الأمل ينقصه التدبير في جنيف!

الخميس 2013/10/17

أجزم بكل ثقة أن المفاوضات الجارية في جنيف بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا، تختلف هذه المرة عن كل تلك المفاوضات التي سبقتها، لأنها تجري هذه المرة بإشراف مباشر من المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، فهو الذي يقودها، والحكومة من خلال وفد وزارة الخارجية، تنفذ ما يريد فيها.

هذه المرّة يملك الوفد الإيراني المفاوض برئاسة وزير الخارجية محمد جواد ظريف، كل الصلاحيات للتوصل إلى اتفاق لكن ليس بتقديم تنازلات كما يتصور البعض بالتفريط في حق إيران الكامل في تخصيب اليورانيوم وامتلاكها التقنية الكاملة للاستمرار في إنتاج دورة الوقود النووي اللازمة لتشغيل مفاعلاتها النووية للأغراض السلمية.

إيران في كل المفاوضات السابقة التي كانت تجري قبل عشر سنوات بينها وبين الدول الأوروبية ممثلة في الترويكا الأوروبية، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، كانت متهمة بأنها تناور وتستغل عامل الوقت لتحقيق مآربها، والوصول إلى مرحلة إنتاج السلاح النووي، لكنها توصلت إلى اتفاقية «قصر سعادت آباد» عام 2002 لتعليق تخصيب اليورانيوم وكان بنسبة 3.5 بالمئة ولم ترفع الأختام عن منشأة التخصيب إلا في أغسطس 2005 بعد مجيء محمود أحمدي نجاد الذي أطلق شعار «قطار التخصيب ماضٍ ولن يتوقف»، وهي اليوم مستعدة لتعليق التخصيب مرة ثانية لكنها مختلفة تماماً (هذه المرة) لأن إيران تقوم بالتخصيب بنسبة 19.75% وقد أصبحت عضواً في النادي النووي العالمي بعد أن أكملت دورة إنتاج الوقود النووي، والقطار يسير!

إيران في كل المفاوضات التي انضمت لها الصين وروسيا والولايات المتحدة، أعربت عن رغبتها في التوصل إلى اتفاق بشرط بقاء عمليات التخصيب مستمرة على أراضيها، ولم يكن خامنئي آنذاك مكترثاً كما هو اليوم، لحل الأزمة النووية مع الغرب لأنها لم تكن في قائمة اهتماماته قبل أن تطل الأزمة السورية برأسها عليه. خامنئي هو اليوم من يدير الأزمة النووية مع الغرب، وهو الذي سمح بإجراء انتخابات صحيحة (إلى حدّ ما) ورفض وبقوة التلاعب في نتائجها لصالح أي من المرشحين الذين نافسوا حسن روحاني وكادوا يتغلبون عليه بالتزوير نفسه الذي حصل في انتخابات عام 2009، لأنه هو الذي يريد التغيير والخروج من عنق الزجاجة التي زج نفسه والنظام فيها في الداخل والخارج، بسبب تأييده لتزوير الانتخابات قبل الأخيرة، وهاهو اليوم يجد في روحاني المنقذ الذي سيعيد للنظام الشرعية التي فقدها في أحداث ما بعد انتخابات 2009. صحيح أن قروض إيران الخارجية أقل بكثير من قروض تركيا التي تجاوزت 400 مليار دولار، وأن 14 مليار دولار في ذمة الإيرانيين ليست بالقروض الثقيلة، لكن الصحيح أيضاً هو أن الداخل الإيراني يكاد ينفجر لولا لمسة الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أخرت الانفجار إلى حين، ولهذا فإن عامل الزمن لن يكون في صالح الإيرانيين وأولهم خامنئي.

الرئيس روحاني الذي رفع شعار «حكومة الأمل والتدبير» مطالب أيضاً بتحقيق وعوده التي من خلالها يريد خامنئي عبور أزماته الداخلية، وهو يطمح إلى حل للأزمة النووية، يرفع العقوبات الاقتصادية أو يخففها، وهو مستعجل للتوصل إلى اتفاق، لكن ليس على حساب ما تم إنجازه حتى الآن بعد إكمال دورة الوقود النووي، وهي بالتالي تزيد من الضغوط الداخلية عليه، وهي ضغوط لن تتوقف حتى وخامنئي هو من يدير مقود هذه الأزمة النووية حاليا.

وليس سراً ما قاله علي أكبر صالحي وزير الخارجية الإيراني السابق رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية في شأن التقارب الإيراني الأميركي ودور خامنئي فيه، وهو ما نشرته عنه بشكل مقابلة مطولة خاصة وكالة فارس التابعة للحرس الثوري (الثلاثاء) عندما أكد أن المرشد الأعلى ترك للنظام تحديد المصلحة من هذا التقارب وعندها سيتخذ القرار بشأنه «وعندما يفعل فلن تملك قوى الضغط المنفلتة إلا أن تصمت «!

وليس سراً أيضاً ما قاله صالحي بأن الوفد الإيراني المفاوض في جنيف يملك صلاحيات كاملة، وقد كان الرئيس روحاني قال نفس الشيء عندما ذهب إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحصل ما حصل من اختراق تاريخي للعلاقات مع أميركا في المكالمة الهاتفية التاريخية بينه وبين الرئيس الأميركي أوباما الذي قال عنه صالحي (الثلاثاء) إنه سيدخل التاريخ إذا توصل (وهو راغب) إلى اتفاق مع إيران حول الأزمة النووية.

إنه الأمل الذي ينقصه التدبير… في جنيف


كاتب عراقي

9