الأموال الحكومية تستحوذ على وسائل الإعلام في إيران لشراء ولائها

لم تعد الأوساط السياسية في إيران تتقبل تخصيص ميزانية دفاعية كبيرة لتمويل عدد هائل من وسائل الإعلام، وهي الطريقة التي تحكم بها المؤسسة العسكرية قبضتها على الرأي العام من أجل التسويق لسياساتها.
الاثنين 2015/08/17
لا أحد يجرؤ على الشكاية بصحف قوية محسوبة على التيار المحافظ

إسطنبول - يحكم الحرس الثوري الإيراني سيطرته على وسائل الإعلام الإيرانية على اختلاف أنواعها التقليدية والرقمية بالإضافة إلى وكالات الأنباء، ويتم تمويلها من الميزانية الدفاعية، وهو ما يشير إلى أن السلطات الإيرانية تتعامل مع الإعلان كوسيلة عسكرية وآلة حربية، لا مكان فيها للرأي الحر.

اعتبرت الأوساط السياسية الإيرانية أن هذه السيطرة تجاوزت الحدود بتجييرها الميزانية الدفاعية من أجل تمويل الإعلام.

وتتمكن حكومة طهران من جعل سياساتها الرسمية بمثابة معايير لدى الرأي العام في البلاد، بفضل وسائل الإعلام الكبيرة الموجهة وشبكة إخبارية واسعة على الإنترنت والقنوات التلفزيونية، كما أنها تحول شبكتها الإعلامية، التي وسعتها تحت إشراف الحرس الثوري إلى “أداة للدبلوماسية العامة”، من أجل التسويق لسياساتها.

وفي كلمة ألقاها خلال “مؤتمر الصحفيين” في الثامن من أغسطس الجاري، قال المستشار الإعلامي للرئيس الإيراني، حسام الدين أشينا، إن المؤسسات العسكرية تمول معظم الوسائل الإعلامية، وهذه الوسائل غايتها “خنق الإعلام الحقيقي”.

وأشار إلى قلقهم من “فرض رقابة قوية على وسائل الإعلام الضعيفة، بينما تكون الرقابة ضعيفة على وسائل الإعلام القوية”، موضحًا أن أحدًا لا يجرؤ على الشكاية بصحف قوية منها “إطلاعات” و“كيهان” (المحسوبة على التيار المحافظ).

ويرى مراقبون أن وسائل الإعلام الأخرى التي تتمتع بهامش من الحرية وتنتقد بين الحين والآخر أداء الحكومة أو الشؤون الدينية، يتم غض البصر عنها قليلا من قبل السلطات، لمنحها متنفسا يوحي بحرية الصحافة في البلاد، ورغم هذا تتعرض إلى الملاحقة القضائية في الكثير من الأحيان.

وكان الرئيس الإيراني، حسن روحاني، تطرق في نوفمبر من العام الماضي إلى قضية تمويل وسائل الإعلام من ميزانية الدفاع، وانتقد، في مؤتمر حول مكافحة الفساد، سيطرة الحرس الثوري على مفاصل السياسة والاقتصاد والإعلام في البلاد بقوله “إن اجتمع السلاح والصحف ووكالات الأنباء والحكم تحت سقف مؤسسة واحدة، فإن الفساد سيظهر فيها حتى لو كان فيها أبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي”.

وسائل الإعلام المرتبط بالحرس الثوري تسعى لجعل الرأي العام الإيراني يتقبل السياسات الرسمية للدولة

ونشر موقع “ألف”، التابع للنائب المحافظ، أحمد توكلي، تقريرًا في سبتمبر 2013، تساءل فيه “بأي مسوغ يتم تمويل هذا الكم الكبير من وكالات الأنباء ومواقع الإنترنت من الميزانية الدفاعية”. ويستخدم الحرس الثوري الإيراني “سيباه نيوزSepah News”، كموقع رسمي له، إضافة إلى مئات المواقع داخل وخارج البلاد، كما يمول ويدير وكالات أنباء منها وكالة فارس وتسنيم ونسيم وتافانا.

ويقدم الحرس الثوري، عبر مركزه الإعلامي، ووكالات الأنباء المذكورة، الأحداث والتطورات داخل وخارج إيران، من منظوره الإيديولوجي. وينشر دعايته على الإنترنت عبر مواقع إلكترونية عديدة منها بصيرة، سيباه نيوز، نداء الانقلاب، صراط نيوز، فاطر نيوز، مشرق نيوز، ديدبان، كما يسيطر على صحف “كيهان” و“الصبح الصادق” و“جيفان” والمشرق، وهي من أعرق وأبرز الصحف الإيرانية، ويشغل مسؤولو الحرس، العاملون أو المتقاعدون، المناصب الإدارية في معظم الوسائل الإعلامية.

كانت معظم وسائل الإعلام الإيرانية قبل عقد التسعينات، تتبع سياسية إعلامية تم تصميمها تحت سيطرة الدولة، ولم يكن صوت الانتقادات مرتفعا. وفي فترة ولاية الرئيس الإيراني الأسبق “هاشمي رفسنجاني”، 1989 - 1997، بدأت العديد من الصحف والجرائد الإيرانية، ومنها كيهان وسلام وإيران، في توجيه انتقادات شديدة للحكومة.

وفي عهد الرئيس محمد خاتمي، 1997 - 2005، نجحت العشرات من الصحف والمجلات الإصلاحية في الحصول على تراخيص نشر، وأصبح بإمكان مئات الصحفيين عرض وجهات نظر مخالفة لآراء الجناح المحافظ، وتوجيه انتقاداتهم في مسائل متعلقة بالمؤسسات العسكرية والدينية المرتبطة بالمرشد، وبالديمقراطية والحرية في البلاد.

حسام الدين أشينا: المؤسسات العسكرية غايتها خنق الإعلام الحقيقي

وبعد فترة قصيرة، أغلق القضاء، الواقع تحت سيطرة المرشد، معظم تلك الصحف، إلا أن وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، المسؤولة عن منح التراخيص الإعلامية، أعادت منح التراخيص لتلك الصحف الإصلاحية، في عهد خاتمي.

واستمرت موجة “الحرية” التي شهدتها الصحافة في إيران، إلى أن تدخل المرشد خامنئي بنفسه لإيقافها، فخلال إحدى خطب الجمعة في ربيع عام 2000، اتهم خامنئي الصحافة الإصلاحية بكونها “قواعد العدو”، و“بؤر الهجمات الثقافية”، وبمعارضة قيم الثورة. وبعد تلك الخطبة، أغلق مكتب المدعي العام في طهران أكثر من 17 صحيفة ومجلة، واعتقل العاملين بها.

ولم تكن صحافة الجناح المحافظ في إيران، على مستوى يسمح لها بمنافسة صحافة الإصلاحيين، من حيث المحتوى، أو الكمية، أو جذب القراء، أو التنوع. ومن هنا رأى البعض ضرورة أن تتولى مؤسسة قوية كالجيش، إدارة “الحرب الإعلامية” ضد المنافسين.

وفي هذا الإطار أنشأ الجيش الإيراني عام 2002 وكالة فارس الإخبارية، لتنافس وكالة إيرنا الرسمية، ووكالة الطلبة، اللتين كانتا تداران من قبل الإصلاحيين.

ودأبت الوسائل الإعلامية المرتبطة بالحرس الثوري، لسنوات، على اتهام منافسيها بالعمل لصالح القوى العالمية، وبإعاقة التطور السياسي والثقافي والاجتماعي والفني في إيران، وبإثارة الفتنة في البلاد.

كما تنشر بشكل مستمر، مواد تحرض على التدخل الإيراني في دول المنطقة، وتتهم قادة تلك الدول بدعم الإرهاب، والتبعية للغرب.

وتسعى وسائل الإعلام المرتبط بالحرس الثوري، لجعل الرأي العام الإيراني يتقبل السياسات الرسمية للدولة، كما تعمل على توجيه الرأي العام في ما يتعلق بالسياسة الخارجية الإيرانية، في مسائل من قبيل الأزمتين السورية واليمنية.

18