الأمن الغذائي السوري مهدد تحت وطأة عقوبات أميركية جديدة

نقص حاد في الخبز يضاعف المتاعب الاقتصادية لنظام بشار الأسد.
الجمعة 2020/07/10
طوابير الخبز تطول في سوريا

بات الأمن الغذائي في سوريا على شفا الانهيار بسبب تداعيات العقوبات الأميركية الجديدة على الاقتصاد، حيث يلوح في الأفق نقص حاد في الخبز من شأنه أن يضاعف المتاعب الاقتصادية للرئيس السوري بشار الأسد، كما من شأنه أن يعمق معاناة السوريين الذين يعيش الجزء الأكبر منهم تحت خط الفقر.

مها الدهان وإلن فرنسيس

بيروت - حذر مسؤول في الأمم المتحدة وناشطون ومزارعون من أن سوريا قد تواجه نقصا حادا في الخبز للمرة الأولى منذ بداية الحرب، فيما يمثل تحديا جديدا للرئيس بشار الأسد وهو يواجه تراجعا اقتصاديا وعقوبات أميركية جديدة.

وأي اضطرابات كبيرة في نظام دعم الخبز المعمول به في سوريا قد تضعف وضع الحكومة وتهدد السوريين المعتمدين اعتمادا كبيرا على القمح في وقت يدفع فيه التضخم الجامح أسعار المواد الغذائية للارتفاع.

وقال مايك روبسون ممثل منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة في سوريا “ثمة أدلة بالفعل على أن الناس بدأت تستغني عن وجبات”.

وأضاف “إذا ظلت العملة تحت الضغط فسيكون من الصعب الحصول على الواردات وربما تشهد الشهور التي تسبق محصول القمح لعام 2021 نقصا حقيقيا”.

ويعاني الاقتصاد السوري من انهيار تحت وطأة الصراع المعقد متعدد الأطراف في عامه العاشر ومن أزمة مالية في لبنان تعمل على خنق مورد حيوي للدولارات.

وتسبب ارتفاع الأسعار في زيادة مصاعب الحياة للسوريين الذين يعانون من ويلات حرب سقط فيها مئات الألوف ونزح خلالها الملايين عن ديارهم.

وخلال الأشهر الستة الأخيرة وحدها تشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن عدد الذين يقدر أنهم “لا يشعرون بالأمن الغذائي” في سوريا ارتفع من 7.9 مليون فرد إلى 9.3 مليون فرد.

وقالت يارا التي تعمل موظفة بالدولة “راتبي (الشهري) البالغ 50 ألف ليرة (21 دولارا في السوق غير الرسمية) يكفي بالكاد بضعة أيام وأنا أعيش بالدين. الناس يبيعون أثاثهم.. هذا شيء لم يحدث من قبل في حياتنا”.

وفي يونيو، فرضت الولايات المتحدة مجموعة من العقوبات على سوريا هي الأكثر شمولا حتى الآن. وتقول واشنطن إن قانون العقوبات المعروف باسم قانون سيزر يستبعد المساعدات الإنسانية ويهدف إلى محاسبة الأسد وحكومته على جرائم حرب.

وتحمل السلطات السورية العقوبات الغربية مسؤولية المصاعب الكثيرة التي يواجهها المواطن العادي.

وكانت العملة السورية ظلت مستقرة حول 500 ليرة مقابل الدولار لعدة سنوات ثم شهدت هبوطا سريعا في العام الماضي وبلغت مستوى متدن عند 3000 ليرة للدولار في يونيو تحسبا للعقوبات الجديدة.

ويعرقل هذا التراجع في قيمة العملة خطط الأسد لشراء كل محصول القمح هذا العام لتعويض أي نقص في الواردات من شأنه تقليص المخزون الاستراتيجي.

وكانت سوريا تفخر قبل الحرب بأن لديها مخزونات من القمح تكفي أكثر من عام. وامتنعت الحكومة عن الرد على استفسارات عن الحجم الحالي للمخزون ومشتريات القمح. وقال روبسون من منظمة الأغذية والزراعة إنه ليس لديه بيانات عن هذا الأمر.

وأشار تاجر حلويات في دمشق اسمه عبدالله أنه لم يسبق أن شهد فقرا على هذا النطاق. وقال لرويترز في رسالة نصية إن سوريا كانت تكتفي ذاتيا دائما وتساءل لماذا وصلت إلى هذه النقطة التي سيصبح معها رغيف الخبز حلما خلال وقت قريب.

واستعاد الرئيس السوري السيطرة على جانب كبير من بلاده من أيدي المعارضة المسلحة بمساندة روسيا وإيران. غير أن مناطق زراعة القمح لا تزال في أيدي مقاتلين تحت قيادة كردية بعد أن سيطروا على أراض كانت تخضع لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.

وقد انخفض إنتاج سوريا بشدة منذ نشوب الصراع. فقد اعتادت إنتاج أربعة ملايين طن في أعوام وفرة الإنتاج واستطاعت تصدير 1.5 مليون طن.

أما في العام الجاري فتقدر منظمة الأغذية والزراعة أنها أنتجت ما بين 2.1 مليون و2.4 مليون طن. وتتوقع الحكومة أن يبلغ الإنتاج 2.8 مليون طن.

بين الخبز والسياسة

استعاد الرئيس السوري السيطرة على جانب كبير من بلاده من أيدي المعارضة المسلحة. غير أن مناطق زراعة القمح لا تزال في أيدي مقاتلين تحت قيادة كردية بعد أن سيطروا على أراض كانت تخضع لسيطرة داعش
استعاد الرئيس السوري السيطرة على جانب كبير من بلاده من أيدي المعارضة المسلحة. غير أن مناطق زراعة القمح لا تزال في أيدي مقاتلين تحت قيادة كردية بعد أن سيطروا على أراض كانت تخضع لسيطرة داعش

يبلغ الطلب في مختلف أنحاء البلاد حوالي أربعة ملايين طن مما يعني أنه يجب سد العجز بالاستيراد من الخارج. غير أن مناقصات الاستيراد الدولية التي تنظمها المؤسسة السورية العامة للحبوب التابعة للدولة وهي المشتري الرئيسي للحبوب في سوريا صادفت فشلا متكررا منذ العام الماضي. وامتنعت الحكومة عن التعليق على عدد الصفقات التي تمكنت من إبرامها.

وفي حين أن العقوبات الغربية لا تقيد مشتريات الغذاء فإن القيود المصرفية وقرارات تجميد الأصول جعلت من الصعب على معظم الشركات التجارية إبرام تعاملات مع سوريا.

ومع خروج كبار تجار الحبوب من المعادلة، اعتمدت الحكومة على رجال الأعمال في إبرام صفقات للحفاظ على دعم سعر الخبز.

وقال أيمن عبدالنور المحلل السياسي المقيم في الولايات المتحدة “هم يستوردون كميات إلى لبنان ثم ينقلونها إلى سوريا برا ما لم تقدم روسيا شحنات مباشرة من الحكومة للحكومة وعندها يمكنها تسليمها في (ميناء) اللاذقية”.

وأضاف “أما الآن فقد أغلقت هذه النافذة بسبب المشاكل في لبنان”. وتظهر البيانات أن مؤسسة الحبوب طرحت منذ يونيو سنة 2019 ما لا يقل عن عشر مناقصات دولية لشراء ما بين 100 ألف و200 ألف طن من القمح ولم تعلن نتائج معظمها.

ونقلت وسائل إعلام عن يوسف قاسم رئيس المؤسسة العامة للحبوب قوله إنه تم التعاقد على 1.2 مليون طن من القمح الروسي خلال 2019 بما قيمته 310 مليون دولار.

وحاولت المؤسسة مقايضة بعض القمح السوري الصلد المستخدم في صناعة المعكرونة بالقمح اللين المستخدم في صناعة الخبز مرتين في سبتمبر أيلول 2019 دون أن تعلن عن نتيجة هذا المسعى.

وعندما بدأت طوابير الخبز تطول في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة في مارس، تلقت السلطات الروسية نداء بإرسال الكمية الكاملة التي وعدت بها من القمح كمساعدات إنسانية منذ 2019 وقدرها 100 ألف طن.

وأوضحت إليزابيث تسوركوف الباحثة بمعهد أبحاث السياسة الخارجية في الولايات المتحدة وهي متخصصة في الشأن السوري “ربما للمرة الأولى منذ بداية الانتفاضة السورية تشهد في الأساس نقصا في الخبز المدعوم بالمخابز وهذا أدى إلى ظهور سوق سوداء رائجة”.

وتعد روسيا، أكبر مصدر للقمح في العالم، موردا دائما للقمح إلى سوريا لكن حجم مساعدات القمح لدمشق لا يلبي الطلب. ولا توضح بيانات الجمارك الروسية حجم الإمدادات لسوريا كما أن حجم هذه الإمدادات يتباين بشدة.

وأوضح مصدر في قطاع القمح الروسي “الإمدادات مستمرة. ومع ذلك توجد مشاكل في السداد وفي توفر السفن المستعدة لتسليم شحنات لتلك الوجهة”.

وقدر المصدر أن حوالي 150 ألف طن فقط من مبيعات القمح التجارية وصلت إلى سوريا في الفترة من يوليو تموز 2019 إلى مايو أيار 2020.

سباق على شراء المحصول

حسب الحكومة فإن السبب في طوابير الخبز هي مشاكل تقنية وقد أعلنت في بداية موسم شراء القمح في يونيو أنها ستشتري الإنتاج المحلي كله.

وبحلول منتصف يونيو قالت مؤسسة الحبوب إنها اشترت حتى ذلك الحين حوالي 212 ألف طن. وتقدر منظمة الأغذية والزراعة أن حوالي 700 ألف طن من المحصول الإجمالي تزرع في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة هذا العام.

غير أن المحافظات الثلاث التي تمثل أكثر من 70 في المئة من الإنتاج تقع في الغالب في أيدي فصيل قوات سوريا الديمقراطية الذي تقوده وحدات حماية الشعب الكردية.

وكانت الحكومة قد دأبت على إغراء المزارعين ببيع محاصيلهم بدفع سعر أعلى من منافسيها حتى إذا ظل القمح في مناطق خارج سيطرتها.

وفي العام الجاري ومع انهيار الليرة السورية رفعت الحكومة السعر الذي تدفعه من السعر المعلن في بداية الموسم وهو 225 ليرة للكيلوغرام إلى 425 ليرة. لكن السلطة المحلية التي يقودها الأكراد لجأت في مواجهة انهيار العملة وخوفا من تداعيات العقوبات الأميركية على الاقتصاد في المناطق الخاضعة لسيطرتها إلى رفع سعر شراء القمح المحلي بل وربطته أيضا بالسعر السائد للدولار وتعهدت بدفع 17 سنتا أميركيا للكيلوغرام مهما انخفض سعر الليرة.

6