الأماسي الجميلة لم تعد موجودة في بغداد بلد شهرزاد وشهريار

الأربعاء 2014/01/29
السمك النهري الشهير ببغداد يفتقد نكهته الخاصة

بغداد – قد يبدو الأمر مثيرا للسخرية إن يطلق الصحفي الوافد على هذه البلاد، التي ما عرفت السكينة من عقود، سؤالا عن مسرات أهلها! فالعراقيون بلا مسرات منذ أن رثى ذاك السومري ولده القتيل، وبعد ذلك لم تعد الدموع إلى مآقيها! بغداد تنام مبكرا اليوم وبلا مسرات. فكل الذين تحدثوا في هذا التحقيق أجمعوا على أن المسرات غابت عن البلاد، والأمل يكاد يتلاشى في عراق مجهول المستقبل حتى على مدار عقدين قادمين.

عندما أعاد مراسل لصحيفة أسبانية سؤاله على كل من التقاهم من العراقيين خلال أيام وجوده في البلاد، عن مسراتهم، سخر غالبية العراقيين من السؤال، فلا مسرات في وطن أنهكه الجوع والديكتاتورية منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، وأصبح الموت طقسا يوميا مكررا منذ احتلال البلاد عام 2003، وبعدها الصراع الطائفي بين الأحزاب الدينية المتنافسة على السلطة.

لكن بغداد التي عرفت تاريخا من الحب والغناء والليالي الحافلة بالسهر والشراب والضياء في شوارعها الساهرة، تأبى أن تغادر ذاكرتها مع كل الألم الذي تعيشيه والاستباحة من قبل حلقات دينية وطائفية تريد أن تنقل تقاليد المسجد إلى الدولة.

وهذا ما دعا المخرج باسم قهار، الذي عاش سنوات في أستراليا وعاد إلى بلده بعد إخراج مجموعة من المسلسلات التلفزيونية، إلى وصف بغداد في حديث لمراسل وكالة أنباء دولية بـ”أنها عمامة سوداء كبيرة” في إشارة إلى سيطرة رجال الدين على مقاليد البلاد.

كثيرا ما تعرضت محلات بيع الخمور إلى تفجيرات من ميليشيات متطرفة، واتهم حينها رجال الشرطة بالتساهل مع الفاعلين، كما أن الخوف دب بين النساء اللواتي يخرجن دون حجاب.

النساء العراقيات لم تعد قادرات على الخروج دون حجاب

وقال عراقي فضل أن يذكر أسمه الأول “نائل” “كيف لا تخاف النساء من الخروج دون حجاب مفروض عليهن، والغالبية العظمى من نساء البرلمان والحكومة من المحجبات، أو اللواتي يرتدين العبادة، بل إن بعضهن يرفضن مصافحة الرجال وهن في درجة الوزيرات” فهل هذه بغداد التي عرفت بتاريخها المتسامح؟

وفي شارع أبي نؤاس الذي يحاول أن يستعيد هيئته على مضض قال عراقي يرشد فريقا من عدة صحفيين من أسبانيا ودول أميركا اللاتينية “إن الذي ترونه ليس أبا نؤاس الشارع بل صورة مرممة من هذا الشارع الذي أرّخ لتاريخ من ليالي ألف ليلة وليلة”.

وأكد طالبا عدم الإشارة إلى أسمه في جلسة عشاء جمعته بخمسة صحفيين أن “البلاد سقطت في لجة الديني، ومشروع الأحزاب الدينية هو تحويل العراق إلى جمهورية إسلامية بالتقادم، فلا مكان لبلاد منفتحة على العالم تؤمن بالحرية الاجتماعية”.

وأشار العراقي الذي عمل مترجما لوفود صحفية وسياسية تتكلم الأسبانية، إلى ما قالته إحدى الشخصيات النافذة في البلاد في لقاء سابق بأن خططهم لا تعول على السياحة التقليدية، لأن لديهم ما يكفي من المشاريع للسياحة الدينية التي تفيد البلاد وتحافظ على تقاليدها.

التفجيرات أصبحت تباغت العراقيين في أية لحظة

يرسم صحفي غربي تجول في المدن العراقية على مدار شهر كامل صورة حزينة لبلاد كانت في يوم ما جميلة، ويصف غالبية العراقيين الذين التقاهم بأنهم افتقدوا الود في تعاملهم في ما بينهم، فهم متوترون دائما، ويعزون ذلك إلى طبيعة حياتهم التي تغيرت على مدار السنوات الماضية.

لن يكون أمام الزائر لعاصمة بلاد ما بين النهرين خيارات كثيرة لقضاء أمسية جميلة، فحتى المطاعم المحيطة بعدد من الفنادق في مركز العاصمة في شارع أبي نؤاس تكاد تكون متشابهة في تقديم السمك النهري المسكوف، فيما يتم تداول أرخص أنواع النبيذ وفي أماكن محددة.

البلاد تنام مبكرا وليس كما كان يسمع عن سهرات بغداد، والنصيحة الدائمة هي كن حذرا ولا تتأخر ليلا عن العودة إلى الفندق.

بغداد لم تعد نفسها، ليس لأن التفجيرات قد تباغتك في أية لحظة، وإنما لتغير سلوك الناس هناك بعد سنوات مريرة من الديكتاتورية والحرب الخارجية والاحتراب الداخلي.

كذلك يكتب صحفي آخر من المجموعة الصحفية الأسبانية التي زارت بعض المدن العراقية وقضت شهرا في التجوال “إياك التفكير في قضاء أمسية جميلة على نهر دجلة في بغداد، فالأماسي الجميلة لم تعد موجودة في بلاد شهرزاد وشهريار”.

20