الأمن الاقتصادي التونسي.. معركة الإرادات المفقودة

مسألة تغيير النظام السياسي تطفو مجددا على السطح وسط الدعوة إلى تعديل النظام السياسي وإرساء نظام رئاسي في ظل الأداء المهتزّ للبرلمان.
الاثنين 2020/09/21
قائمة أزمات

تونس - يعتبر الأمن الاقتصادي شيئا أساسيا لتحقيق الأمن القومي لأي بلد ولحياة الشعوب حيث لا يمكن تصوّر أيّ مجتمع مستقر دون هذا المعطى الاستراتيجي. وفي حالة تونس، وبالنظر إلى طبيعة الظروف التي تعيشها، فإن هذه القضية تحتاج إلى نقاش عميق لفهم أسباب معركة الإرادات المفقودة في عدم النهوض بالدولة التي تعلق آمالها دائما على رؤية عقيمة.

ومعلوم أن الأمن الاقتصادي هو عبارة عن الإجراءات، التي توفر كافة أشكال الحماية الآمنة لسكان أيّ بلد حتى تؤهلهم للحصول على احتياجاتهم الأساسية من خلال العائدات التي تحققها الدولة من أنشطتها التجارية والاستثمارية وغيرها. ولكن تونس ضائعة اليوم في متاهة معقدة ومتشابكة من الصلاحيات المقسمة بين 3 رئاسيات، وبين فساد يتغذى من غياب سلطة القانون.

ورغم الخطط الطموحة، التي عرضتها ثماني حكومات منذ انتفاضة يناير 2011 للقطع مع النمط القديم في إدارة دواليب الدولة، ورغم أن “الأغلبية الصامتة” في كل مرة تترك المجال لأي رئيس حكومة يأتي لتنفيذ استراتيجية، لكن النتائج التي تستخلص من ذلك لا ترتقي إلى تطلعات التونسيين ذلك أنه لا توجد إرادة سياسية من أجل بناء دولة مدنية قوامها “السلطة للشعب”.

وحتى تلك الإرادة، وإن وجدت، فإن “غول” الفساد والبيروقراطية، اللذين صنعا بأطنان من التشريعات والقوانين منذ ستينات القرن الماضي، كان لهما دور في وصول البلد إلى هذه الوضعية الكارثية؛ فأن تستورد تونس، وهي إحدى أبرز الدول المنتجة للفوسفات، هذه المادة من الجزائر، بسبب توقف الإنتاج في الحوض المنجمي، وهي منطقة تضم 4 مدن في ولاية قفصة جنوب غرب البلاد، دليل على عجز مؤسسات الدولة. وبالطبع قضية إغلاق الإنتاج في حقول النفط، الكامور بولاية تطاوين نموذج ينطبق عليه نفس الأمر.

ويبدو أن طبيعة النظام السياسي بثلاثة رؤوس، وتونس على أعتاب أشهر من الذكرى العاشرة لإسقاط نظام بن علي قد تكون أحد الأسباب لعدم التمسك بفرض الأوامر في هذا الشأن في ظل اقتسام الصلاحيات بين مؤسسة الرئاسة ورئاسة الحكومة والمؤسسة التشريعية، فلا الرئيس قادر على إعطاء أوامره للجيش للتكفل بمسألة الإنتاج إلى حين فض المشكلة بين المحتجين والحكومة كما يحصل أثناء الكوارث الطبيعية بالنظر إلى أن البلاد تعيش أصلا في حالة طوارئ.

وليس ذلك فحسب، فعند تتبع مسار عمل الحكومات، يلاحظ أنه لم يكن لأي رئيس حكومة القدرة أو الأدوات على تذويب جبل الأزمات تدريجيا بسبب المخلفات، التي يتركها رئيس الحكومة الذي قبله، ودواليك. كما أن رئاسة الحكومة بدورها محكوم في عملها بسبب الرقابة، التي يفرضها عليها البرلمان. وكل جهة توجه سهام الانتقادات إلى الأخرى في الكواليس أو خفية والشعب هو الضحية.

النتائج المستخلصة منذ 2011 أنه لا توجد إرادة سياسية من أجل بناء دولة مدنية قوامها "السلطة للشعب"

وأحالت قضية تشكيل حكومتين منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والذي رشح لها الرئيس قيس سعيّد شخصيتين هما إلياس الفخفاخ الذي استقال ليحل محله هشام المشيشي، بحسب ما يخوله له دستور 2014، والحكومة الأخيرة تبدو خالية من أي شخصية تنتمي إلى الأحزاب المتناحرة في ما بينها، إلى مسألة مهمة تتمحور بالأساس حول إمكانية تغيير النظام السياسي الحالي الذي أثبت فشله.

وبالعودة إلى عام 2011 وما تلاه من ضبابية استغلت فيه حركة النهضة الإسلامية حالة الانفلات للسيطرة على مفاصل الدولة عبر إيهام الشعب بأنها المنقذ الأول للديمقراطية، حيث غرق المجلس التأسيسي خلال ثلاث سنوات في نقاشات حادة حول صياغة نظام جديد يكون فيه منصب الرئيس شكليا ويكون البرلمان هو من يمتلك خيوط اللعبة السياسية بالكامل.

ومنح النظام المعدّل مجلس نواب الشعب صلاحيات كثيرة معظمها كان موجودا في السابق من أبرزها التشريع والرقابة، ولكن أضاف إليها منح الثقة للحكومة وسحبها منها والرقابة على نشاطها وعملها ومساءلتها وحتى التضييق عليها إن لزم الأمر. كما أسندت إليها غالبية الصلاحيات التنفيذية في نطاق عملها، وفي المقابل قوّض هذه النظام “الأعرج” مؤسسة الرئاسة بحيث جعل عملها محصورا في ثلاث مهام رئيسية تتمثل في الأمن القومي والدفاع والعلاقات الخارجية.

وأثارت المواجهات العاصفة بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة بين كل من التيار الإسلامي المتمثل في النهضة والأحزاب الموالية لها في فكر الإسلام السياسي، ودون احتساب حزب التحرير السلفي، الذي لا يؤمن بالانتخابات لأنها “رجس من عمل الشيطان”، من جهة، والتيار الليبرالي، الذي تقوده عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر، مواقف متباينة حول حتمية تغيير النظام السياسي القائم، من جهة أخرى.

ولقد طرحت مسألة تغيير النظام السياسي منذ العام 2016 خاصة في ظل انتقادات الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي له، وعاد هذا الجدل ليطفو على السطح مجددا اليوم وسط الدعوة إلى تعديل النظام السياسي وإرساء نظام رئاسي خاصة في ظل الأداء المهتزّ للبرلمان وتشتت تركيبته بما يحول دون الاستقرار السياسي في البلاد. والآن أما آن للشعب أن يقول كلمته ويبدأ في ممارسة الضغط على السياسيين لإنهاء هذا الجمود، الذي ستكون له تداعيات مدمرة بكافة المقاييس في ظل عالم عاجز عن مكافحة وباء كورونا ومعالجة اقتصاده الراكد؟

7