الأمة من غير حرف كالبناء من غير سقف

يعد فن الخط العربي من أعرق الفنون العربية التي رسخت على امتداد الحضارة الإسلامية كفن بديع وبصمة فنية عربية كونية، وقد تطور الخط العربي وتشعبت فروعه وتنوعت طرق رسمه وتقنياتها، لكنه في كل ذلك يبقى محافظا على خصوصيته الفريدة من نوعها. “العرب” التقت الخطاط السعودي الرائد عبدالله عبدالرحمن الصانع فكان لنا معه هذا الحوار.
الأربعاء 2016/08/24
عبدالله الصانع: بغداد تظل القلعة الأخيرة للخط العربي

تقاعد خطاط المراسم الملكية وسجل تشريفات الدولة في السعودية عبدالله عبدالرحمن الصانع من وظيفته قبل سبع سنين، ولكنه سيظل حاملا للقبه كخطاط على مدى العمر، لذلك قرر أن يظل خادما للحرف العربي ويحمله سلاحا في مقاومة المتربصين بالأمة.

يروي الصانع لـ”العرب”، خلال زيارته إلى العاصمة الأردنية عمان، أنه بعد تقاعده، مباشرة، أقام معرضا خاصا بالمدينة المنورة عن انجازات النبي محمد في هذه المدينة، فاختار الأحاديث النبوية الشريفة من البخاري ومسلم وآيات من القرآن الكريم ورد فيها ذكر أسماء المدينة والرسول الكريم، فكان أول معرض خاص له يقام في السعودية عن هذه المدينة ورسولها الأعظم.

كما كان ردا فنيّا متحضّرا على من أساء إلى الرسول الكريم في أوروبا وأميركا، وكذلك على تصريحات بعض الفقهاء الإيرانيين الذين جاءوا بأطروحة انتهاء الإسلام المحمدي وبداية عصر الإسلام الفارسي كما سموه، إذ تجول الخطاط بهذا المعرض في جميع مناطق السعودية ودول الخليج العربي، وهو يعمل، الآن، لنقله إلى خارج المملكة السعودية في جولة أوروبية، في القريب العاجل، ليكون الأول من نوعه تصحيحا للنظرة الخاطئة للإسلام والمسلمين.

الحرف سقف

الصانع من أغزر الخطاطين تأليفا وبحثا في الخط العربي بالسعودية وقد نال العديد من الجوائز والتكريمات لتجربته الفريدة

يقول الصانع، الذي يشغل خطة مستشار التجمع العالمي لخطاطي المصحف الشريف، “حذرت منذ العام 1988 في كلمة ألقيتها نيابة عن وفود العالم في بغداد من محاولات جمعيات تعادي الحضارة الإسلامية بتحوير معالم الحرف العربي وجعله أقرب إلى العبرية واللاتينية، لطمس معالم القرآن الكريم وتشويه جماليته، ودعوت إلى مواجهة تلك المحاولات والحفاظ على الحرف العربي من الاندثار، وواجهت ادعاء الفرس بوجود ما أسموه الخط الفارسي، وهو في الحقيقة خط التعليق العربي الذي لا صلة له بالفرس ولا بغيرهم”.

وقد طالب عبدالله الصانع بتأسيس جمعيات للخط خلال جميع المهرجانات التي حضرها والمعارض التي شارك فيها والمحافل الدولية التي دعي إليها من خلال خمس كلمات ألقاها نيابة عن الوفود العالمية، أولها في بغداد في العام 1988، وبعدها في الكويت ثم في عمان وأخرى في الجزائر ثم في الكويت أيضا، ويقول إنه كرر الدعوة في جميع المقابلات الصحافية التي أجريت معه سواء في التلفزيون أو الصحف والمجلات.

كما طالب بتأسيس جمعية للخطاطين في المملكة العربية السعودية منذ 35 سنة، وعندما تأسست فعلا وصفها بأنها ولدت ميتة لقلة خبرة وزارة الثقافة، حينها، في تأسيس مثل هذه الجمعيات، إذ لم تتبع الأصول والمقررات ولم تسر على النهج الملائم، فكان الصانع أول من انتقدها، لأنها لم تكن شاملة لخطاطي المملكة جميعهم.

عبدالله الصانع خطاط سعودي رائد خدم الخط العربي على مدى أكثر من خمسين عاما

بات التطور الهائل تقنيا وإلكترونيا يهدد فن الخط العربي لانشغال الجيل الجديد والأجيال المقبلة بما يوفره لهم ذلك التطور من فنون مستحدثة، ولكن عبدالله الصانع يرفض التسليم بهذا إذ يقول “إن الحرف العربي والكتابة الاعتيادية قد يصبحان جزءا من الماضي إذا لم يتدارك ذلك بسرعة، من خلال إنقاذ الأطفال من التقنية التي قد تؤدي إلى ضمور عضلات اليد وعدم القدرة على رسم الحرف ونسيان الكتابة”.

مضيفا أن اعتماد الأطفال على التقنية في الكتابة بدلا من الكتابة على الورق أدى إلى إهمال تعلم الخط العربي وضمور عضلات أصابعهم، واصفا ذلك بأنه كارثة كبرى تحل بأهم رموز التراث العربي وقاعدته الأساس، فالأمة من غير حرف كالبناء من غير سقف.

وطالب ضيفنا بإصلاح الخط العربي بالمدارس، والتركيز على المدارس في تعليم الكتابة والخط لتلاميذهم منذ نعومة أظفارهم، وذلك باتباع القواعد

العامة للخط العربي، مقترحا الكتابة باتباع الطريقة الاعتيادية حتى لا ينسى الطفل الكتابة.

تجربة رائدة

يفترض عبدالله عبدالرحمن الصانع أنه إذا انحسر الخط العربي فإن منبعه الثري سيبقى في بلاد الرافدين التي خرّجت ولا زالت تخرج أعظم الخطاطين في البلاد العربية، قائلا “إن بغداد ستظل القلعة الأخيرة لهذا الفن الخالد”.

وعبدالله الصانع هو الأول في السعودية كلها الذي يرسم بالخط من دون تدخل للآلات والأجهزة، حيث رسم العديد من البورتريهات متوسلا الحروف في أسلوبه، كما يعد الصانع من أغزر الخطاطين تأليفا وبحثا في الخط العربي بالسعودية، ولم يكتف برسم الحروف بل ألف في هذا الفن كتبا نظّر فيها لمنهجه الفني في رسم الحرف العربي، إضافة إلى إثارته للعديد من القضايا المتعلقة بالخط.

عبدالله الصانع أول من طالب بتأسيس جمعيات للخط خلال جميع المهرجانات التي حضرها والمحافل الدولية التي دعي إليها

يقول ساردا عناوين البعض من مؤلفاته “إن من أبرز مؤلفاتي كتب \'خطاطو المسجد النبوي الشريف في العهد السعودي\' و\'رسول الرحمة والإنسانية وفضائله في المدينة المنورة\' و\'سيرة الفنان عبدالله الصانع خلال خمسين عاما\'، ولي كتيبات في الخط العربي منها \'الحرف العربي إلى أين؟\' و\'حرفنا العربي يستصرخ\' و\'الآلة الكاتبة تتآمر على الحرف العربي\' و\'إصلاح الخط العربي في المدارس\'، بالإضافة إلى العشرات من المقالات في صحف خليجية وعربية”.

ونال خطاط المصحف الشريف عبدالله الصانع جوائز وشهادات كثيرة لخدمته الخط العربي على مدى أكثر من خمسين عاما، ولكنه يعدّ أن أكبر شهادة حصل عليها هي لقب “خطاط المراسم الملكية” الذي سيظل يحمله مدى العمر.

كما نال جائزة الملك سلمان للبحوث والدراسات في الجزيرة العربية عن بحثه الموسوم “خطاطو المسجد النبوي الشريف في العهد السعودي”، كما حصد درع المملكة العربية السعودية من الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز لخدمته الخط العربي خمسين عاما وريادته في هذا الفن وإيصاله إلى جميع المحافل الدولية، وغيرها من التظاهرات التي احتفت بتجربة الفنان الرائد.
16