الأمن القومي العربي كل متكامل لا يتجزأ

الثلاثاء 2015/01/13
مناورات جوية بين القوات الإماراتية ونظيرتها البحرينية بغاية تعزيز التنسيق العسكري المشترك

معضلة التطرف والإرهاب التي تهدد الأمن القومي العربي داخليا وخارجيا، زادت حدتها في السنوات الأخيرة مع تزايد الأخطار والمسببات، فمع تواصل الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل وتنامي عنف الميليشيات الإيرانية التي تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة، وبالإضافة إلى وحشية التنظيمات الإرهابية المتنامية شأن “داعش”، أضحت مسألة توحيد الجهود لحفظ الأمن مسؤولية عربية مشتركة وعاجلة.

في سياق الإجابة عن بعض الأسئلة الحارقة التي تتعلق أساسا بالوضع الأمني العربي، التأمت جلسة بحثية في إطار المؤتمر، الذي حمل عنوان “نحو استراتيجية عربية شاملة لمواجهة التطرف”، والذي عقد مؤخرا في مكتبة الإسكندرية بالتعاون مع وزارة الخارجية المصرية.

جلسةٌ تضمّنت نقاشا طرحت خلاله مسائل عدّة تتعلق بالأوضاع الجارية على الساحة العربية والعالمية، وتحديدا الإرهاب الإسرائيلي والأوضاع في غزة وسيناء، بالإضافة إلى تسليط الضوء على ما يشهده العراق وسوريا وليبيا ودول شمال أفريقيا عموما، وعلى المؤامرات الخارجية، خاصة تلك التي تحيكها ايران باستعمال أذرعها والموالين لها في عدد من البلدان العربية التي تشهد صراعات داخلية، بغاية زعزعة الأمن القومي العربي، وكذلك الدور الغربي والأميركي في المنطقة.


من يهدد الأمن القومي العربي؟


يقوم الأمن القومي لدولة ما، على حفاظ تلك الدولة على تماسك كيانها أمام أي تهديدات خارجية أو داخلية وتوفير كل متطلبات التنمية. تعريف عام انطلق منه محمد مجاهد الزيات، الباحث المختص في الجماعات الإرهابية، في إطار الندوة المذكورة سلفا، ليتطرق من ثمّة إلى تفصيل المسألة الأمنية التي تنقسم إلى شقين، وفق رؤيته؛ شقّ أمني أساسي بمعناه الضيق يتعلق بالحفاظ على تماسك الدولة أمام أيّ تهديدات تستهدفها، وشقّ أوسع يتعلق بمتطلبات التنمية بأبعادها المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبناء على ذلك يعتبر الأمن القومي العربي، حصيلة الأمن القومي للدول العربية كل على حدة، وهو بذلك نتاج للمحافظة على كيان الدول المركزية العربية بصورة أساسية من أيّ تهديدات يمكن أن تربك كياناتها، وكيفية توفير متطلبات تنمية المجتمعات العربية بصورة أساسية.

التدخل الإيراني في البلدان التي تعيش حالة من الفوضى، شأن العراق، يدخل هو الآخر في حيز تهديد الأمن القومي العربي

هذا المنطلق النظري، وفق الزيات، يشكل الأرضية التي يمكن أن يطرح على أساسها السؤال المركزي المتعلّق بطبيعة التهديدات الأمنية التي يمكن أن تنعكس مخاطرها على الكيان العربي عموما.

فإضافة إلى التهديد الذي يشكله التطرف الإسرائيلي الذي يتنزل في إطار إرهاب صادر عن دولة معادية، تنامت في الفترة الأخيرة تهديدات عدّة أخرى، يتعلق أغلبها بظهور تنظيمات متطرفة (شأن داعش وجبهة النصرة) تعدّدت ألويتها ومخاطرها على المنطقة عموما. تنظيمات لا تقل تشددا عن بعضها البعض، توسعت منذ أشهر وزاد امتدادها على قطاع واسع من الأراضي العراقية والسورية، إلى الحدّ الذي أعلنت معه عن قيام “دولتها” التي اختارت لها اسم “دولة الخلافة” في تهديد صريح للأمن القومي للمنطقة عموما.

تهديد آخر جليّ لطالما عمد بكل الوسائل إلى زعزعة الأمن القومي العربي، أساسه التدخل الإيراني بعملائه وتابعيه في البلدان التي تعيش حالة من الفوضى، شأن العراق الذي تنتشر فيه قرابة 11 مليشيا شيعية مدعومة من إيران تحت مسمى “الحشد الشعبي”، بتعلّة مساند الجيش العراقي في مواجهة خطر تنظيم “الدولة الإسلامية”. غير أنّ المناطق التّي تمّ تحريرها من سطوة “داعش” أضحت مرتعا لتلك الميليشيات التي تُمارس فيها جل أشكال التصفية المذهبية.

التدخل الإيراني السافر في شؤون العراق، وفق الزيات، لا يقتصر على الدور الذي تلعبه الميليشيات فحسب، بل هو يتجاوز ذلك من خلال وجود مجموعات من الحرس الثوري الإيراني في العراق، عمد وزير الدفاع الإيراني ونظيره العراقي، مؤخرا، إلى إضفاء غطاء شرعي عليها من خلال عقد اتفاقية “تعاون” بين الطرفين.

وفي سياق متصل، مازالت العلاقات الإيرانية القائمة مع النظام السوري تعمّق الأزمة التي تعيشها سوريا. كما ظلّ الحضور الإيراني في لبنان من خلال “حزب الله”، يحول دون انتخاب رئيس للجمهورية ويعرقل مسار العملية السياسية برمّتها.

محمد مجاهد الزيات: الأوضاع في العراق وسوريا وليبيا تهدد الأمن القومي العربي

شواهد عدّة، تطرق لها الزيات، ليحدد مكامن الخطر الذي يحيط بالأمن القومي العربي على مستويات عدّة.


من يحارب من؟


لدى تطرقه لتفصيل الأحداث، من أجل الوقوف على حقيقة الأوضاع التي تهدد الأمن القومي العربي عموما، من خلال تسليط الضوء على الأطراف المتصارعة على الأرض في الدول العربية التي تشهد نزاعات، عمل الزيات على تقديم عرض لما يحصل في ثلاث دول تشهد حالة من الاقتتال والفوضى هي:


* أولا الحالة العراقية:

في سياق تناوله للحالة العراقية، أوضح الزيات، أنّ العالم فوجئ في العراق بظهور تنظيم داعش، وكانت المفاجأة غير طبيعية، لأن التنظيم الإرهابي كان موجودا في العراق منذ سنة 2003 عندما أنشأه أبو مصعب الزرقاوي تحت مسميات التوحيد والجهاد ثم شورى المجاهدين ثم تنظيم الدولة الإسلامية، وفي العام 2006 كشف عن وجهه الطائفي بصورة شديدة، وأعلن ولائه لأسامة بن لادن مع أنه لم يكن مرتبطا بالقاعدة منذ بداية تشكّله.

كما أنّ وجوده في سوريا يتجاوز الثلاث سنوات، لكنّ إعلان الخلافة وتسميته بـ”داعش” (تنظيم الدولة في العراق والشام) هو الأمر الجديد في الصورة.

من ثمة أوضح أنّ انتعاش تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق، كان بسبب البيئة الحاضنة التي خدمت تمدّده، نتيجة ممارسات الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي والقوات الأميركية التي همّشت السنة وتنظيمات المقاومة.

حيث أنّ حكومة المالكي مارست لسنوات عديدة نوعا من الحرب الطائفية الموجهة ضدّ السّنة، مما أنعش الاتجاه السنيّ المتطرف، وأعاد تنظيم القاعدة إلى تصدر مسرح الأحداث، لأن البيئة السياسية عموما أصبحت سلبية بنسيبة كبيرة.

فعندما دخل “داعش” إلى الموصل ليحتلها، كانت الأمور مهيّأة، ولم تكن إمكانيات التنظيم وحدها هي التي مكّنته من احتلال الموصل، بل إن أبناء المحافظة الغاضبين من ممارسات النظام قاموا بدورهم بدعم هذا الاجتياح.

وفي هذا السياق، أوضح الزيات أنّ الأطراف المتصارعة في العراق الآن هي:


أولا تنظيم الدولة الإسلامية مسنودا من بعض الأطراف والقوى.


ثانيا الجيش العراقي ويسانده ما يسمى بالحشد الشعبي الذي أعلن عن تأسيسه المرجع الشيعي، آية الله علي السيستاني، ويضم حتى الآن 11 مليشيا شيعية ترتبط ارتباطا عضويا ووثيقا بإيران.


ثالثا حوالي 100 ألف مقاتل من عناصر الحرس الثوري الإيراني، وفق ما صرّحت به مصادر عسكرية إيرانية.


رابعا الأكراد، الذين يستغلون الأوضاع الحالية لتعزيز مطالبهم الانفصالية عن السلطة العراقية المركزية.

جلّ هذه الأطراف التي تهدد أمن العراق وتتنازع وحدته تمثل بدورها، وفق الزيّات، تهديدا للأمن القومي العربي عموما.

انتعاش "داعش" في العراق سببه البيئة الحاضنة التي خدمت تمدّده

* ثانيا الحالة السورية: في ما يتعلق بالوضع السوري، وحقيقة الأوضاع على الأرض وانعكاسات ذلك على الأمن القومي العربي، قال الزيات، إن الأطراف المتصارعة في سوريا عديدة ومـتداخلة ممـا ســيطيل من عمر الأزمة.

فنظام الأسد، وفق رأيه، مازال متمسكا بالبقاء ومستعصيا على السقوط إلى حدّ الآن لأسباب عدّة أهمها أنّ الرئيس الراحل حافظ الأسد عمل في وقت سابق على الدمج بين الجيش وأجهزة الأمن والمخابرات والحزب، من خلال انتمائهم إلى نفس الطائفة، فأضحى من ثمة إسقاط الرئيس أو النظام يعني مباشرة إسقاط جل هذه الأجهزة، ممّا خلق نوعا من التماسك الطائفي والمصلحي بينهم إلى حدّ الآن، حيث أنّ الجيش السوري أو حزب البعث أو الأجهزة الأمنية على حدّ سواء لم تشهد انشقاقات استراتيجية حتى الآن.

من جهة أخرى، فإنّ الطرف الآخر في المواجهة، الذي تمثله المعارضة التي تقيم بإسطنبول، مازال حتى الآن لم يستكمل تحديد الأمانات العامة للائتلاف، ولا يملك السيطرة على القيادة العسكرية، التي كان من المفروض أن يمثلها “الجيش السوري الحر” حتّى الآن، وهو ما فتح المجال للجماعات الإرهابية كي تسحب من تحته البساط، شأن “داعش” الذي يستولي على الرقة ودير الزور وله امتداد في ريف حلب وإدلب، ورغم القصف الأميركي المكثف الذي يستهدفه، امتدّ إلى درعا وحي جوبر في دمشق ثم وصل إلى القلمون على الحدود اللبنانية، وهو يفاوض لبنان اليوم على تسليمه الجنود اللبنانيين المختطفين مقابل أن تقام منطقة منزوعة السلاح على الحدود السورية اللبنانية تقام بها مستشفى لمعالجة عناصر التنظيم المصابين. من جهة أخرى، مازالت تنظيمات أخرى، شأن “جبهة النصرة” “أحرار الشام” و”صقور الشام” وغيرها تحقق تقدما هي الأخرى على الأرض.

وفي هذا السياق، لفت الزيّات إلى أن تنظيم “جبهة النصرة” نجح في استئصال الجزء المتبقي من “المقاومة”، التي يقال عنها إنها “مقاومة معتدلة” واستولى على سلاحه، وقد كانت هذه القوات ممثلة في تنظيمي “ثوار سوريا” و”حزم”، وقد قضت عليهما النصرة منذ شهر وحصلت على أسلحة وصواريخ “تاو”، كانت الولايات المتحدة قد مدّتهما بها.

وبناء عليه أشار إلى ضرورة العمل على إيجاد حل سياسي للمعضلة السورية من أجل الحدّ من تداعياتها المحتملة على أمن المنطقة برمّتها والأمن الدولي عموما.


* ثالثا الحالة الليبية:

الوضع الليبي هو الآخر يكتسب تشعّبه من خلال العناصر العديدة التي تتداخل فيه، وكذلك من خلال التدخلات الإقليمية والدولية التي واكبت حراك الشعب الليبي سنة 2011 وبعد ذلك. حيث أن التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي تسيطر الآن على مدن ليبية عدة، استغلت انهيار الدولة الليبية غداة سقوط نظام القذافي ووجدت تربة خصبة للنمو والتمدد خاصة أنها كانت تجد من يدعمها من الخارج بالسلاح والمال والعتاد.

المحافظة على كيان الدول العربية تجاه أي تهديدات يمكن أن تربكها تضمن سلامة الأمن القومي العربي عموما

ولذلك يرى الزيات أنّ التدخل الإقليمي كان من بين الأسباب الرئيسية التي ساعدت الجماعات المتطرفة على “التغوّل” ومن ثمة تمكّنها من زعزعة أمن ليبيا وتهديد أمن جيرانها والأمن القومي العربي والإقليمي عموما. ولذلك فقد تعالت الأصوات العربية المنادية من هنا وهناك بضرورة إيجاد حل عاجل للمعضلة الليبية حتى يتم الحد من التهديدات المحتملة.

وهذا الأمر هو الذي دفع كذلك بلدان الجوار الليبي إلى المسارعة باقتراح حلول للأزمة الدائرة في ليبيا من بوابة خلق فرصة للحوار بين مختلف الفرقاء الذين ينبذون التطرف والعنف.

وباعتبار أنّ الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية، التي سبق لها أن تدخلت تحت غطاء “حلف الناتو” في الأزمة الليبية غداة انطلاقها، مازالت إلى حدود اللحظة متأخرة على “إصلاح أخطائها” والعمل على مواجهة التنظيمات الإرهابية التي استفادت من تدخلها السابق، لابد إذن على الدول العربية أن تأخذ بزمام المبادرة، من أجل حماية أمنها الـقومي، ودرء أي خطر ارهابي محتمل.

وبهذا يخلص الزيات إلى أنّ تنظيم عمل عربي مشترك لمجابهة الصعاب التي تعترض البلدان العربية المذكورة سلفا، من شأنه أن يحفظ سلامة البلدان العربية عموما ويحافظ على أمنها القومي واستقرارها.

6