الأمن الثقافي ضمانة لحفظ ذاكرة الشعوب وهوياتها

الاثنين 2015/01/26
تمثال أبو العلاء المعري في سوريا أحد الرموز التاريخية التي استهدفها داعش

أبوظبي- شهدت العقود الماضية، تزايدا للاهتمام بمكانة الثقافة في السياسة الدولية بشكل عام، والأمن القومي بشكل خاص، إلاّ أنّ فكرة “الثقافة” في حدّ ذاتها تظل مراوغة في بعض الأحيان، فضلاً عن أنّ دمجها مع “الأمن” يثير مجموعة من الموضوعات حول كيفية الترابط بينهما، ومدى تأثير كل منهما في الآخر، وكيفية تحقّق “الأمن الثقافي” كأحد عناصر منظومة الأمن القومي للدول، خاصة في مناطق التوتر، وفق دراسة للباحث باسم راشد صادرة عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.

تتفق التعريفات المختلفة والمتعددة لمفهوم الثقافة، على أنها تعبر عن “النشاط الفكري والفني والأعمال التي تُنتَج من ناحية، والمعتقدات والفنون والعادات والأعمال التي ينتجها مجموعة من الناس في وقت ما من ناحية أخرى”، ومن ثمَّة فإن الثقافة تغطي على نطاق واسع الأشياء الملموسة كالتحف والقطع الأثرية، والأشياء غير الملموسة كاللغات والمعتقدات.

وقد شهد السنوات الأخيرة تعدياً على بعض الآثار الثقافية المهمة مثل تماثيل “بوذا” التي دمرتها حركة طالبان في أفغانستان في 2001، والانتهاكات الجسيمة التي تستهدف رموزا من التراث الإنساني في العراق وسوريا على أيدي عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية”، ممّا دفع إلى ضرورة وضع حدّ لمثل تلك الاعتداءات، وإعادة النظر في التفاعلات المتعددة والمتبادلة بين الثقافة والأمن القومي.

في هذا الإطار، يقدم الباحث باسم راشد قراءة في كتاب صدر حديثا لإيريك نيميث (وهو باحث متخصص في العلاقة بين الثقافة والأمن بمؤسسة راند) يحمل عنوان “الأمن الثقافي.. تقييم قوة الثقافة في الشؤون الدولية”.

ويُعد هذا الكتاب الأوّل من نوعه الذي يتناول – من خلال عشرة فصول – العلاقة المتبادلة بين القيم السياسية وأمن الممتلكات الثقافية بما هي جزء أساسي في ذاكرة الشعوب وهوياتها، ويناقش الآثار المترتبة على قوة الثقافة في الشؤون العالمية، ومن ثمّ فإن التقاطع بين هذه القضايا يشكل الأساس لحقل جديد يتناوله هذا الكتاب، وهو “الأمن الثقافي”.

وينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام رئيسية، حيث يعكس كل قسم منها بعداً مختلفاً من الأمن الثقافي.

ويتناول القسم الأول العلاقات بين الممتلكات الثقافية والأمن القومي من منظور تاريخي، وذلك بالتركيز على دور الأعمال الفنية والتحف الثقافية والقطع الآثرية في الصراعات المسلحة.

أمّا القسم الثاني فيناقش الممتلكات الثقافية من منظور اقتصادي. فيما يتناول القسم الثالث دور الممتلكات الثقافية في السياسات الخارجية للدول، بالإضافة إلى التهديدات التي تتعرض لها الدول في هذا الصدد، وكيفية مواجهتها.

العلاقة بين الثقافة والأمن قائمة على:
◄ بعد مادي يعنى بالتهديدات الأمنية للممتلكات الثقافية

◄ بعد اقتصادي يعبر عن القيمة المالية للممتلكات الثقافية

◄ بعد سياسي يتعلق بدور الممتلكات الثقافية في السياسة الخارجية


دراسة العلاقة بين الثقافة والأمن


يعد مفهوم “الممتلكات الثقافية” مصطلحاً جديداً نسبياً في استخدامه، ولمقتضيات التوضيح فإنّ الكاتب يقصد به “التحف والأعمال الفنية المختلفة، سواء كانت لوحات فنية أو تماثيل منحوتة أو آثار أو غيرها، وكذلك الهياكل والمواقع والآثار التاريخية والدينية”.

وفي هذا السياق، يُميز نيميث بين ثلاثة أبعاد لدراسة العلاقة بين الأمن والثقافة وهي:


● أوّلا البُعد المادي:

ويُعنَى بالتهديدات الأمنية للممتلكات الثقافية أو ما يُطلق عليه “جريمة الفن”، مثل سرقة التحف الفنية من المتاحف أو تدمير الهياكل الثقافية المختلفة.


● ثانيا البُعد الاقتصادي:

ويعبر عن القيمة المالية لتلك الممتلكات الثقافية أو ما يعرف باسم “سوق الفن”، ومن ذلك مبيعات التحف الفنية أو الفنون الجميلة من خلال التجار أو المعارض أو المزادات المنتشرة عالمياً.


● ثالثا البُعد السياسي:

ويُقصد به دور الممتلكات الثقافية في السياسة الخارجية أو ما يسمى “الدبلوماسية الثقافية”؛ فتبادل الأعمال الفنية بين المتاحف، واستعادة بعض الدول للأعمال الفنية الثقافية كاللوحات والآثار من بعض المتاحف الدولية، والتعاون الدولي للحفاظ على المواقع التاريخية، كلها أمثلة على تلك الدبلوماسية الثقافية.

من ثمّة يشير الكاتب إلى أنّ المراجعة التاريخية لدور الثقافة توضّح الاتساع والنمو التدريجي لكل بُعد من تلك الأبعاد خلال القرن التاسع عشر، لكن التوسع المكثف والأكبر كان بعد الحرب العالمية الثانية.

الثقافة قوة أساسية مؤثرة في الشؤون الدولية

ومع استمرار التوسع وتراكمه بدأ تأثير تلك الأبعاد يُضاعف من أهمية “الأمن الثقافي”، ازدادت تهديدات نهب وسرقة الأعمال الثقافية بشكل كبير على مستوى العالم؛ فمن الناحية الاقتصادية نجد أنّ “أسواق الفن” قد انتشرت وكثر الاعتماد عليها وتوَّسعت من الناحية المالية، حيث أصبحت عالمية، مع تزايد تجارة الأعمال الفنية والثقافية عبر غالبية الأمم، ومن الناحية السياسية، فقد حَمَت سلسلة الاتفاقيات والقوانين الوطنية الممتلكات الثقافية إلى حدّ كبير، لكنها أيضاً جعلتها “مُسيَّسة”.

وفي هذا السياق، فإنّ توسُّع تلك الأبعاد وامتدادها قد ساهما في تقوية العلاقة بين المُمتلكات الثقافية والأمن العالمي؛ ففي ما يتعلق بـ”جريمة الفّن” يتجلى أنّ تزايد معدلات السرقات والتزوير للأعمال والتحف الفنية والثقافية، وكذلك الاتجار العابر للحدود فيها، إلى جانب تدمير الآثار أثناء التدخلات العسكرية في دولة ما أو زيادة أحداث الفوضى فيها، نتيجة ثورة أو أي تغيرات جذرية، كلها عوامل قد ساهمت في تعميق أهميّة الممتلكات الثقافية للسياسة الخارجية للدولة.

وفي هذا السياق، يشير الكاتب إلى أنّ الإساءة للآثار والفنون الجميلة قد تطوّرت على مدار التّاريخ من مجرّد كونها غنائم للحرب إلى وسيلة للإرهاب، تهدف، بشكل حثيث، إلى محو التراث الثقافي للآخر. وكذلك فقد زاد التبادل التجاري العابر للحدود للأعمال الفنية والثقافية من أهمية تلك الممتلكات الثقافية في العلاقات الخارجية بين الدول.

ومن الناحية السياسية، فقد أثَّرت الأهمية السياسية للممتلكات الثقافية على القيمة السوقية للأعمال الفنية، فضلاً عن أنّ ذلك زاد من خطورة استهداف الآثار خلال أحداث العنف السياسي. وقد أنتجت كل هذه التقاطعات المختلفة بين الفن والسياسة ومكافحة الإرهاب أرضاً خصبة لنشوء مجال جديد هو “الأمن الثقافي”.


الأهمية التكتيكية للتراث الثقافي


يُشير نيميث إلى أنّ الإمبراطوريات على مدار التاريخ جنَّدت العلماء والباحثين للحصول على الأعمال الفنية كعنصر مُكمل للنصر العسكري. وخلال القرن الماضي قام الباحثون بدمج الفنون الجميلة والتحف والآثار في حملات الغزو، كما قاموا بتقييم التداعيات السياسية لتدمير المواقع التاريخية والآثار الدينية أثناء التدخل العسكري، مثل نهب المتاحف كما حدث للمتحف الوطني العراقي في بغداد أثناء التدخل العسكري الأميركي عام 2003.

وبناءً على ذلك حوَّل المؤرخون وعلماء الآثار والباحثون القانونيّون دور التراث الثقافي من طقوس للحرب إلى وسيلة للقتال، حيث شهدت الفترات الثلاث من الصراع الدولي منذ الحرب العالمية الثانية تطوير القيمة التكتيكية والاستراتيجية للتراث الثقافي.

ففي الحرب العالمية الثانية خطّط أنصار النّازية إلى نهب الأعمال الفنية وتدمير الهياكل التاريخية للخصوم كتكتيك للغزو. وخلال الحرب الباردة مكَّنت الاكتشافات الأثرية في الدول النامية من تزايد نهب القطع الأثرية الثقافية، كما قادت الدراسات القانونية اللاحقة حول نقل الممتلكات الثقافية إلى تصاعد قيمة التراث الثقـافي وأهميّته، خصوصاً أنها كـانت جزءاً مـن معركة سـرية للسيطرة على العالم الـثالـث.

السنوات الأخيرة شهدت تعديا على بعض الآثار الثقافية المهمة والانتهاكات الجسيمة التي استهدفت رموزا من التراث الإنساني في العالم

أمّا بعد الحرب الباردة، ومع انتشار الجريمة المنظمة العابرة للحدود والإرهاب وتجارة الآثار واستهداف المواقع الثقافية في أعمال العنف السياسي، أدرج العلماء والباحثون الثقافة داخل النّظريات الأمنية.

وفي هذا الإطار، أكد نيميث على الحاجة إلى تشكيل ما أسماه “جهاز الاستخبارات الثقافي”، وهو ما سوف يساعد على تقييم الأهمية التكتيكية والاستراتيجية للتحف والفنون ومواقع التراث الثقافي بالنسبة للأمن الوطني والإقليمي، وذلك لمواجهة التهديدات التي يتعرّض لها الأمن الثقافي، كما أنّه سيكشف شبكات الاتّجار العابرة للحدود، ويُقيِّم المخاطر التي تهدد مواقع التراث الثقافي، وسيكون بمنزلة الخطوة الأولى في تحقيق الأمن الثقافي ليس الوطني فقط بل الإقليمي أيضاً.


الاقتصاد السياسي والثقافة


في إطار التطرّق إلى التّضارب القائم في تقدير القيمة المنوطة بالثقافة والفن، أشار الكاتب إلى أن لوحة “الصرخة” لإدفارد منش قد بيعت في مايو 2012 بمبلغ 120 مليون دولار، مُسجلة بذلك أعلى اللوحات مبيعاً داخل المزادات العالمية، وفي الوقت نفسه قامت جماعة “أنصار الدين” التابعة لتنظيم “القاعدة” باستهداف وتدمير الأضرحة في مالي، وكذلك يشهد الصراع المستمر في سوريا تدمير التراث الثقافي للدولة مثل قلعة الحصن.

ويرى الكاتب أنّ بيع تلك اللوحة وبالمقابل تدمير الآثار التاريخية، يمثلان نقيضين ينبعان من تقدير القيمة المتصورة للفن في الأولى، والأهمية الاستراتيجية للتراث التاريخي في الثانية، كما أنّهما حالتان تشتركان في شيء واحد هو إدراك القوة الكامنة وراء الفن والثقافة.

تاريخ الحروب يدل على القيمة التكتيكية والاستراتيجية للتراث

فالفن يُعبِّر عن المُثل الثقافية للشعوب، وللأشكال المختلفة من الفن تأثيرات على العديد من الناس من مختلف الثقافات، كذلك تُمكن الهندسة المعمارية والأعمال الفنية كاللوحات الفنية والتحف وغيرها، من التعرف بشكل أعمق على الثقافة الأخرى، بل وتفرض ضرورة التقدير المتبادل للثقافات، وهو ما يشجع على التعاون لحماية الآثار من ناحية، ويُلهم البعض على حيازة بعض تلك التحف الفنية من ناحية أخرى.

في هذا الصدد، ظهرت الاتفاقيات الدولية لحماية التراث التاريخي، وتمَّ تنظيم تجارة الأعمال الفنية، لذلك فإن النفوذ القانوني الناتج عن حماية الممتلكات الثقافية وتطوير سوق الفن العالمي يوضحان ظهور الاقتصاد السياسي للممتلكات الثقافية.

وقد ساهمت التطورات القانونية والمالية الناتجة عن الأحداث الخاصة بتدمير التراث والمواقع التاريخية أو سرقة التحف الفنية وغيرها، وما أفرزته من تداعيات سلبية على الأمن، في تعميق أهمية الاقتصاد السياسي للممتلكات الثقافية؛ حيث تشير السياسات المُتَبعَة لحماية تلك الممتلكات وتنظيمها، وكذلك اقتصادات سوق الفن، إلى أنها (أي الممتلكات الثقافية) عنصر مُكمل للقوة الصلبة والناعمة في العلاقات الدولية.

وفي هذا السياق، يخلص الباحث إلى أنّ نيمث أراد أن يوضّح في كتابه أنّ مصدر تلك القوة لا يكمن في الأعمال الفنية نفسها أو في المواقع التاريخية بقدر ما يكمن فيما تثيره من مشاعر إنسانية، فضلاً عن دور الثقافة في تحديد هُوية الدولة؛ فالتحف والروائع الفنية ليست إلا أحد مظاهر الفن، والفن هو أحد مظاهر الثقافة؛ لذلك فإن أسواق الأعمال الفنية وقوانين حماية التراث الثقافي كلها مؤشرات تساهم في توقُع تزايد دور الاقتصاد السياسي للممتلكات الثقافية في القرن الحادي والعشرين.

6