الأمن المائي العربي يطرح مخاطر وتحديات أمام الحكومات

الجمعة 2014/07/11
العطش والجفاف وحروب المياه أخطار تهدد مصر

واشنطن - الخطر المتصاعد لنقص المياه في العالم العربي، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أضحى ينبئ بصراعات واضطرابات اجتماعية وسياسية عدّة. ممّا حدا بمجلس سياسات الشرق الأوسط لتحصيص ملف كامل عن هذه المسألة وتَبَيُّنِ أسبابها وعللها بغاية كفّها وإيجاد حلول ناجعة لها. وفي هذا الإطار تتنزّل هذه الورقة البحثيّة لسكوت غرينوود.

الشرق الأوسط هو أحد الأماكن الأكثر جفافا في المعمورة على مدى الآلاف من السنين، إضافة إلى ما تنذر به الأحداث المناخية القصوى الأخيرة من تناقص ملحوظ في مصادر الماء المتاحة في المنطقة نتيجة للتغيرات المناخية الكبيرة. ففي سنة 1992 توقفت العيون الجوفية التي يبلغ عمرها مئات السنين، وكانت تغذي أراضي الأزرق الرطبة في الأردن، عن التدفق بالكامل. وفي السنوات الموالية توقفت عن التدفق أيضا عيون قديمة في أماكن أخرى من الأردن بما في ذلك جرش وكراك. وفي تسعينات القرن الماضي جف نهر الخابور في سوريا تماما بعد أن كان رافدا أساسيا لنهر الفرات. ومن سنة 2006 إلى سنة 2010، اجتاح جفاف مدمر مناطق من الأردن وإسرائيل وسوريا والعراق وتركيا مما أدى إلى نزوح الملايين من السكان وتدمير الماشية والمحاصيل.

في هذا السياق، ظهرت عدة دراسات علمية تدعم الاتجاه العام نحو الجفاف الذي أوحت به تلك الأحداث، وبالاعتماد على عمليات محاكاة مناخية عالمية وإقليمية، تشير عدة دراسات حديثة إلى أن البلدان الواقعة شرق المتوسط وشمال أأفريقيا من المحتمل أن تشهد متوسط درجات حرارة سنوية أعلى ومستويات سنوية أقل من الأمطار، بالإضافة إلى مستويات متزايدة من ندرة المياه خلال القرن الواحد والعشرين. وفي دراسة قامت بها إدارة البحار والأجواء الوطنية اكتشف العلماء وجود اتجاه نحو مناخ أكثر جفافا في حوض المتوسط. وبالاعتماد على ثلاث مجموعات من البيانات حول التساقطات الشهرية من 1900 إلى 2010 استنتجت الدراسة أن مناطق من اليابسة حول البحر الأبيض المتوسط تمر حاليا بنمط من الجفاف المتصاعد، مع اتجاه واضح إلى حالات أكثر جفافا ظهرت في السبعينات.

البلدان الواقعة شرق المتوسط وشمال أفريقيا من المحتمل أن تشهد متوسط درجات حرارة سنوية أعلى

زيادة على ذلك، يصور تقرير حديث عن البنك العالمي حول موضوع ندرة المياه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الخطر المتصاعد لفقدان المياه في العالم العربي، ويصف هذه المنطقة على أنها أقل مناطق العالم مياه، مع تصنيف تسعة من بلدان المنطقة الأربعة عشر على أنها “شديدة الجفاف”. في كل واحدة من هذه البلدان التسعة لا تصل الموارد المائية المتجددة للفرد إلى 500 متر معكب، وهو معدل أقل من مستوى ‘الندرة المطلقة’ الذي يعد أدنى عتبة على سلم توفر المياه.والأهم من ذلك هو أن الاتجاهات نحو القحط المتصاعد سواء الملاحظ حاليا أو المنتظر، حسب الدراسات العلمية الواردة أعلاه، تفيد بأن عدد البلدان العربية الموجودة تحت مستوى الندرة المطلقة سيرتفع في السنوات القادمة.


الأردن أكثر المتضررين


سعيا لتحديد بعض التحديات الممكنة التي يطرحها نقص المياه المتفاقم والتغيرات المناخية المتوقعة أمام الحكومات العربية، سنتطرّق إلى عرض تحليل تمهيدي للسياسات المائية في المملكة الهاشمية الأردنية، التي تعتبر إحدى البلدان الأكثر فقرا مائيا في منطقة الشرق الأوسط، وهي البلد العربي المشرقي الذي يعاني من الإجهاد المائي. الأردن لا يمتلك أية موارد مائية سطحية كبرى، ويتلقى كمية من الأمطار أقل من جيرانه المشرقيين من الجهتين الغربية والشمالية. وفي المتوسط سبعة في المئة فقط من أراضي المملكة تحصل على أكثر من 200 مليمتر من الأمطار في السنة، مقابل 45 بالمئة في سوريا وقرابة 90 بالمئة في لبنان.

ثانيا، يقع الأردن في مكان من الشرق الأوسط، يتوقع أن تحدثفيه بعض أشد التأثيرات والتغيرات المناخية العالمية والإقليمية الأكثر قساوة. فحسب عمليات محاكاة حول هيدرولوجيا المناخ قام بها سوبان وآخرون قد تشهد المناطق الواقعة في حوض نهر الأردن العلوي “ارتفاعات في متوسط درجات الحرارة تصل إلى 4.5 درجة مئوية وانخفاضات في متوسط التساقطات بواقع 25 بالمئة” مع نهاية القرن الواحد والعشرين. إضافة الى ذلك هناك أدلة قوية على أن مناخ حوض المتوسط يزداد جفافا مما يجعل التحديات التي يواجهها الأردن ليست مجرد تحديات افتراضية.

التغير المناخي وتفاقم غياب الأمن المائي يطرحان تهديدات كبيرة في روابط المحسوبية التي بناها القادة العرب على مر الزمن

ثالثا يعتبر الأردن حالة قيمة لتقديم مثال عن إمكانية لعب السياسة الحكومية دورا أكبر من الأحداث الطبيعية في التسبب في نقص المياه.حيث إدارة الطلب على الماء تسير بشكل ضعيف، وخاصة في المناطق الريفية. وتبعا لذلك يبين تحليل للأردن كيف يمكن أن تساهم سياسة الحكومة سواء في تفاقم تأثيرات التغير المناخي أو تحسينه. زيادة على ذلك يحاول الأردن بدرجة أولى إيجاد حل لأزمته المائية عبر البحث عن مصادر تزويد إضافية. وهذه هي الإستراتيجية المتعارف عليها لدى الحكومات العربية.

وبتحليل الحالة الأردنية سنقدم مثالا عن إيجابيات مثل تلك المقاربة وسلبياتها. وأخيرا يعطي الأردن مثالا جيدا لدراسة إمكانية مساهمة سوء إدارة الموارد المائية وتغير المناخ في تقويض أسس الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط.

تحديات كبيرة


إن التغير المناخي وتفاقم غياب الأمن المائي يطرحان تهديدات كبيرة في روابط المحسوبية التي بناها القادة العرب على مر الزمن مع المجموعات الاجتماعية الرئيسية مثل القبائل والفلاحين ومستهلكي الماء في الحاضرة، خاصة في المناطق التي تمتلك بنية تحتية مائية تفتقر إلى الصيانة.

والتحديات التي يطرحها نقص المياه المتزايد والتغير المناخي بالنسبة إلى الأردن وبلدان عربية أخرى هي تحديات كبيرة فعلا، وأهمها إمكانية أن يخلّ كل منهما بالتوازن الدقيق الذي يساعد على الحفاظ على أنظمة سياسية مستقرة في العديد من البلدان العربية.

ستشهد الكثير من الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تنافسا وصراعا بوتيرة متصاعدة

ومن ثم فإن الوصول إلى مصادر مياه نظيفة وكافية ليس فقط ضروريا لبقاء كل مواطن، بل يعتبر جزءا لا غنى عنه للمساومة السياسية مع سكان الأرياف الأردنيين، حيث ساهمت في معاضدة النظام الملكي. وتمثل السياسة المائية عنصرا مهما من المساومات الخاصة بالحكم في كثير من البلدان العربية أيضا، بما في ذلك اليمن والمغرب وسوريا قبل اندلاع حربها الأهلية.

زيادة على ذلك، فإنّ كل الدول في المنطقة بما في ذلك تركيا ستتأثر بعوامل التغير المناخي المنتظرة وستشهد الكثير من الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تنافسا وصراعا بوتيرة متصاعدة بين حاجة المناطق الحضرية والمناطق الريفية، وقد تؤدي هذه الصراعات إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية.

إضافة إلى ذلك هناك إمكانية بأن يتسبب نقص المياه المتصاعد في تفاقم التوترات السياسية الحالية بين المجموعات الإثنية والطائفية في لبنان والعراق. وفي دول أخرى، مثل مصر ، يمكن أن تبرز توترات على أسس اجتماعية-اقتصادية حيث يتمتع المستعملون الأثرياء “أصحاب الحظوة” بأنقى المياه وأرخصها، في حين يجبر الفقراء ومتساكني الأحياء القصديرية في المدن والمناطق الريفية الملوثة على دفع أثمان مشطة لمزودين خواص عن مياه ذات جودة منخفضة.
وأخيرا في حالات معينة مثل الأردنية والسورية، حيث يستطيع القوميون تعبئة الرأي العام ضد بلدان أجنبية (إسرائيل وتركيا) بسبب حصولهم على “أكثر من نصيبهم العادل” من الموارد المائية السطحية الإقليمية، يمكن أن تواجه الحكومات تحديا أكبر في فرض الالتزام بالقيود الجديدة المتعلقة باستعمال المياه، خاصّة وأنّ فرضية إرجاع المواطنين لمثل هذه الإجراءات إلى أياد أجنبية، وارد جدا.

6