الأمازون خزان الأوبئة القادمة

علماء يحذرون من أن تدمير الغابات يجبر الحيوانات البرية الناقلة للأمراض على الاقتراب من البشر بشكل متزايد ما يسمح بظهور سلالات جديدة من الأمراض المعدية.
الاثنين 2020/05/18
النيران تأكل رئة الأرض

يرتاح البعض لما يتابعه من تأثيرات كورونا على حياتنا، قد تفرح أنباء الانفراجة التي أوجدها هذا الوباء المستجد في التخفيف من انبعاث الكربونات، لكن ارتفاع التجاوزات التي يمارسها البشر في الغابات المطيرة من حرق وقطع للأشجار دفع بالخبراء للتحذير من انتشار أوبئة شديدة الفتك بالإنسان مع انتقال الحيوانات من موائلها واقترابها من البشر.

ساو باولو- يحذّر علماء البيئة من أن الوباء القادم قد يأتي من غابات الأمازون، بسبب إزالة الغابات في السنوات الأخيرة ما يخلق بيئة غير متوازنة تنقل الفيروسات من الحيوانات إلى الإنسان.

يقول هؤلاء، إن تحضر المناطق التي كانت ذات يوم برية يساهم في ظهور الأمراض الحيوانية المنشأ، تلك التي تنتقل من الحيوانات إلى البشر.

وقال الباحث البرازيلي ديفيد لابولا، إن التدخل البشري في المناطق التي تعيش فيها نباتات وحيوانات متأصلة يتسبب في حدوث اختلال بيئي ونشر أوبئة من قلب غابات الأمازون المطيرة.

وبحسب العلماء، فإن تدمير الغابات يجبر الحيوانات البرية الناقلة للأمراض على الاقتراب من البشر بشكل متزايد، ما يسمح بظهور سلالات جديدة من الأمراض المعدية، موضحين، أن وباء كورونا أحدث مثال على أن تدمير البشر لمواطن الكائنات الحية في الحياة البرية مرتبط بانتشار الأمراض المعدية.

ويرى العلماء أن فايروس كورونا انتقل من الخفافيش إلى البشر في مقاطعة هوباي السريعة التحضر في الصين ربما عن طريق نوع ثالث، معتقدين، أن أكثر من ثلاثة آلاف سلالة من الفايروس يمكن أن توجد بالفعل في الخفافيش وقد تنتقل إلى البشر.

ويمكن أن يشكل الفايروس المستجد  خطرا مشابها لتلك الأوبئة المميتة التي ضربت مجتمعات قبلية سابقة، مثل الحصبة في الستينات التي قتلت 9 في المئة من المصابين في مجتمع يانومامي.

ويقول روجر فروتوس، باحث الأمراض المعدية في جامعة مونبلييه الفرنسية، إنه من غير المحتمل أن تنقل الخفافيش الفايروسات إلى البشر عندما تكون في مواطنها الطبيعية، لكن التغييرات في البيئة زادت من تعرضها للإنسان وكذلك من فرص انتقال الفايروس.

الفايروس يتربص بالسكان الأصليين
الفايروس يتربص بالسكان الأصليين

وأضاف أن الفيروسات المنقولة بالخفافيش توجد حالياً بشكل أكثر كثافة بالقرب من البشر حول العالم.ويوضح لابولا البالغ من العمر 38 عاما والذي يدرس الطريقة التي سيعيد من خلالها النشاط البشري تشكيل الأنظمة البيئية المستقبلية للغابات المدارية، أن التاريخ يعيد نفسه في الأمازون.

ويقول، “الأمازون خزان ضخم للفايروسات. من الأفضل ألا نعبث فيه”. وتختفي أكبر غابة مطيرة في العالم جراء قطع الأشجار بمعدل سريع جدا ينذر بالخطر.

ولاحظ العلماء، أن ذلك يرجع إلى سياسات الرئيس البرازيلي جائير بولسونارو المتعلقة بالبيئة، التي ارتفعت فيها المساحات الغابية المنتهكة العام الماضي بنسبة 85 في المئة، ووصلت إلى أكثر من 10 آلاف كيلومتر مربع، وهي مساحة تقارب مساحة لبنان. ولا يزال هذا التوجه مستمرا هذا العام.

ومن يناير إلى أبريل، أزيل 1202 كيلومتر مربع، وهو رقم قياسي جديد للأشهر الأربعة الأولى من العام، وفقا للبيانات المستندة إلى صور الأقمار الاصطناعية من المعهد الوطني البرازيلي لأبحاث الفضاء.

ويشير لابولا الذي يحمل درجة دكتوراه في نمذجة نظام الأرض من معاهد ماكس بلانك في ألمانيا، ويعمل في جامعة كامبيناس في البرازيل، إلى أن هذه الأنباء سيئة ليس لكوكب الأرض فحسب بل أيضا لصحة الإنسان موضحا “عندما تخلق اختلالا في التوازن البيئي… يمكن للفايروس أن ينتقل” من الحيوانات إلى البشر.

ويمكن رؤية أنماط مماثلة في ما يتعلق بفايروس نقص المناعة البشرية والإيبولا وحمى الضنك، “فكل الفايروسات التي ظهرت أو انتشرت على نطاق واسع كان سببها الاختلالات البيئية” وفقا للباحث.

ويلفت الخبراء إلى تضاعف عدد مرات تفشي الأمراض لثلاث مرات كل عقد منذ الثمانينات، وأن أكثر من ثلثي تلك الأمراض نشأ في الحيوانات، وأن معظمها ينتقل مباشرة من الحيوانات البرية إلى البشر، حيث تجبر إزالة الغابات تلك الحيوانات الناقلة للأمراض على الاقتراب من البشر، ما يسمح بسلالات جديدة من الأمراض المعدية.

الأنباء سيئة لكوكب  الأرض ولصحة الإنسان، فاختلال التوازن البيئي  يمكّن الفايروس من أن  ينتقل من الحيوانات  إلى البشر
الأنباء سيئة لكوكب  الأرض ولصحة الإنسان، فاختلال التوازن البيئي  يمكّن الفايروس من أن  ينتقل من الحيوانات  إلى البشر

وحتى الآن، تركزت معظم حالات تفشي هذه الأوبئة في جنوب آسيا وأفريقيا التي ترتبط غالبا بأنواع معينة من الخفافيش والبعوض، مثال فايروس غرب النيل الذي ينقله البعوض، ويتكاثر بشكل أسرع في الأجواء الحارة، فيما يعتقد الباحثون أن التغير المناخي يسمح للفايروس بالانتشار بشكل أكبر في الطيور البرية، والذي يصيب البشر بعد ذلك. وقال سكوت ويفر، من جامعة تكساس الطبية، إن إزالة الغابات ستزيد خطر الفايروسات التي ينقلها البعوض في المناطق الاستوائية، وكذلك في أميركا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا.

وأضاف أن الدول الأكثر فقرا ستعاني أكثر من الأمراض التي تفاقمت بسبب تغير المناخ، حيث إن درجات الحرارة المرتفعة ستزيد من انتشار الفايروسات؛ مثل حمى الضنك في الأماكن التي لا يستطيع الناس تحمل تكاليف شراء أجهزة التكييف وكذلك إجراءات الحماية من الأمراض.

ويمكن للتنوع البيولوجي الهائل في منطقة الأمازون أن يجعل من المنطقة “أكبر تجمع لفايروسات كورونا في العالم” في إشارة إلى كل أنواع فايروسات كورونا وليس الجائحة الحالية فحسب.

ويقول لابولا، “هذا سبب آخر يدفعنا إلى عدم استخدام غابة الأمازون بشكل غير عقلاني، كما نفعل الآن”. ويلفت إلى أن هناك سببا آخر يدعو إلى القلق من زيادة إزالة الغابات من جانب المزارعين وعمال المناجم وقطّاع الأشجار غير القانونيين.

وقالت منظمة “سورفايفل إنترناشونال” غير الحكومية إن انتشار الفايروس سهّل توغل حطابين ومنقبين غير قانونيين في أراضي السكان الأصليين.

وقد نشر الرئيس البرازيلي، وهو مشكك في قضية تغير المناخ ويريد إتاحة أراضي الشعوب الأصلية المحمية للتعدين والزراعة، الجيش في منطقة الأمازون هذا الأسبوع لمكافحة إزالة الغابات، في خطوة وقائية نادرة.

لكن لابولا يقول إنه يفضل بدلا من ذلك رؤية الحكومة تعزز وكالة البيئة الحالية “إيباما” التي واجهت خفضا في عدد موظفيها وميزانياتها في عهد بولسونارو.

ويتابع، “آمل في ظل الإدارة المقبلة بأن نولي المزيد من الاهتمام لحماية ما قد يكون أعظم كنز بيولوجي على كوكب الأرض” مضيفا “نحن في حاجة إلى إصلاح العلاقة بين مجتمعنا والغابات المطيرة”، وإلا سيواجه العالم المزيد من الأوبئة والأمراض وهي “عملية معقدة للغاية”.

20