الأمن الاجتماعي أحبط فكرة تحقيق الجهاديين الأميركيين أهدافهم

الجهاديون الأميركيون في العراق وسوريا أقل ميلا لتنفيذ الاعتداءات الإرهابية بعد عودتهم إلى بلادهم بالمقارنة مع المتطرفين الأوروبيين.
السبت 2020/09/26
لا مكان للتطرف مع مكافحة الدعاية الجهادية

تعطي التقييمات الاستخباراتية الحديثة أن الجهاديين الأميركيين لم يتمكنوا من تحقيق أهدافهم إثر إنهاء “أسطورة داعش” في الشرق الأوسط بعد أن سببوا صداعا لإدارة الرئيس السابق باراك أوباما جراء تزايد احتمال عودتهم إلى الولايات المتحدة مع امتلاكهم خبرات في التدريب والقتال والاتصالات اللازمة لتنفيذ هجوم داخل بلدهم.

واشنطن - نسفت الاستراتيجية الأميركية في مكافحة التنظيمات المتطرفة فكرة قيام جهاديي الولايات المتحدة باستهداف بلدهم رغم أن تنظيم داعش حذا حذو تنظيم القاعدة في استقطاب عناصر من مختلف دول العالم لتجنيدهم للقيام بعمليات في دولهم الأصلية.

وأثبتت العديد من الدراسات الأميركية المنشورة منذ 2018 حول الجهاديين الأميركيين في العراق وسوريا أن هؤلاء أقل ميلا لتنفيذ اعتداء إرهابي بعد عودتهم إلى بلادهم بالمقارنة مع المتطرفين الأوروبيين الذين يفوقونهم عددا.

وقامت مؤسسة البحث والتطوير الأميركية (راند) بنشر بحث حديث يظهر كيف تم فحص سجلات 422 من الجهاديين في الولايات المتحدة والمعروف عنهم جميعا قيامهم بتخطيط أو تنفيذ هجمات بعد 11 سبتمبر 2001 وكذلك سجلات من سافروا أو حاولوا السفر للانضمام إلى جبهات الجهاديين في الخارج أنهم فشلوا في القيام باعتداءات في البلاد.

ويقول بريان مايكل جينكنز، أحد كبار مستشاري رئيس مؤسسة راند التي بدأ بتكليف منها في عام 1972 القيام ببحث مسألة الإرهاب إن أغلبية الجهاديين الأميركيين كانوا من الرجال وأقل من 6 في المئة كن نساء، معظمهن عدن برفقة أزواجهن أو أسرهن من سورية والعراق.

وأشار إلى أن متوسط الأعمار بلغ 27 عاما، ومعظمهم توجهوا إلى مناطق القتال في دول لم يروها من قبل ليس لزيارتها ولكن للمشاركة في القتال، ربما ليموتوا أو لاكتساب المهارات، التي سوف تمكنهم من العودة إلى الولايات المتحدة وتنفيذ هجمات فيها.

وأكد جينكيز أن قرارات هؤلاء كانت شخصية وفردية وليس هناك دليل قوي على أن أيديولوجيات الجهاديين أو دعواتهم لتجنيد الآخرين حظيت بقدر كبير من الاهتمام بين المجتمعات المسلمة في الولايات المتحدة.

ومن الواضح أن النتيجة كانت ضئيلة للغاية فبالمقارنة بالمسجلين كمخططين للهجمات والمسافرين لمناطق قتال، تطوع أكثر من أربعة آلاف مسلم أميركي في الجيش الأميركي في نفس الفترة بعد 11 سبتمبر، كما كان العديد من المسلمين مصدر المعلومات التي أدت إلى الاعتقالات، وأحبطت المخططات.

مايكل جينكنز: لا يبدو أن التطرف في الولايات المتحدة هو نتاج الحرمان
مايكل جينكنز: لا يبدو أن التطرف في الولايات المتحدة هو نتاج الحرمان

ويشير جينكنز إلى أن الكثير ممن يختارون أن يكونوا جهاديين بدافعهم الشخصي منفصلون عن عائلاتهم وعن مجتمع اعتبروه مليئا بالكفار، وكانوا يشعرون بالغربة والإحباط أو الملل أوعدم الرضا أو بكل ذلك، وكانوا في حالة تشكك بالنسبة لديانتهم. وفي ظل كل ذلك كانوا يرون أن المخاطر أمر مقبول بالنسبة لهم.

ونصف المسجلين كإرهابيين في الولايات المتحدة ولدوا في الخارج وقدموا من ما لا يقل عن 48 دولة ذات أغلبية إسلامية ومن أميركا اللاتينية وأوروبا وشرق آسيا. وكل المولودين في الخارج تقريبا تم تجنيسهم كمواطنين أميركيين، أو يتمتعون بالإقامة الدائمة القانونية، و12 فقط منهم كانوا في الولايات المتحدة بتأشيرات مؤقتة.

وتم تسجيل أربعة فقط منهم دخلوا البلاد بصورة غير شرعية وثلاثة آخرين كانوا أخوة ألبان قدموا وهم صغار مع أسرتهم عام 1984 وتم إلقاء القبض عليهم بعد ذلك بنحو 23 عاما لمشاركتهم في مخطط إرهابي.

وفي حقيقة الأمر فإن معظم المولودين في الخارج من الأشخاص المذكورين وصلوا إلى الولايات المتحدة وهم أطفال وعاشوا فيها 12 عاما قبل إلقاء القبض عليهم، مما يشير إلى أن معظمهم أو كلهم جميعا تم تحويلهم للتطرف بعد وصولهم.

وفي المحصلة فإن الجهاديين في الولايات المتحدة لم يكونوا مطلقا مشكلة تتعلق بالهجرة ولا يبدو أنه تم السماح لأشخاص متطرفين بدخول الولايات المتحدة، أو أن نظام التحقق من الزائرين أو المهاجرين فاشل، فالمجاهدون الأميركيون صنعوا في الولايات المتحدة.

وقال جينكنز إن “تعليمهم لم يختلف كثيرا عن تعليم باقي الأميركيين، كما أنهم ينتمون إلى خلفيات اجتماعية واقتصادية متنوعة. ولا يبدو أن التطرف في الولايات المتحدة هو نتاج الفقر أو الحرمان”.

ورغم أن التنظيمات الجهادية مازالت نشطة في الخارج، ولكن هذا النشاط تضاءل باطراد بعد 2015، ويمكن اعتبار فشل الجهاديين انتصارا للولايات المتحدة رغم تكلفته الباهظة.

وتؤكد عدة دراسات أن أحد أسباب العدد المتدني نسبيا من المقاتلين الأجانب من الأميركيين هو أن القوانين الأميركية تسهّل تدخل أجهزة إنفاذ القانون في مرحلة مبكرة بمجرد التعبير عن تأييد مجموعة متطرفة محظورة.

أما السبب الآخر فهو صعوبة إقامة علاقات شخصية بالمقارنة مع أوروبا، فقد عثرت قوات الأمن على خلية واحدة في مينيسوتا رغم العدد الكبير من المسلمين المقيمين في هذه الولاية وكانوا 15 مسلما أميركيا تجمعهم روابط شخصية يحاولون من خلالها الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي الأماكن الأخرى كان هؤلاء يواجهون صعوبات ولا يتلقون المساعدة سوى من صديق أو قريب واحد ويعتمدون بشكل أكبر على إرشاد الموجهين على الإنترنت.

وبعد انتقالهم إلى سوريا نجح بعض المجندين الأميركيين في الصعود في تراتبية التنظيم الجهادي خصوصا “الرواد” منهم.

لكن القسم الأكبر كان مصيره أشبه بمحمد جمال خويس الذي جند عبر الإنترنت، وبعد التحاقه بداعش سئم الأعمال الوضيعة وخاب أمله من عدم تلقيه أي تدريب عسكري، كما يقول، ما حمله في النهاية على الهرب والعودة إلى الولايات المتحدة حيث حكم عليه بالسجن 20 عاما.

6