الأمواج الخمس والفجر الطالع من فن الشارع اللبناني

فنانو الغرافيتي يزيّنون بيروت بشعارات ورسوم داعمة للثورة وضدّ الطائفية.
الجمعة 2019/11/15
لبنان: الثورة أعادت لفن الغرافيتي مصداقيته

ما الغريب في أن نستكمل اليوم حلما غامضة نهايته ولا يخلو من الخوف، راودنا مرارا، ثم فارقنا حتى كدنا نشتاق إلى إبصاره وإن بعد ليلة واحدة؟

حلم أجده اليوم وقد اكتملت هيئته على أرض الواقع عبر الانتفاضة اللبنانية في الساحات الحافلة بشتى أنواع المحفّزات والتجليات البصرية الملونة بالضوء والمؤطّرة بخطوط رقيقة ترتج عند كل صوت يعلو “ليسقط النظام الطائفي!”.

في إحدى الليالي ومنذ سنوات عديدة أبصرت حلما: كنت ابنة الثمانية أعوام تقريبا أتجوّل مع والدتي في وسط بيروت. أذكر هنا مشهدين: السوق الذي تباع فيه أقمشة ملوّنة بعضها موضوع على أبواب الدكاكين ليتطاير في الهواء.

ومشهد أبصرتني فيه بالقرب من بركة ماء تتحلّق حولها أكواب من العصير الملون (أخبرتني والدتي أنها بركة العنتبلي حيث كانت تباع العصائر). درت في الحلم حول هذه البركة حتى أضعت الوالدة.

أصبت بخوف شديد، سيرا في الشوارع على غير هداية حتى وصلت إلى بناية مهجورة. دخلت إلى المدخل وانزويت أمام جدار عفن تكسوه كتابات غير مفهومة، ثم تساقط المطر.

عاودني هذا الحلم ربما ثلاث مرات، وكنت أستيقظ في لحظة خوف شديد.

اليوم، أجد هذا الحلم اختصارا لمسار ماض يُستكمل الآن في شوارع وسط بيروت، لاسيما من خلال فن الشارع الذي أرى فيه خمس مراحل متتالية تؤرّخ الصراعات اللبنانية منذ 1975 وصولا إلى زمننا الراهن الذي تكتبه الثورة في الساحات.

الموجة الأولى تتجسّد انطلاقا ممّا أبصرته في نهاية الحلم/الكابوس وعرفته جدران بيروت خلال الحرب اللبنانية من خربشات تحوّلت مع تقدّم سنين الحرب إلى شعارات حزبية لجهات متقاتلة في بيروت “الشرقية” و“الغربية”.

جهات تساوت إجراما في حق بعضها البعض قبل أن تنتقل إلى إلقاء اللوم على غير اللبنانيين عبر مقولة “حرب الآخرين على أرضنا”.

صحيح، بأن هذه الكتابات والشعارات الحربية التي خطّ مُعظمها المتقاتلون على الأرض لم تُصنف فنا غرافيتيا حينها، لكنها كانت كذلك بكل ما تعني الكلمة من معنى.

من وسائل التعبير خلال الثورة
من وسائل التعبير خلال الثورة 

لم يكن يوما الغرافيتي المدعوك بآنيته وباحتقان الفرد أو المجتمعات يتطلب دراية فنية وتقنية. وكانت العديد من تلك الكتابات بخطوط رديئة ومليئة بالأخطاء الإملائية لا يرتكبها طالب في المرحلة الابتدائية، لكنها كانت صارخة ومليئة بالحقد وبتخوين الآخر.

ثم جاءت الموجة الثانية من فن شارع مفصوم عن الواقع. اهتم هذا الفن بالجانب التزيّني المتأثر بفنون الغرافيتي الغربية التي اعتمدت تقنيات مهنية معقدة. ووفق هذه “العقلية” الفنية المستوردة، اجتاحت بيروت أعمال غرافيتية صبّت جل اهتمامها على فنية عالية تتناقض مع جوهر الفن الغرافيتي وتحت شعار واه يمكن اختصاره بـ“ارسم ولا تهرب”.

ولعل أهم مثال على هذا النوع ما قدّمه منذ بضعة سنوات “مركز بيروت للفن” تحت عنوان “الجدار الأبيض” بمبادرة من ثلاثة منظمي معارض من الخارج ومؤسسة “سرادار” التي عرفت عن نفسها في كلمة الافتتاح أنها “تمثل مجموعة شركات ذات نشاطات متعدّدة، وموزّعة على نحو خاص على الخدمات المالية، والعقارات والتجارة”.

انطلق الفنانون اللبنانيون والأجانب للرسم على جدران المدينة، ولكن ليس قبل أن يحصلوا على ترخيصات من البلدية والدولة اللبنانية. وبعد انتهاء الحدث الفني ببضعة أشهر بدأت تلك الأعمال الغرافيتية على جدران بيروت تختفي تحت ملصقات إعلانية وكتابات مختلفة، ربما لأنها لم تكن متصلة عضويا بالعاصمة وبما تفرزه من أزمات وأفكار.

ثم جاءت الموجة الثالثة من الغرافيتي اللبناني الذي بدأ فيه التحوّل إلى طروحات منتمية إلى بيروت، ويمكن اعتبار أهمها ما قدّمه المهندس جاد خوري عندما أعاد الحياة لآثار الشظايا والرصاص التي بقيت بعد الحرب اللبنانية واضحة على جدران مبان عديدة بالألوان وبالرسومات المُقتضبة والمتصلة بها تشكيليا. ويمكن اليوم تسمية هذه الظاهرة الفنية بأنها بداية الوعي من خلال تطويع وترويض الذاكرة، تحضيرا، قبل فضحها.

ونذكر أيضا هنا، وإن بعيدا عن فن الغرافيتي واقترابا من فن التجهيز مبنى برج المرَ، إحدى أهم أيقونات الحرب في لبنان وكيف أعاد الفنان لفت النظر إليه بأسلوب شاعري حارق وضع خلاله ستائر ملونة تهتف مع أقل نسمة هواء على شبابيك البرج المُختنق بذكرياته.

تلت هذه الموجة، موجة رابعة من الفن الغرافيتي، وجاءت بشكل خاص وليس الحصر مع الفنان يزن حلواني. رسم على الجدران البيروتية وجوها تعني الكثير لكل اللبنانيين، شكلت استحضارا لأيقونات “الزمن الجميل”. نذكر من تلك الشخصيات فيروز وصباح ووديع الصافي ومحمود درويش وغيرهم. صرّح حلواني في أكثر من مناسبة بهذه الكلمات “ما أحاول أن أقوم به، هو أن أعيد تخليق الذاكرة اللبنانية المجيدة التي سبقت الحرب.. أن أجعل الغرافيتي ينمو مع المدينة وليس ضدها”.

طريقة سلمية/فنية رائعة لم تطح بها الموجة الأخيرة من رسومات الغرافيتي التي اجتاحت جدران الثورة ضد فقدان الذاكرة اللبنانية وضد الطائفية والفساد، بل جاءت مكملة لها بحدة لم تعرفها المدينة من قبل. وهكذا، نشهد اليوم وصول الموجة الخامسة من الغرافيتي التي أعادت لهذا لفن مصداقيته وجعلته طاغيا على جميع الفنون المقدّمة في الصالات الفنية وفي الشارع.

هكذا استيقظت اليوم من الحلم/الكابوس، الذي راودني في العديد من المرات عند تساقط المطر، من سجن الجدران العفنة التي كستها كتابات غير مفهومة وبقوة الشحنة العاطفية التي شرّدتني في شوارع بيروت العتيقة بصحبة والدة اختارت اليوم أن لا تعيش إلاّ في حنينها إلى الأيام الماضية.

17