الأمل بدل التفاؤل

الثلاثاء 2015/02/10

ما الذي يحدونا، ونحن في مطلع عام جديد، غير الأمل، الأمل بدوام الصحة والعافية، وتحقق بعض المطامح، وزوال الغمّة عن الأمة.

قد يبدو الأمر عسيرا بالنسبة إلى شعوب تدفعها إلى التشاؤم امتثالية اجتماعية وميكانيزمات سيكولوجية، فتدفق الأخبار السلبية التي يتداولها الإعلام، والميل الطبيعي إلى الحديث عن الأشياء المحبطة، وسهولة تذكر الأحداث الحزينة تؤدي كلها إلى تآكل فرص الأمل لدينا، خصوصا المهمومين منّا، لكونهم أكثر عرضة للتشاؤم المتفشي، فهم يتوقعون الأمرّ باستمرار، يحاولون تجنبه أو السيطرة عليه، فإذا عجزوا تضاعفت لديهم هرمونات القلق والاكتئاب.

ولا مخرج لهم اليوم -يقول عالم التحليل النفسي البروفيسور ميشيل دو جوايو- إلا بالإيمان والعزيمة والتمني. كلنا لنا من الأمل رصيد لا يستهان به، يكمن في قوة رغباتنا وطاقتنا على خلق تلك الرغبات، وهي طاقة لا يصيبها العطب إن نحن أمعنّا استعمالها.

ولكي يكون بوسعنا أن نأمل، لا بدّ أن نحس بالأمان، لأن غير المطمئن مملوء بالرهبة ولا يمكن أن يأمل أن نكون مع الآخرين، فالوحدة لا تغذي القدرة على الأمل. وكذلك أن تكون لنا ذاكرة، لأن الأمل لا يولد هنا والآن، بل من أثر تصالحنا مع الماضي، تصالحا يعيد إلى ذاكرتنا نجاحاتنا القديمة.

وليس المقصود بالرغبات تلك التي تبدو عسيرة المنال، كأن يتحول المرء إلى شخصية مهمة، أو يعيش في بلد نموذجي، أو يمسك بعصا سحرية، بل تلك التي تكون في متناول اليد، أي التي لها دلالة بالنسبة إلينا، وتستجيب إلى قيمنا، وترضي تطلعاتنا، لأن “الآمال الكبرى” التي تتولد من رغبات مستحيلة، قد يرهقنا التفكير فيها فتكون نتيجتها، مخيّبة، مثبطة للعزائم.

إن القدرة على تصوّر أعمال ملموسة، وتبيُّنَ الأهداف المرسومة هما الحجر الأساس الذي ينبني عليه الأمل. وفي هذا يختلف الإنسان الطافح بالأمل عن المتفائل.

يقول يان دولاس المتخصص في علم النفس- الرياضة البدنية “الذي يأمل يعرف أنه سيمارس نوعا من المراقبة على الأحداث، وأنه قادر على الفعل لتحقيق أهدافه، أما المتفائل فيتمتع فقط بالقدرة على التصور بأن الأحداث ستسير على ما يرام، خارج مجال نشاطه أحيانا”. وهو ما لا يخالفه فيه البروفيسور دوجوايو حين يقول “إن الأمل هو كل شيء ما عدا الترقّب”. لأنه ينتج عن رغبات صغرى نحلم بها، ونخطط لإداركها، ونعمل على تحقيقها، ثم نحيا بها. وهذا لا يأتي عفو الخاطر بل يستوجب شيئا من التيقظ والوعي والجرأة.


كاتب من تونس مقيم في باريس

15