الأمم المتحدة والصحراء المغربية.. فشل مستمر

أثبتت الزيارة التي أداها الأمين العام للأمم المتّحدة بان كي مون إلى مخيمات تندوف في الجزائر ومنطقة “بئر لحلو” في الصحراء المغربية، لا فقط غياب الحيادية لدى المنظّمة الأممية، بل أيضا أن الجمود لديها وصل إلى حدّ عدم استيعاب أن المنطقة بدأت تتغيّر وأن سياسات ليّ الأذرع والضغط وعدم التحرّك خارج الأطر الدولية، المحدّدة من قبل جهات خارجية، لم تعد مقبولة في حال لا تتوافق مع المصلحة العليا للدول.
الثلاثاء 2016/03/08
المطالبة بكل شيء إلى حد الحصول على لا شيء

الرباط – إذا كان فشل مبعوثي الأمم المتحدة إلى ليبيا وسوريا واليمن مرتبطا بطبيعة الصراع والأطراف المتورّطة فيه، فإنه لا مبرّر مقنعا يفسّر سياستها تجاه ملف قضية الصحراء المغريبة والانحياز الواضح لأمينها العام بان كي مون ولمبعوثه الشخصي كريستوفر روس، لطرف دون آخر.

وقد تجلّى هذا الانحياز واضحا خلال زيارة بان كي مون إلى الجزائر وموريتانيا ولقائه قادة جبهة البوليساريو الانفصالية، فيما استنثى الطرف المغربي في هذه القضية، رغم أنه يعدّ الفاعل الأبرز في الأزمة.

لم يعدل الأمين العام لمنظمة الأمم المتّحدة في تعاطيه مع هذه القضية، وجاءه الردّ على ذلك من أهالي مخيّمات تندوف الذين استقبلوه وبعثة المينورسو، بالحجارة والرفض، حيث اعتبر سكّان المخيّمات أن وقوف بان كي مون إلى الجانب الجزائري يعني دعما للبوليساريو، وهو ما يعني أيضا استمرار المعاناة والحرمان من الحقوق التي يكفلها الدستور المغربي لسكّان الأقاليم الجنوبية.

بين داعش وتندوف

يعيش الكثير من اللاجئين في بيوت من الطين في منطقة تندوف ذات الظروف القاسية الواقعة في جنوب الجزائر منذ نحو أربعين عاما، ولم يعد بإمكانهم السكوت أكثر عن هذه الأوضاع التي دفعت بالكثير من الشباب إلى التنظيمات الإرهابية.

ولم يعد هناك مجال للتشكيك في التقارير الدولية التي تتحدّث عن أن جبهة البوليساريو تتعاون مع الإرهابيين عبر الصحراء وهي متورطة معهم في تجارة الأسلحة يستفيد منها كل من مقاتلي تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المتحالفة معهما.

ويؤكّد عبدالرحيم منار السليمي، أستاذ العلوم السياسية ورئيس المركز المغاربي للدراسات الأمنية وتحليل السياسات، صحة هذه التقارير، مبينا أن معطيات جيو أمنية عديدة تشير إلى استمرار نزاع الصحراء، ووجود مجموعة من المواطنين في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر من شأنه أن يسهل عملية عبور داعش إلى المنطقة المغاربية.

وقال السليمي لـ”العرب” إن “القيادي الإرهابي المدعو عدنان أبوالوليد الصحراوي (اسمه الإدريسي لحبيب)، المنتمي إلى مخيمات تندوف، والذي أعلن منذ أكثر من سنة عن بيعته لأبي بكر البغدادي، يعمل على الحشد والاستقطاب لداعش من داخل المخيمات، كما أن بعض الداعشيين الموريتانيين والجزائريين والمغاربة يعودون من سوريا والعراق إلى ليبيا ومنها إلى مخيمات تندوف عن طريق وساطة عدنان أبوالوليد الصحراوي”. وأضاف أن انفلات الجنوب الجزائري سمح بانتقال مجموعة من الإرهابيين نحو مخيمات تندوف ومنطقة الزويرات فوق الأراضي الموريتانية.

واعتبر الخبراء أن الأمين العام للأمم المتحدة ضرب بعرض الحائط هذه التقارير والمعطيات الموثّقة من خلال سياسته التي بدت وكأنها لا تعير اهتماما لمقترح الحكم الذاتي الذي طرحه المغرب، منذ أبريل 2007 كحل لنزاع الصحراء. وتحظى هذه المبادرة بدعم المجموعة الدولية التي وصفتها بالحل الجدي والواقعي وذي المصداقية، واعتبرته الحل الأمثل لطي صفحة النزاع المفتعل.

الجزائر تعمل على خلق المشاكل للمغرب في صحرائه سعيا منها للحصول على منفذ على المحيط الأطلسي

لكن يبدو أن منظّمة الأمم المتحدة وأمينها العام وبعثته إلى الصحراء المغربية، يتعاملون مع المغرب وفق الطريقة الجزائرية التي تعتبر أن حرص المغرب على تقديم مبادرات إيجابية دليل ضعف في الموقف وقد يساعد على الضغط على الرباط لتقديم تنازلات جوهرية يمكن استغلالها لخدمة المشروع الانفصالي.

لكن، فات بان كي مون أن العاهل المغربي الملك محمد السادس حسم الشك باليقين، على هذا المستوى، في خطاب ذكرى المسيرة الخضراء الذي اعتبره جل المراقبين بمثابة إعادة تصويب لبوصلة هذا النزاع ورسالة قوية إلى أبناء الصحراء والجزائر والمجتمع الدولي تؤكد أن الحل لن يكون على حساب المغرب ووحدته الترابية والوطنية، وأن الجزائر هي الطرف الحقيقي المقابل للمغرب، وأن الرباط تدرك أن محاولات ابتعادها عن الواجهة التي تحتلها، لا يساعد على إيجاد الحل السياسي الذي يرغب فيه المجتمع الدولي، ويدعو له منذ فشل تطبيق خطة الأمم المتحدة حول الاستفتاء.

وسبب الفشل موقف البوليساريو حول لجنة تحديد هوية الصحراويين الذين يحق لهم المشاركة في الاستفتاء، حيث اتبعوا منهجية غريبة تهدف إلى رفض الصحراويين الذين يشك في ميولهم الانفصالية. الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى الإقرار باستحالة تنظيم الاستفتاء، ودعوة مجلس الأمن الدولي إلى البحث عن الحل السياسي الذي يحظى بموافقة كل أطراف النزاع. وهو السياق الذي دفع المغرب إلى تقديم مبادرة الحكم الذاتي.

ورقة موريتانيا

اعتبر الخبراء أن انحياز بان كي مون بدا واضحا حين دعا إلى استئناف المفاوضات السياسية بين جبهة البوليساريو والحكومة المغربية لإنهاء النزاع بينهما حول الصحراء المغربية، متجاهلا أن المغرب استوفى جهوده في هذا السياق وأن تعنّت الانفصاليين، بدعم من الجزائر، من أبرز أسباب تواصل النزاع أربعة عقود.

وقال بان كي مون إنه يعتزم “إعادة إطلاق مفاوضات لحل النزاع ليتسنى للاجئين الصحراويين العودة لموطنهم”، وعلّق على ذلك نوفل البوعمري، الخبير في الشؤون الصحراوية، منبّها في تصريح لـ”العرب” إلى نبرة الانحياز في كلام المسؤول الأممي إلى الأطروحة الانفصالية.

واعتبر البوعمري، أن زيارة بان كي مون، التي تتزامن مع الاستعدادات الجارية لدورة مجلس الأمن في أبريل ولتقرير الأمين العام الذي يعده في أواخر شهر مارس من كل سنة، لن تضيف أي شيء للملف بل هي محاولات فرض مفاوضات شكلية تزيد من عمر الصراع.

عبدالرحيم منار السليمي: معطيات جيو أمنية عديدة تشير إلى استمرار نزاع الصحراء

وزاد بان كي مون، الذي شارفت ولايته على الانتهاء، من تعقيد الوضع بدعوته موريتانيا “إلى المساعدة في النزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو حول الصحراء”. وزعم أن إحراز تقدم بشأن الوضع في الصحراء المغربية يشكل أهمية في موريتانيا أيضا، حيث العديد من اللاجئين يتقاسمون الثقافة والروابط الأسرية مع الموريتانيين.

وبهذه الدعوة يكون الأمين العام للأمم المتحدة قد وضع موريتانيا في موقف صعب، بل إن دعوته هذه لا تبدو بريئة وفق بعض الخبراء، فلا شكّ أن الأمين العام على علم بأن العلاقة بين موريتانيا والمغرب تشهد توتّرا صامتا وأنه للسنة الخامسة على التوالي لم تعيّن نواكشوط سفيرا لها في الرباط، كما يعمل بان كي كون من خلال هذه الدعوة على إحياء نزعة موريتانية سبق ودفنها تعتبر أن “لموريتانيا نصيبا من أراضي الصحراء”.

وبدأت أزمة الصحراء المغربية قبل انسحاب الاستعمار الأسباني منها عام 1975، إذ طالب المغرب باسترجاع أرضه من الاحتلال الأسباني، وخلال المفاوضات الأسبانية مع المغرب طالبت موريتانيا بجزء من الصحراء بدعوى أن للسكان تقاليد شبيهة بالتقاليد الموريتانية. لكن، في سنة 1979، قررت موريتانيا الخروج من النزاع وتوقيع اتفاق سلام مع المغرب وانسحبت بموجبه موريتانيا بصفة نهائية، مؤكّدة أن لا حق لها في الصحراء المغربية. وكان من الممكن، وفق المؤرخ الباراغوياني، لويس أغويرو فاغنير، ألا يطول الصراع ويصل إلى هذا الوضع لولا “وقوف الجزائر وراء هذا النزاع المفتعل عبر دعمها وتمويلها لكيان لا تتوفّر فيه شروط دولة مستقلّة”.

وتنقل وكالة أنباء المغرب عن أغويرو فاغنير، الذي صدر له مؤخّرا كتاب بعنوان “الصحراء المغربية، ما وراء الصحراء الغربية”، أن “المغرب لن يتنازل قيد أنملة عن صحرائه التي كانت على الدوام أرضا مغربية وجزءا لا يتجزأ من المملكة”، مضيفا، في حوار مع قناة “باراغواي تي في” أن “الجزائر تعمل على خلق المشاكل للمغرب في صحرائه سعيا منها للحصول على منفذ على المحيط الأطلسي”، وبالتالي ورغم تجربتها مع الإرهاب تفضّل الجزائر، التي تعاني من اضطرابات داخلية، أن تبقي الصحراء بابا مفتوحا لنزاعات متطرّفة بدعوى مناصرة جبهة البوليساريو، وتجرّ المغرب إلى حرب مع المخاطر التي تدخل من هذا الباب فتلهيه عن جهوده التنموية.

وعن هذه المخاطر تحدّث عبدالرحيم منار السليمي لـ”العرب”، مشيرا إلى أن الجغرافيا الإقليمية المحيطة بالمغرب توضح وجود أشرطة طويلة لمنظمات الجريمة المنظمة العابرة للقارات، وتمتدّ أولاها من نواديبو إلى شمال الجزائر على طول 3350 كلم، والثانية من كوطونو إلى شمال الجزائر على طول 4480 كلم، وتتفرع إلى الامتداد داخل الأراضي الليبية عند نقطة تمنراست الجزائرية نحو وسط وشمال غرب ليبيا، وهذه الطرق باتت تستعمل من طرف الجماعات الإرهابية المتواجدة في منطقة الساحل والصحراء، وفوق الأراضي الجزائرية (تنظيم عبدالمالك دوردكال ومختار بلمختار وجند الخلافة وعدنان أبوالوليد الصحراوي…).

والخطير في هذا الأمر أن شريط الطرق تمدد بشكل كبير، وبات يمتد من الكفرة على الحدود السودانية الليبية إلى درنة، ومن الكفرة على طول الجنوب الليبي إلى حدود الجنوب الجزائري وشمال مالي نحو شريط الزويرات ونواديبو الموريتاني، بمعنى أن الخطر يحيط بالحدود المغربية. من هنا، جاءت فكرة تأمين الحدود بسياج ضمن استراتيجية استباق الخطر، ما يجعل المغرب بوابة أمنية مستقرة تحمي أمن أوروبا، وهذا ما يدركه الأوروبيون والأميركيون اليوم، فالمسافة بين المغرب وأسبانيا لا تتجاوز 14 كلم وهي المسافة التي يجب على الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قراءتها بشكل أمني استباقي جيد دون أخطاء، ويعي أن ملف الصحراء المغربية بدأ يكتسي طابعا مختلفا في المحافل الدولية، وسيلقي بظلاله المغربية في النهاية على الأمم المتحدة بالذات.

6