الأمهات العصبيات يفاقمن كراهية الطفل للمدرسة

مع بداية كل عام دراسي جديد تستعيد الكثير من العائلات مشهد الأم وهي تصرخ بوجه ابنها أو ابنتها أثناء المذاكرة المدرسية، وهي واحدة من كلاسيكيات الأسر المصرية يكاد لا يخلو بيت منها على اختلاف المستوى الاجتماعي والثقافي للأسرة، فوقت المذاكرة تستوي فيه جميع الأمهات في فقدان أعصابهن.
الخميس 2015/09/17
المكافآت وفترات الراحة الحرة تحفزان الطفل على الدراسة

الغياب شبه الكلي لدور المدارس في السنوات الأخيرة، فرض على الأم نسقا تصاعديا لمراجعة دروس أبنائها في المنزل، في وقت تعاني فيه أغلب الأمهات المصريات من ضغوط الحياة المتفاقمة، سواء العاملات منهن أو ربات المنازل.

وأكدت فؤادة هدية، أستاذ علم نفس الطفل بجامعة عين شمس، لـ”العرب”، أن غضب الأم وصراخها الدائم على طفلها، يشعرانه بعدم الحب، خاصة إذا ما كان ذلك مرتبطا بمستواه الدراسي، حيث أنه سيكره المدرسة وينصرف عن دروسه، ما يفقده القدرة على التواصل، ويدفعه إلى التعلل بمبررات تلهيه عنها، وهو ما يزيد من غضب أمه عليه.

ونصحت الأمهات بالحفاظ على برودة أعصابهن، وتنحية هموم الحياة ومشاكلها وضغوطها اليومية جانبا، لأن طفلها لا ذنب له فيها، وأن تعمل على معاملته بلين ورفق، لافتة إلى أن الطفل ربما كان مريضا أو يعاني من صداع، بسبب ضعف في صره، أو أن مُعلمة تضايقه وتهينه في المدرسة ولا تتواصل معه بشكل جيد، لذا وجب على الأم البحث عن المشكلات التي تجعل طفلها عنيدا ومشاغبا ومنصرفا عن دراسته ولا يحبها. وأشارت إلى أن الأزمة النفسية تتفاقم، إذا كانت علاقة الأم بابنها جيدة وودودة، خاصة أثناء العطلات الصيفية.

وفي سياق متصل، فقد أكدت دراسة أميركية أجريت في معهد بحوث العلوم النفسية في ولاية أتلانتا العام الماضي هذه النتيجة، وأعلنت بشكل قطعي أن هناك علاقة بين الأم العصبية التي تصرخ بشكل دائم وتهدد بصوت مرتفع وغاضب، وشخصية الطفل العنيدة والمشاغبة، الأمر الذي يجعله يرفض الاستكانة لأمه وتنفيذ أوامرها بالتركيز في وقت المذاكرة، موضحة أن غضب الأم أكثر تأثيرا على الطفل من غضب الأب.

يذكر أن الأم العربية، تبدأ معاناتها مع أبنائها منذ السنوات الأولى للتعليم، نظرا لتعقيد المناهج الدراسية ونمطيتها واعتمادها على التلقين، وعدم خضوعها للفكر الحديث كتوصيل المعلومة للطفل باللعب والترفيه، بالإضافة إلى تركيزها على مقارنة أبنائها برفقائه أو أقاربه أو حتى جيرانه، المتفوقين دراسيا، ما يشكل ضغطا نفسيا عليها وعلى ابنها، وإحباطا تظهره في تصرفاتها مع أبنائها، فتكون عصبية.

الأم العربية، تبدأ معاناتها مع أبنائها منذ السنوات الأولى للتعليم، نظرا لتعقيد المناهج الدراسية ونمطيتها

وقالت شيماء بكري أخصائية العلاقات الأسرية، إن الأب المصري والعربي لا يشارك في مذاكرة أبنائه تاركا العبء الأكبر على الزوجة، فهي التي تتواصل مع المدرسة، وتنتهي من مساعدة أبنائها (وأحيانا إجبارهم) على أداء فروضهم المدرسية، بالإضافة إلى أعباء المنزل التقليدية، والمشكلة تكون مضاعفة إذا كانت الأم تعمل، فهي تعاني المزيد من الضغوط.

وأوضحت بكري لـ”العرب”، أن عزوف الأب عن مساعدة زوجته وانشغاله بعالمه الخاص، يشكلان ضغطا نفسيا إضافيا على الأم، قد يجعلها في حالة تحفز دائم ضد أطفالها أثناء المذاكرة، مشيرة إلى أن الأم الصالحة عندما تهدأ من نوبة غضبها تشعر بالحزن، وتبحث عن مبررات تريح بها ضميرها، كأن تقول لنفسها إنها “تفعل ذلك من أجل مستقبلهم، وتريدهم أفضل”.

لكن الأطفال الذين يقعون تحت ضغط الأم، يعانون من غياب الهدف، ويفتقدون مد يد المساعدة لهم وتفشل الأم غالبا بسبب حكمها السريع على أفعالهم السيئة، في توجيههم وتوظيف طاقاتهم بشكل جيد ومفيد لبناء شخصياتهم. وهو ما يبرهن عليه الدكتور فرانك ترايبر من الكلية الطبية بجورجيا، حيث لاحظ أن الطفل العنيف إذا لم توظف طاقته في مكانها الصحيح، وجهها في العراك واللعب بعدوانية مع إخوته وأصدقائه، وفقد الرغبة في التحصيل الدراسي، يصبح لديه حالة من الإحباط والاستسلام لبقائه في حالة العزوف عن المدرسة طويلا.

لكن المشكلة لا تنتهي، ويوما بعد يوم يزداد صراخ الأم ويشتعل غضبها مع تصعيد أبنائها لمراحل دراسية ترتفع فيها تعقيدات المناهج، ولا تنتبه وزارة التربية والتعليم في مصر إلى تلك الإشكالية رغم المحاولات الجادة حول تطوير المناهج.

وأكدت هالة إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع والتربية الخاصة للأطفال بكلية التربية جامعة عين شمس، أن الحل المثالي تحفيز الطفل وابتكار الأم لأفكار تشجيعية، كفكرة الهدايا والمكافآت كلما قام بفعل جيد وأنجز فرضا من فروضه. وأوضحت لـ”العرب” أن الأم يمكن أن تستغل حب طفلها للكمبيوتر، وتجلب له برامج تعليمية محببة تعلمه الحروف والكلمات والأشكال والألوان، وهذا بالنسبة إلى الأطفال في مراحل التعليم الأولى، كما أن المناهج الدراسية للأطفال الكبار أصبحت توجد على أسطوانات مدمجة أيضا تتضمن مادة تعليمية جذابة واختبارات مشوقة للطفل.

وشددت على ضرورة اهتمام الأم بهوايات طفلها، فلا تجعل كل يومه مخصصا للدراسة فقط، بل يتوجب عليها أن تعطيه مساحة من الوقت يقضيها كيفما يشاء، كذلك يجب أن تشجعه بواسطة المكافآت الصغيرة، وكلما أنجز عملا مهما تمنحه مكافأة مفاجئة، لأن ذلك يغير نفسية الطفل للأفضل ويجعله أكثر إقبالا على المذاكرة.

21