الأمثال الشعبية أبلغ من الخطابة وأبقى من الشعر

لا يوجد مجتمع عربي يخلو من ظاهرة انتشار الأمثال الشعبية، التي تختزل ثقافات الشعوب القائمة على التأثر والتلاقح الحضاري. ولا أدل على أهمية الأمثال من انتشارها وذيوعها بين الناس على اختلاف مستوياتهم، كما أنها تمثل أبعادا ثقافية عميقة، حيث نلاحظ مثلا تشابه الأمثال بين شعب وآخر، ما يجعلها بمثابة السلاسل الوثيقة التي تربط الشعوب ببعضها البعض وبتاريخها وحضاراتها. هنا حوار مع مؤلف كتاب “لأمثال الشائعة- مدخل إلى الثقافة الإماراتية” حول أهمية الأمثال وضرورتها.
الاثنين 2017/05/15
معرفة الأمثال الشعبية ضرورية لفهم وتقدير ثقافة الشعب

يركز كتاب “لأمثال الشائعة- مدخل إلى الثقافة الإماراتية” الصادر باللغتين العربية والإنكليزية للباحث ناصر إسليم، أستاذ أول اللغة العربية في جامعة نيويورك أبوظبي، على الأمثال الإماراتية الشائعة باللهجة العامية الإماراتية ودورها المؤثر في الحياة اليومية والثقافة بشكلٍ عام، ويتيح نظرةً معمّقة حول ما تلعبه الأمثال من دور أساسي في جوهر الحياة الإماراتية والثقافات العربية على تنوعها. كما يشير إلى ما تقدمه دراسة الأمثال الشعبية من منظور فريد لنشر المعتقدات والقيم العربية في مختلف أنحاء العالم. وقد عبر غلافه المستوحى من أحد الأمثال الواردة في الكتاب بصورة جلية عن جزئيات مهمة في ثقافة شعب الإمارات مثل الجمل والصحراء.

أهمية الأمثال

يقدّم الكتاب أداةً عمليةً تعزز دمج الثقافة الإماراتية في تعليم اللغة العربية، حيث يُوفر نظرةً معمقةً حول الحياة الخليجية والمجتمعات والثقافات الإماراتية المحلية، سعيا إلى تحدي الصور النمطية التي تحيط بالمجتمعات الخليجية، وذلك من خلال تعزيز الروابط بين جميع الثقافات والمجتمعات.

المثل في ذاته يتداوله الجميع من كافة أطياف المجتمع بشكل مميز يفوق غيره من الأعمال الأدبية على المستوى المجتمعي

يقول إسليم “إنني أدرّس اللهجة العربية والإماراتية منذ سنوات عديدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ولمست طوال هذه الفترة أن الإماراتيين، أسوةً بمعظم العرب، يستخدمون بشكل روتيني عدداً كبيراً من الأمثال الشعبية أثناء التواصل فيما بينهم. لقد استطاعت تلك الأمثال الصمود وبقيت راسخة رغم تعاقب الزمن، وهي تعكس اليوم جانباً مميزاً من أوجه التراث الإماراتي، كما أنها تؤثر عليه وعلى طريقة تعاقب التقاليد والأعراف الثقافية من جيل لآخر. وإن انتقال التراث الثقافي اليوم يعتبر عاملاً محورياً بالنسبة إلى المجتمع الإماراتي، خاصة بالنظر إلى التحولات الهائلة التي شهدتها المنطقة على مدى العقود الماضية. وانطلاقاً من ذلك، توصلت إلى قناعة أن معرفة الأمثال الشعبية ضرورية لفهم وتقدير ثقافة الشعب الإماراتي وتاريخه وقيمه الاجتماعية”.

ويضيف حول الكيفية التي استوحى منها فكرة ومحتوى الكتاب “ربما تأثرت شخصياً بالأمثال منذ نعومة أظافري، هذه الأمثال التي توارثتها الأجيال، جيلا بعد جيل، ومن الطبيعي أن نجد أن الأمثال يتم تداولها بين الناس في أحاديثهم اليومية، في البيت وفي المدرسة وفي الاحتفالات الثقافية والدينية وفي معظم المواقف الحياتية الاجتماعية. لقد كتبت هذا الكتاب وأنا أعلم أنه كتاب مكمل لفصول اللغة بصفة عامة ولفصل تدريس اللهجة الإماراتية بصورة خاصة وخصوصاً بعد تدريسي مساق ‘رمسة‘ لطلاب جامعة نيويورك للسنوات الأربع الماضية والذي استشففت من خلاله عشق الطلاب للأمثال والموروث الشعبي. فحيث هناك اهتمام متزايد لدراسة الرمسة الإماراتية، ظهرت لدي فكرة كتابة هذا الكتاب المستقل ليكمل الدور ويعطي بعداً آخر لمكونات الثقافة الإماراتية الغنية خصوصاً وأن هناك نقصا في المصادر والمناهج التي تخدم تدريس اللهجة الإماراتية تحديداً والمكتوبة بالخط العربي والمشروحة بالإنكليزية والزاخرة بالمفاهيم والجوانب الثقافية مخاطبة العقل والوجدان الأجنبي”.

ويوضح ناصر إسليم أن كتابه فيه من الأمثال والتعابير الشائعة ما يصل إلى أكثر من خمس مئة وخمسين مثلاً. جمع الكثير منها من خلال باحثين متمرسين في المجال عن طريق لقاءات متكررة وزيارات قام بها. كما أنه استعان بمصادر أخرى من عوام الناس في شتى المناطق وأصدقاء ومعارف وأيضا قام بعمل أبحاث في هذا المضمار دامت طول فترة كتابته لهذا العمل.

ويرى ناصر إسليم أن المثل في ذاته يتداوله الجميع من كافة أطياف المجتمع بشكل مميز يفوق غيره من الأعمال الأدبية على المستوى المجتمعي. ويرجع هذا إلى ما يتصف به المثل ذاته، ففكرة المثل واقعية ولفظه بسيط وموجز والأمثال برمتها معبرة ونطقها سهل، وهذا يساعد على سرعة حفظها ويجعلها تعلق بسرعة في ذهن القارئ أو الدارس أو المستمع. ولقد وصف ابن عبدربه الأندلسي في كتابه “العقد الفريد” المثل بأنه “أبقى من الشعر وأشرق من الخطابة”؛ فالأمثال مستقاة من صميم حياة الناس ومن خلالها يروى تاريخهم وفيها الموروث وهي مرآة تعكس فكر وثقافة الشعوب.

أمثال إماراتية شائعة

ويؤكد إسليم أن للأمثال أهميتها العظمى والتي تتربع من خلالها على عرش الأدب، فالشاعر يشملها في أشعاره والحكواتي يستعملها في حكاياته ويستخدمها الناس بصنوفهم في مجالسهم وأشغالهم. ومن الجدير بالذكر أن المستشرقين اهتموا بالأمثال الشعبية في العالم العربي، ومن أبرزهم الألماني ألبرت سوسين 1844-1899 وطبع كتاب له سنة 1878، والسويدي كارلو لاندبرج الذي توفي سنة 1924 وله كتاب عنوانه “أمثال أهل الشام”.

التلاقي الثقافي

ويشير الباحث إلى أن الأمثال الواردة في الكتاب جاءت بتسلسل أبجدي. وفي أول الكتاب هناك مقدمة ودليل نطق للهجة الإماراتية. أما الأمثال التي تبدأ بألف ولام التعريف فجاءت في باب “حرف الألف”. وفي الكتاب 28 فصلاً حسب عدد الحروف العربية، وكل مثل يتكون من عدة أجزاء: عمل كاريكاتيري يجسد فكرة أحد الأمثال الواردة في الفصل، والمثل مكتوب بالعربية وحسب نطقه باللهجة الإماراتية ويتبعه كتابة بالإنكليزية على نحو ما جاء بالعربية والذي يسميه الناس “العربيزي”.

وبعد ذلك يجيء ما يقابل المثل الإماراتي من مثل إنكليزي إن وُجد. وأخيراً يجيء تلخيص وشرح معنى المثل واستخداماته الثقافية، والكثير من الأمثال تتضمن شروحات فلكلورية وقصصاً وأساطير وغيرها. وفي نهاية الكثير من الأمثال تطرق الكاتب إلى استعمالات لغوية معمقة لبعض الكلمات المفتاحية والشائعة الاستخدام وأعطاها بعداً لغوياً معمقاً.

وحول تأثير الأقوال الشائعة الإماراتية في نمط الحياة اليومية الإماراتية يرى إسليم أن دراسة الأمثال الشعبية الإماراتية في الكتاب تقدم وجهة نظر فريدة للدين والمعتقدات والقيم التي هي من صلب المجتمع الإماراتي. وبالنظر إلى هذه البقعة من العالم، فهو يأمل أن يساهم هذا الكتاب ليس فقط في تحسين الأداء اللغوي والثقافي والأكاديمي للكثيرين، بل أيضاً أن يتعدى ذلك إلى أن يكون جسراً لتواصل الحضارات والثقافات والمجتمعات يرتقي من خلاله القارئ إلى مفهوم ثقافي ينم عن صورة جلية ومشرقة لشعب الإمارات. لذا لا يخفي الباحث أمله في أن يرفع مؤلفه منسوب إدراك ومعرفة ثقافات الآخرين تجاه الواقع الإماراتي ماضياً وحاضراً، ويساهم في تعلم كيفية التفاعل والاندماج مع الثقافات الأخرى بشكل إنساني أفضل.

ويؤكد إسليم أن الكتاب مادة ممتعة لكل القراء بصفة عامة لأنه يحتوي على اللغتين العربية والإنكليزية، والإنكليزية هي اللغة الطاغية في الكتاب بينما اقتصرت العربية على الأمثال وبعض الأبعاد اللغوية لمفردات وتراكيب لغوية، وأن مضمونه يجعله من السهل أن يدرّس لجميع المستويات من المهتمين الأجانب أو حتى العرب الذين يتكلمون الإنكليزية ويقرأونها بطلاقة.

15