الأمطار في تونس تتحول من نعمة إلى نقمة

الحكومة التونسية تتهم لصوص بالوعات الصرف الصحي بسرقة الأرواح.
الجمعة 2020/11/27
الغرق داخل الحفر

كشفت الأمطار التي هطلت في تونس مؤخرا عن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية وإهمال السلطات لها منذ عشر سنوات، فالطرقات والشوارع لم تعد تحتمل الغيث الذي كان نافعا فأصبح اليوم خطيرا بعد أن أصبحت البالوعات بلا أغطية ما تسبب في هلاك البعض.

تونس – عمّت حالة استياء عارمة في تونس بسبب وفاة فتاة (21 عاما) إثر سقوطها في بالوعة لتصريف المياه في معتمدية النفيضة (محافظة سوسة)، وهي ثاني حالة وفاة بالطريقة ذاتها بعد وفاة طفلة تدعى فرح (9 أعوام) غرقا في بالوعة لتصريف المياه في سبتمبر الماضي خلال فيضانات شهدتها تونس الكبرى، وتحديدا في منطقة البحر الأزرق التابعة للمرسى.

وفيما تواجه الحكومة انتقادات متواترة كل عام بسبب تدني البنية التحتية في عدة محافظات وتداعي شبكات تصريف المياه وانتشار البنايات العشوائية الهشة على مقربة من الأودية ومجاري المياه، ما يهدد باستمرار حياة المواطنين، يقول مسؤولون في البلد إن لصوص أغطية البالوعات وراء سرقة الأرواح في الآونة الأخيرة.

وفي تعليقها على حادثة وفاة الفتاة التي لقيت حتفها، الاثنين الماضي، إثر سقوطها جراء الأمطار الغزيرة في منشأة مائية لتصريف مياه الأمطار في المنطقة الصناعية بالنفيضة، التابعة لمحافظة سوسة، أكدت شيخة مدينة تونس سعاد عبدالرحيم أن “هذه الحوادث أصبحت تتكرر في العديد من الجهات بسبب تعمّد بعض المواطنين سرقة أغطية البالوعات”.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن عبدالرحيم قولها إن “أحد الأشخاص قام بنزع كاميرا مراقبة في أحد الشوارع ليتمكن بعد ذلك من سرقة غطاء بالوعة”.

وبدوره، أوضح ديوان التطهير، أن سرقة أغطية البالوعات المتواجدة وسط الطرقات باتت عبئا يثقل كاهل المؤسسة، كما أنها السبب في سقوط فتاة في بالوعة بأحد أحياء مدينة المرسى في سبتمبر الماضي شمال العاصمة. وبحسب ديوان التطهير تتواتر مؤخرا، عمليات السرقة في المناطق الصناعية والأحياء ذات الكثافة السكانية الضعيفة.

وأكد فاخر شعبان، رئيس المديرية المركزية للوسائل والتجهيزات في ديوان التطهير في حديثه لـ”العرب”، أن “سرقة أغطية البالوعات ظاهرة تنتشر في كامل تراب البلاد”. وتابع شعبان “هي شبكة كبيرة تعمل على سرقة أغطية البالوعات لبيع القطع الحديدية”، مشيرا إلى أنه مع “كل حادثة سرقة يقوم ديوان التطهير بتقديم قضية ضد مجهول لأننا لا نعلم هوية اللصوص”.

وإضافة إلى سرقة الأغطية التي تسبب في حوادث خطيرة تقود إلى الموت مثل حادثتي النفيضة والمرسى، يقوم بعض الأشخاص جراء الأمطار الغزيرة برفع أغطية البالوعات لضمان مرور المياه، إلا أن ذلك يشكل خطرا على سلامة السكان.

تدني البنية التحتية
تدني البنية التحتية

ويقول شعبان “الإشكالية ليست في سرقة أغطية البالوعات فقط، بل في رفع الغطاء بسبب تأثير الأمطار والرياح القوية، وهناك أيضا حملات النظافة حيث يقع في أحيان كثيرة رفع غطاء البالوعة بشكل غير متعمّد”.

وبيّن شعبان أن “المعلومات عن فقدان الأغطية تصل في مرات عديدة بشكل متأخر”، ولمواجهة هذه الظاهرة التي أثارت سخطا وغضبا شعبيا كبيرين، يشير شعبان إلى “قيام ديوان التطهير بدراسة لرصد الحلول المناسبة.”

وسبق أن نبّهت وزارة التجهيز من تفاقم ظاهرة سرقة الأسلاك النحاسية المستغلة في شبكة التنوير والمحولات الكهربائية الأرضية وأغطية البالوعات المعدة لتصريف مياه الأمطار.

وتعكس ظاهرة سرقة أغطية البالوعات وغيرها، حجم الأزمة المستفحلة في تونس والتي تعمقت في أعقاب ظهور وباء كورونا.

وخيّم الحزن على الشارع التونسي جراء تكرار حوادث الموت في بالوعات بسبب السيول دون محاسبة للجهات المسؤولة، وفي ظل صمت حكومي إزاء هذه الممارسات.

وفي سبتمبر الماضي، قضى ستة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال خلال ستة أيام في تونس جراء سيول شهدتها عدّة مناطق بينها العاصمة تونس. وسبق أن توفي خمسة أشخاص على الأقل في ظروف مشابهة في العام 2018 أثير خلالها موضوع تردي البنى التحتية وسط إبراز مسائل كشبكات صرف مياه مسدودة والتوسع الحضري غير المنظم.

ومن شأن هذه الحوادث أن تعمق الأزمة الاجتماعية في البلاد وسط توسع دائرة الغضب الشعبي تنديدا بتردي الأوضاع ومن ضمنها تراجع الخدمات واهتراء البنية التحتية.

وتظهر الكميات الهائلة من الأمطار في تونس في كل مرة مدى هشاشة البنية التحتية في البلاد التي لم تتقدم خطوة في تطوير مسالك الصرف الصحي منذ 2010، حيث حصرت الحكومات المتعاقبة جهودها في القضايا السياسية والأمنية وأهملت الخدمات الضرورية.

وتحرج حوادث الموت في بالوعة وغيرها الحكومة وجميع الأطراف السياسية، كونها مظهرا من مظاهر الفشل في توفير أبسط ضروريات الحياة.

ولا يستبعد المراقبون أن تقود مثل هذه الحوادث إلى احتقان اجتماعي كبير. وأبدى التونسيون غضبا واسعا على شبكات التواصل الاجتماعي جراء مصرع شباب نتيجة ما وصفوه بـ”الخراب” الذي ينخر أجهزة الدولة.

التونسيون يبدون غضبا على شبكات التواصل الاجتماعي جراء مصرع شباب وأطفال نتيجة ما وصفوه بالخراب الذي ينخر البلاد
توسع دائرة الغضب الشعبي في تونس تنديدا بتردي الأوضاع

وندّد مدونون على مواقع التواصل بالبنى التحية “الرديئة”، ونشروا صورا لأنفاق تجمّعت فيها المياه وسيارات مغمورة بالسيول. وتحدثوا في منشوراتهم عن الإحباط الناجم عن أكاذيب السياسيين.

ورأى بعض المتابعين أن تحميل حوادث الموت في بالوعات إلى اللصوص، مجرد حجج واهية لتبرير التقصير الحكومي.

ولفت عصام الشابي، الأمين العام للحزب الجمهوري في حديثه لـ”العرب”، إلى أن “وفاة الفتاة إثر سقوطها في بالوعة، يدل على حجم التسيّب في المرفق العام في تونس”.

وقال الشابي “حتى لو هناك حوادث لسرقات الأغطية فهي حجج واهية لتبرير التقصير والإهمال”، مضيفا “على الأطراف المسؤولة على شبكات تصريف المياه المراقبة والصيانة وتفقد البالوعات إذا كانت صالحة أم لا”.

واستدرك بالقول “لكن في ظل غياب المحاسبة، طبيعي أن يتألم التونسيون من أوضاع كهذه تغيب فيها أبسط الخدمات الضرورية، وستكرر مثل هذه الحوادث مرة أخرى، وسيقع رصد لجان تحقيق، وفي النهاية يقع غلق الملف”.

وتواجه الحكومة انتقادات بسبب الاكتفاء بسياسة الوعود لامتصاص الغضب دون تطبيق إجراءات فعلية للنهوض بالأوضاع.  

ويأتي ذلك في وقت تتسع فيه دائرة الغضب في البلاد بتوسع نطاق الإضرابات والاحتجاجات الاجتماعية في أنحاء البلاد لتشمل محافظات صفاقس والكاف وتطاوين والقيروان وقفصة والقصرين، وفي ظل تعقد الوضع الاقتصادي الذي شهد انكماشا بنسبة 10 في المئة حتى سبتمبر الماضي تحت وطأة وباء كورونا.

مظهر من مظاهر الفشل في توفير أبسط ضروريات الحياة
مظهر من مظاهر الفشل في توفير أبسط ضروريات الحياة

 

20