الأمراض النفسية تحوط بالشباب دون علمه

الأحد 2014/02/16
إحصائيات طبية: الشباب العربي في خطر فالأمراض تحاصره من كل حدب وصوب

القاهرة - إذا كانت قوة الأمم تقاس بقوة شبابها ومدى عزيمتهم، وإذا كان ثلث الوطن العربي على الأقل من الشباب، إذا كان كل ذلك فما نحن فاعلون إزاء ما يهدد حاضرنا ويدمّر مستقبلنا؟!

إنَّ نظرة بسيطة على الإحصائيات الطبية تؤكد أن شبابنا في خطر، فالأمراض تحاصره من كل اتجاه، والأخطر أن هناك أمراضا لم تكن تجرؤ على الاقتراب من أعمار الشباب، فأصبحت اليوم تنهش في لحمه وعظمه، الأمر الذي دعا الأطباء للتحذير وإطلاق صفارات الإنذار، قبل أن تقع الكارثة بشباب في عمر الزهور يشكون وجع قلوبهم.. أمراض الشريان التاجي أصبحت على قائمة أمراض الشباب بعد أن كانت من نصيب من هم في الأربعين والخمسين، حتى أن الأطباء يقفون عاجزين عن إدراك ماهية الأمر، فالتقارير الطبية تؤكد ازدياد معدل الإصابة بالشريان التاجي والسكر والاكتئاب بصورة مخيفة..

الدكتور عادل إمام أستاذ أمراض القلب يتفق تماما مع الكلام السابق، ويؤكد أن التاريخ الطبيعي وباثولوجيا كثير من أمراض القلب اختلفت خلال العقدين الماضيين، خاصة مع انتشار أمراض الشريان التاجي كالوباء وازدياد نطاق إصابتها لضحاياها لتشمل بالإضافة إلى كبار السن شبابا دون الأربعين، وأيضا دون الثلاثين من العمر وهنا تكمن المأساة… فلم يعد من المستغرب اليوم أن يكون أكثر من 20 بالمئة من مرضى الحالات الحادة للشريان التاجي من الشباب داخل أية رعاية مركزة، الأمر الذي يؤثر على حالتهم ويضعف دورهم في العطاء داخل المجتمع.

ويتابع الدكتور إمام مؤكدا أن الأسباب غير مفهومة تفصيلاً، ولكن بما أن الشريان التاجي يعلق بعوامل خطيرة مثل التدخين وارتفاع الكوليسترول وضغط الدم والبول السكري وزيادة الوزن، وقلة النشاط البدني، كل هذه عوامل أساسية وكلها في ازدياد في مجتمعاتنا الحديثة، فضلا عن عوامل أقل تأثيرا ولكن زادت أهميتها بتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة كالتوتر النفسي، فمن هو مشغول بالبحث عن عمل إضافي أو سكن مع عدم وجود سقف لطموحاته أو قناعة بنصيبه، قد يرتفع عنده ضغط الدم وتقلص الشرايين، وكذلك التلوث الغذائي البيئي والوجبات السريعة عالية الدهون والملونات، وإعادة استخدام الزيوت، ودهونها عالية الضرر، وكذلك الأطعمة الملوثة بالمبيدات..

أكثر من 20 بالمئة من مرضى الحالات الحادة للشريان التاجي من الشباب داخل أية رعاية مركزة الأمر الذي يؤثر على حالتهم ويضعف دورهم في العطاء داخل المجتمع

وعن كيفية معرفة الشاب بأنه مصاب بأمراض القلب يقول الدكتور عادل إمام: أي شخص فوق 25 سنة يشعر بالألم في الصدر أو بالجزء العلوي من الجسم، خاصة مع زيادة الجهد والانفعال عليه مراجعة الطبيب وعمل الفحوص الأولية لتحديد كفاءة القلب، وأي مريض مصاب بنوبة ألم شديدة في الصدر يجب نقله فورا إلى أحد المستشفيات لعمل رسم قلب ووضعه تحت الملاحظة لفترة كافية، وهذا الأمر معروف في أوروبا باسم وحدات دراسة آلام الصدر.. فهذا الألم لا يمكن استبعاد أن يكون نوبة قلبية، محذراً من طمأنة المريض من أنها مجرد روماتيزم أو آلام عضلية، بينما يحمل المريض بين صدره انسداداً في الشريان التاجي.. خاصة أن التعامل مع الشريان التاجي هو تعامل مع عدد لا يمكن التكهن بخطورته وحركته المفاجئة، والدليل على ذلك هو أن معظم المصابين بالنوبات الحادة للقلب، الذين تجرى لهم قسطرة قلبية لا يذكرون أي تاريخ عن حدوث آلام بالصدر من قبل بالرغم من وجود ضيق شديد في عدة شرايين تاجية بالقلب، الأمر الذي يؤكد أن مرض الشريان التاجي يتقلص داخل شرايين الإنسان حتى يلدغ كالثعبان.

ويطرح الدكتور إمام الحل لمواجهة مثل هذه الأزمات الصحية، والتي تهدد شباب اليوم، مؤكدا أن الوقاية خير من العلاج، متهماً العادات الغذائية السيئة للأطفال، وعدم ممارسة الرياضة وكذلك زيادة الوزن.. بأنها وراء ظهور أمراض الشرايين في القلب وشدد على ضرورة محاربة داء التدخين وسن القوانين لتحجيم المساحات المسموحة للمدخنين، وكذلك التحليل الدوري للدهون والكوليسترول لتجنب أضرارها وعلاجه بالغذاء الصحي والرياضة، وبصفة عامة بضرورة توضيح أسباب المرض وعوارضه، وسرعة علاج الحالة، فالساعات الأولى تنقذ المريض وتحفظ عضلة القلب من التلف، وتوافر وحدات القلب في مختلف الأماكن له أهمية كبيرة في علاج الحالات الحادة.

أكثر من 6 ملايين مصري مصابون بأمراض نفسية، و20 مليوناً مصابون بالاكتئاب

تأتي في المرحلة الثانية في تعداد الأمراض التي تهدد مستقبل شبابنا الأمراض النفسية والعصبية، بالرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية في الدول العربية بعدد المصابين، نظراً للتكلفة العالية، إلا أن دراسة الدكتور أحمد عكاشة رئيس الجمعية العالمية للطب النفسي، تؤكد أن أكثر من 6 ملايين مصري مصابون بأمراض نفسية، و20 مليوناً مصابون بالاكتئاب.

هذا الرقم في مصر وحدها فما بالنا بأنحاء العالم العربي، الذي تعاني شعوبه من تداعيات الحياة الصعبة، والتي تصل في بعض المناطق إلى المعيشة تحت خط الفقر..

الأمر قد يكون مخيفاً وصارماً، ولكنه أقرب إلى الحقيقة إن لم تكن الحقيقة أكثر إيلاماً فالأطباء النفسيون يؤكدون ازدياد أعداد المرضي المترددين على عياداتهم يوماً بعد الآخر، وكذلك تردد الكثير من فئات الشباب على أقسام الأمراض النفسية بالمستشفيات، خاصة في المرحلة العمرية 18 – 30 سنة.

ويشير الدكتور أحمد أبو العزائم مستشار الطب النفسي وعضو الجمعية الأميركية للأطباء النفسيين إلى أن فئة الشباب انتشر لديها مرض الاكتئاب والاضطراب الوجداني ثنائي القطبين، كما ارتفعت معدلات الاضطرابات السلوكية، والميول العدوانية ومعدلات الإدمان ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فهذه الأمراض الجديدة تقف جنبا إلى جنب مع الأمراض الموجودة في هذه السن أصلاً وهي الفصام والوسواس القهري.

ولتوضيح هذه القضية بشكل أكبر، خاصة وأن كثيرا من الشباب قد يكون مصابا بالأمراض النفسية دون أن يدري، يقول الدكتور أبو العزائم عن علامات الاكتئاب وأعراضه المميزة هي الميل للحزن، التشاؤم، فقدان الثقة وعدم القدرة على التحصيل الدراسي، الميل للعزلة الاجتماعية، اضطراب النوم، بطء التفكير، فقدان الشهية للأكل، وكذلك التدهور في العمل، وأما المريض ثنائي القطبية، فتنتابه حالات اكتئاب متباينة وتختلف من حالة إلى أخرى، فقد يكون مندفعاً متسرعاً عدوانياً، عصبياً ومتفائلاً لدرجة العيش في الوهم وأحلام اليقظة ويقل احتياجه للنوم، ويندفع وراء تلبية نزواته العابرة، سواء نزوة جنسية أو إنفاق المال بشكل لا يتناسب مع قدراته، وقد يكون على العكس من كل هذه الصفات تماما..

أما أمراض الفصام فتصيب الشباب المبكر، وتأتي في صورة انخفاض تدريجي في القدرة على الالتزام بالدراسة أو العمل مع تشويش الأفكار والعزلة الاجتماعية.

وعن التفسير العلمي لهذه الأمراض يؤكد الدكتور أبو العزائم، أن الدراسة العلمية أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك خلال آخر عشر سنوات أنها ناتجة عن اختلال في التوازن الكيميائي في المخ، موضحا أن هناك دوائر عصبية في الدماغ يقوم نشاطها على إفراز موصلات كيميائية بشكل دقيق ومتوازن، بحيث يقوم المخ في النهاية بعمله بشكل طبيعي، والثابت أن كل هذه الأمراض تحدث نتيجة اضطراب كيميائي خاص بكل مرض على حدة.

ويضيف الدكتور أبو العزائم أن الدراسة العلمية أثبتت أن التنشئة في سن الطفولة والمراهقة لها تأثير أيضاً، مثل الضغوط النفسية العالية والتعرض في سن مبكرة لسوء الاستغلال، أو فقدان أحد الأبوين والتعرض المبكر للمثيرات الجنسية والضغوط الدراسية العالية.

والخطير أن نسب الإصابة النفسية والعصبية للشباب في ارتفاع وتصاعد مستمر علماً بأن معظم البلاد العربية يعد السواد الأعظم فيها من الشباب الذي بات مهدداً بأخطر الأمراض.

19