الأمم المتحدة من وودرو ويلسون إلى دونالد ترامب

السبت 2017/09/23

تحوّل البيت الزجاجي في نيويورك إلى سوق عكاظ السياسة الدولية في الأيام الأخيرة، وذلك بمناسبة الدورة 72 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتبيّن أن المنبر الأممي يبقى منصة للمبارزة الكلامية، لكنه لا يحجب عجز المنظمة في تطبيق ميثاقها وتحقيق أهدافها وأبرزها الحفاظ على السلام.

كم تبدو المسافة شاسعة بين مثالية وودرو ويلسون الرئيس الثامن والعشرين للولايات المتحدة الأميركية صاحب فكرة هذا التجمع الدولي، وبين الواقعية الفجة لدونالد ترامب الذي يختصر النظام العالمي بيقظة الأمم وأميركا أولا، ولا يتردد بالدعوة لتدمير دولة من على منبر منظمة يفترض أن تكون وظيفتها حل النزاعات. بالطبع لا يمكن تحميل ساكن البيت الأبيض الحالي وواشنطن لوحدهما مسؤولية الفشل المزمن للمنظمة التي تعاني من التخبط الاستراتيجي للنظام الدولي في هذه الحقبة، والأدهى يتمثل في العود إلى ما هو أخطر من الحرب الباردة وصعود الأوتوقراطيين والإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل.

لو قدّر لوودرو ويلسون وونستون تشرشل وفرانكلين روزفلت مراقبة جلسات سبتمبر 2017، لا بد أن يتساءلوا عن الفرق بين رجال عظماء يتركون بصماتهم على التاريخ، وبين زعماء أقوياء يمكن أن يعيدوا عجلة التاريخ إلى الوراء أو يحجزونه على مذبح أنانيتهم المضخمة أو المصالح الوطنية الضيقة. لكن ربما نتصور جوزيف ستالين يسخر مما يجري ويتذكر حذاء خلفه نيكيتا خروتشوف الذي كان نجم دورة العام 1960، لكنه سيعود ويتنبه إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يريد إعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي لم يكلف نفسه عناء المجيء إلى نيويورك هذا العام، وفضل الإشراف على مناورات عسكرية كبيرة. وبالطبع إذا استرق تشرشل السمع لتيريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا، فلن يمتنع عن ملاحظة تراجع العلاقة الأطلسية الأوروبية التي كانت وراء نشأة هذه المنظمة في 1945.

أما ويلسون الذي خاب أمله بعد فشل عُصبة الأمم وعودة منطق حروب السيطرة، ربما لم يتمكن من كتم غيظه إزاء مسار تطور أميركا وقيمها المؤسسة ونسيان نقاطه الأربعة عشر، ومخاطبة ترامب للعالم بهذه الطريقة.

المنبر الأممي يبقى قبل كل شيء منصة للمبارزة الكلامية، لكنه لا يحجب العجز العملي للمنظمة الدولية في تطبيق ميثاقها وتحقيق أهدافها وأبرزها الحفاظ على السلام

بالفعل، يشير مسار العلاقات الدولية بأزماته وتجاذباته منذ 11 سبتمبر 2001، إلى أن النظام العالمي القديم أصبح وراءنا ولم يعد دور الغرب مركزيا بشكل حصري نتيجة تداعيات حروب واشنطن إبان نشوة أحادية القوة العظمى، وبسبب بروز القوى الصاعدة ربطا بالأزمة المالية منذ 2008.

مع أزمة النفوذ الأميركي وتراجع الاتحاد الأوروبي، أخذ مركز العالم السياسي ينتقل من ضفتي الأطلسي إلى مكان جديد بين الأطلسي والهادي، مع ما يعنيه ذلك من انتقال مركز الثقل إلى آسيا، دون أن يتم حسم التخبّط الاستراتيجي في نظام دولي في طور إعادة الصياغة. إن مركزية الغرب في النظام الدولي لم تعد ممكنة دون تحالفات جديدة.

أمام التحديات الكبيرة من السباق على المواد الأولية والطاقة، إلى مخاطر الانتشار النووي وصعود التطرف والإرهاب والتوازنات الديموغرافية الجديدة والتغيّر المناخي والأزمة الاقتصادية، يبدو أن بناء توازن عالمي جديد ليس بالأمر اليسير. إن تزايد الأزمات واللعب على وتر صراع الحضارات والأديان، يجمل المهمة صعبة وإذا أخذنا مسألة إصلاح مجلس الأمن الدولي المستعصية كمثل لاتضح لنا صعوبة التغيير.

لا تريد أي دولة تملك حق النقض التنازل عن مكسبها أو السماح بتعديل يضيف دولا جديدة، وبين الطامحين للوصول إلى العضوية الدائمة هناك تنافس على أكثر من صعيد. وكل هذا يعقّدُ أي آلية للإصلاح ويترك المنظمة الدولية عرضة للتعطيل، مع الإشارة لبقاء وظيفتها الديمقراطية كمنبر للكبار والصغار في آن معا، وكذلك للدور البناء لوكالاتها المتخصصة ولبعض نجاحاتها في عمليات حفظ السلام. هكذا، بالرغم من نواقصها تبقى منظمة الأمم المتحدة منبراً لا غنى عنه وحاجة للإنسانية على أمل تطويرها وإصلاحها في اللحظة المواتية.

من خلال الموضوع الذي طغى على الدورة الأخيرة للجمعية العامة أي المبارزة حول المسألة الكورية الشمالية، يتأكد أمامنا تحدي دخول العصر النووي الثاني. من هيروشيما وناغازاكي في ختام الحرب العالمية الثانية، إلى أزمة صواريخ كوبا في 1962، وامتدادا إلى كارثة تشرنوبيل في 1986، إلى تجربة كوريا الشمالية النووية الأولى في 2006، عاش العالم العصر النووي الأول على وقع الردع المتبادل تحت رعاية النادي النووي الذي يضم الخمسة الكبار وهم الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن.

عبر هذه الغلبة ومن خلال معاهدات ملزمة أبرزها معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، جرى ضبط الوضع حتى آخر القرن الماضي، إذ اخترقت الهند وباكستان النادي المغلق إضافة إلى الاستثناء الإسرائيلي الذي كان مقبولا من دون إعلان.

والملفت اليوم بقاء شعار عالم من دون أسلحة نووية الذي ورد في خطاب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في براغ (ابريل 2009)، كلاما نظريا في ظل ترسانات الكبار وممارساتهم. والأدهى أن عودة مناخ الحرب الباردة وزمن الفوضى الاستراتيجية لا توصلنا إلى آفاق الحد من أسلحة الدمار الشامل، بل تأخذنا إلى آفاق خطرة لأن عولمة التكنولوجيا والتطور الرقمي يسقطان المحظورات ويتيحان لدول مارقة ومنظمات إرهابية الذهاب بالعالم نحو الأسوأ.

يدخل العالم عصرا نوويا جديدا، وصارت الاستراتيجية النووية معتركا لأنظمة تصنفها واشنطن بالمارقة وهي تعتبر نفسها مهددة، ولن يكون الحال أفضل في العصر النووي الجديد بسبب ضخامة النزاعات.

أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس

9