الأمثال الشعبية بين التقديس والتدنيس

الجمعة 2014/09/05

تنهل الأمثال الشعبيّة من خزّان تاريخيّ جمعيّ لتؤدّي أدوارا معاصرة، وتوصل رسائل مختصرة من خلال الاشتمال على ما يفترض أنّه حكمة وعبرة في الوقت نفسه، معتمدة غالبا السجع والبساطة، أو البلاغة أحيانا، بحيث تظهر وكأنّها مسلّمات لا تقبل أيّ دحض على ما تنقله أو تفرضه.

تتبدّى الأمثال ناقلة لثقافات الشعوب، ووعيها، وتراها تختصر كثيرا من التجارب، وتوحي بوجوب الاعتبار، تتوارثها الأجيال بنوع من التلقائيّة والببغائيّة بمعزل عن الخوض في مرجعيّاتها التي حتّمتها أو أفرزتها، بحيث يكون النقل الحائل دون إعمال العقل إشكاليّة مضافة إلى سلسلة الإشكاليات الكثيرة الموجودة أصلا في ذهنيّة الناقل المستسلم لـ”عظمَة” الأسلاف، والمرتكن إلى أنّهم يقولون الصواب.

يصبح بعض الأمثال قيدا متجدّدا يكبّل أيّ مسعى نحو التغيير والتجديد، ويبعث في نفوس المحاولين للاجتهاد القنوط، بحيث يجد نفسه أمام جبال من المشقّات المتجدّدة، وبالتالي يؤثر السلامة الشخصيّة ويرغب عن التجريب. ويمكن إيراد أكثر من مثل على كلّ حالة، لكن سأكتفي بالإشارة إلى جانب بسيط ممّا يعترك به التراث الشفاهيّ الشعبيّ من اختلافات.

من الأمثال المحبطة البراغماتيّة على سبيل المثال: “اللي يتزوّج أمّي أقلّو عمّي”. يظهر هذا المثل فداحة الانهزاميّة القارّة في النفوس، يحرّض على الاستسلام وإيثار السلامة، والتحايل على الذات وغضّ النظر عن اعتبارات الكرامة والشرف، ومسايرة القويّ في اعتدائه أو استحواذه على الإرث الأبويّ أو على سلطة الأب المغدور بمعنيين؛ أحدهما حين يتمّ السطو على زوجته، والثاني حين يتنكّر له الابن ويرضخ لسلطة الأمر الواقع، ولا يكتفي بالمهادنة بل ينتقل إلى المداهنة والرياء والانتهازيّة.

في مقابل الأمثال الناقلة لثقافة الاستسلام تبرز أمثال تحرّض على التحلّي بروح المغامرة والجرأة والإقدام، تصف الجبان بالخاسر الأكبر، بحيث أنّ الامتيازات كلّها تكون من نصيب الجريء، ويبقى الجبان مجترّا لهزائمه محصيا لها.

لاشكّ أنّ هناك أمثالا تنهض بحمولة معرفيّة وقيميّة أثيرة، كما أنّها تزخر بتقديمها لدرر تراثيّة، لكن ما ينبغي الاحتراس منه هو الإيمان المطلق بها، وتناقلها كمقدّس مضاف إلى سلسلة المقدّسات التي تصبح قيودا على حرّيّة التفكير بالتقادم.

حين ينظر أحدنا إلى المثل على أنّه خلاصة تجربة بشريّة تحتمل التصديق أو التشكيك، وأنّها ابنة زمنها، ونتاج لحظتها التاريخيّة وذهنيّة الشعب التي أصدرتها، يمكن أن يكون تطويعها في خدمة الحاضر والمستقبل بطريقة أكثر جدوى من تلقّفها بثقة عمياء، والخشية المتجدّدة هي في التعامي عن المراجعة والنقد، وإضفاء التقديس على بعض ممّا يحمل في بساطته، أو بلاغته، كثيرا من التدنيس.


كاتب من سوريا

15