفات الطبيعية، وفي تجريد الملامح والتضاريس، وتكثيف التعبير عن الوجوه والأشكال والأبنية المألوفة والغامضة والملغزة، لتقديم نسيج كلي يحمل بصمة الفنان، ويحيل إلى عالمه الحقيقي والأسطوري.

راهن النمر على الكتل الانسيابية المتوهجة، والمتمردة على ميزانها ومركز ثقلها، والإشعاعات اللونية الممتدة في سائر الاتجاهات، الباعثة على النشاط والحركة والطاقة وعدم الاستسلام.

والمدهش أن حساباته الرياضية جاءت كلها لتصبّ في مصلحة الفوضى في هذه اللعبة القائمة على المتناقضات ودمج التلقائي والمشغول، فهو ينتصر للخطوط بكسرها أحيانا وباستقامتها في أحيان أخرى، ويتأرجح بين الوعي واللاوعي فوق الأسطح الملموسة وفي الفراغ اللانهائي، ويثبت الأشكال الهندسية لكنه يجرحها بتفتيتها ومحو اكتمالها وانتظامها.

يحار المتلقي في المعرض أمام أعمال تعكس ما يمكن تسميته بـ”الفطرية المنضبطة” أو “المهارة المطلوقة”، فما هو ارتجالي يجري تقنينه، وما هو مدرسي يتم تحريره وفك قيوده الانضباطية، لكن الذي لا شك فيه أن الفوران الغائي له الكلمة العليا، فانفعالات الوجوه البشرية وعمقها الداخلي مثلا أكثر وضوحا وتأثيرا من الالتزام بتفاصيل الملامح وتوزيعات الخطوط والقسمات الدالّة، والمحتوى اللوني والشعوري للمربعات والمثلثات والدوائر أعلى قيمة وزخما من إسقاطات هذه الأنساق والوحدات ودلالاتها الهيكلية والزخرفية.

قدّم النمر خطابا متشعّبا في مستوياته الجمالية والفكرية والترميزية، فهو بحرصه على التجريد والتكثيف والاختزال استغنى عن الزوائد والحواشي في سرديات البهجة والمرح والتفاؤل التي نثرها، تارة في مشاهد حياتية تعجّ بالإيجابية والأفعال الإنسانية المحببة مثل عزف الموسيقى والغناء والرقص الدائري والثنائي والجماعي والطقوس والمناسبات الاجتماعية في بيئات شعبية مختلفة، وتارة عبر التراكيب اللونية المتداخلة كأقواس قزح المصاحبة للمطر والخصوبة والاخضرار والانتصار على السواد والجفاف.

عوامل الجذب

حسابات عيّاد النمر الرياضية جاءت كلها لتصبّ في مصلحة الفوضى
حسابات عيّاد النمر الرياضية جاءت كلها لتصبّ في مصلحة الفوضى 

حرص الفنان عيّاد النمر في معرضه “تفاؤل” على شحن أعماله بالنصاعة والجاذبية، فهناك حالة من السطوع والإشراق ملتصقة بالبشر والكائنات والأشياء، ونابعة من داخلهم، تدفع الرائي إلى طمأنينة موازية، واستشعار الرضا والثقة في رحلة الحياة المليئة بالمطبات الوعرة والأشواك القاسية، لكن هذه الكبوات والسقطات دائما مؤقتة، والانفراجة تأتي لمن ينشدها ويسعى صوبها بصدر رحب.

فتح التشكيلي المصري تجربته على ذاكرة فنية متعددة الروافد، فهناك الوجوه والتصاوير ذات الطابع الفرعوني، وهناك النقوش والتقاسيم التي تشبه الزجاج الملون والمعشق والزخارف والمنمنمات ذات النكهة الإسلامية، وهناك الخيال الشعبي والمحكيّات المدوّنة والشفاهية في القصص والملاحم والسير البطولية والأحداث التاريخية والدينية، وهناك الأيقونات البصرية المتوارثة مثل الأكفّ والأصابع والطيور والخيول واللوتسات وغيرها.

مثلما احتفى الفنان بالحركة في رسومه، فإنه فتح نوافذ لهبوب الأصوات والنغمات، لتتجاوز الصورة سكونها وصمتها في وضعيتها الجديدة، فالتفاؤل الذي يرجوه هو حيوية كاملة، وحواسّ متراسلة، وشغف بالتواصل والتفاعل والانسجام والاحتواء.

مثلما احتفى الفنان بالحركة في رسومه، فإنه فتح نوافذ لهبوب الأصوات والنغمات لتتجاوز الصورة سكونها وصمتها

ولم يغفل التأمل والتدبر، والسباحة الروحانية في الملكوت، لاستشفاف ما وراء الضجيج اللحظي من قيم جوهرية ومعانٍ رائقة وَمُثلٍ باقية. ورغم تداخل العديد من الأشكال النظامية في لوحات النمر، فإنه ليس من أنصار الاستقطاب والمركزية واعتماد التكوين على نقطة محورية، ففي اللوحة عادة أكثر من مركز لأكثر من مكان، وأكثر من نقطة استهلالية وختامية.

وفي لوحات الأبيض والأسود، زهد الفنان في تشخيص الأجساد النسوية، إلى حدّ اختصارها في خطوط ونقاط خفيفة نحيفة على الورق، لكنها ثقيلة دسمة بحمولة المشاعر المندفعة والفيوض المكثفة.

أما أخطر متناقضات الفنان عيّاد النمر، التي نسجها بوعي، فهي تلك المقدرة على مزج الواقعي والتخييلي، بحيث لا يبدو فرق بين ما هو فعلي حقيقي وما هو مجازي فانتازي، وذلك من دون تقسيم المشهد إلى متون وهوامش، بل إن كل المعطيات المتاحة ممتزجة منصهرة، ولها الفرصة نفسها في الحضور وفرض الذات كمفردات مستقلة، ودعم الكيان الكلي.

14