الأمل ومقاومة الموت

الاثنين 2015/07/13

من نحن؟ من أين نأتي، وإلى أين نذهب بعد الموت؟ ماذا تشبه الآخرة وكيف نتأهّب لها؟ إذا كانت هذه الحياة هي تمام زمننا، فكيف يمكن أن نعيشها على أحسن حال، ونحن نعلم أننا سوف نموت؟ هل بالإمكان مقاومة الموت..؟ كيف السبيل لذلك..؟ ألا يعكّر التفكير في الموت واقع الحياة..؟ هل يمكن التخلّص من الخوف المتعاظم من الموت؟ أسئلة لا تنفكّ تتكرّر في كلّ زمان ومكان، ويجتهد الفلاسفة في البحث عن إجابات لها.

يحاول المؤرخ والأنثروبولوجي البريطاني دوغلاس ديڤيس (1947) في كتابه “الوجيز في تاريخ الموت” بدوره الإجابة عن بعض هذه الأسئلة، مشيرا إلى أنّ تاريخ الموت هو تاريخ لتأمل الذات. ومؤكّدا أنه في الوقت ذاته تاريخ للحياة. ويعتبر أن الإنسان يهرب من الموت، ويحاربه بكل ما يملك من وسائل الوقاية والعلاج، ولكنه قد يتجاوز موقفي الفرار والقتال إلى القبول به بوصفه نتيجة طبيعية لحياة الفرد في هذه الدنيا. ويجد أنه على الرغم من أن الموت حادث طبيعي، فإن الإنسان مسكون بهاجس تجاوز الموت: يأمل في أن يستمر في الحياة على نحو ما، ويتألم لفراق من يحبّهم، ويخاف من تجربة الموت. وانطلاقا من ذلك يعتقد أن جلجامش وجد استمراره في الحياة بما بناه من جدران لمدينته تظل تذكر به، ووجدته بعض الأديان في حياة بعد الموت، ووجده آخرون في تغذية الأرض بالحياة والخلود، ووجده غيرهم في أشكال للروحانية.

يخلص ديفيس إلى أن الموت يرتبط بالنسبة إلى الكثيرين بالماضي، ومن المحتمل عند الأكثرية بالحاضر، بالهوية الإنسانية بوصفها جزءا من رؤية للعالم، لأن المعتقدات توجد لتفضي بالناس إلى ما وراء الموت. ويؤكد أن الأمل يوجب الهويّة الإنسانية ويقاوم الموت، وأن دافع الأمل الأساسي إلى المعنى يتطلَّع عبر عالم غير كاف إلى موقع مناسب أسمى، وأن بعض جوانب الحياة الإنسانية تقوي هذا الاقتناع بأن أمورا أفضل قد تقع مقدما.

لا يخفى أنّ من الخطورة بمكان تعكير الحياة بالخوف المزمن من الموت، وهو حتميّة لابدّ من الوصول إليها في لحظة ما، لكنّ السؤال الذي يبقى متجدّدا بدوره، هو كيف يمكن الإفادة من الطاقة الكامنة داخل البشر لتشييد ما من شأنه التذكير بهم، وهذا أقصى ما يستطيعه الإنسان في بحثه عن خلود مفترض، بمعنى ما، وهو غير موجود إلّا في أذهان أصحابها، وهو بحدّ ذاته خلود مجترح من الرغبات التي قد تتقاطع مع الوقائع لفترة، قد تطول أو تقصر، حسب الظروف التي تصادفها أو تخلقها.

إن كان الخلود وهما في جانب منه، فالأمل حقيقة الحياة في كلّ جوانبها، لكن، كيف يمكن للأمل أن يقاوم الموت، وهو الذي يذوي رويدا رويدا في مستنقع الخراب المعمّم..؟

كاتب من سوريا

15