الأموال الساخنة تهرب من أخطار الاقتصاد التركي

تركيا فقدت تدفق الأموال الساخنة إليها وكذلك الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي شهدت انخفاضا سريعا في السنوات الخمس الماضية.
الاثنين 2019/12/16
نجاحات لا وجود لها

يفاخر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وصهره براءت البيرق بارتفاع أسعار الأسهم وتراجع أسعار الفائدة إلى أدنى مستوياتها منذ عامين ونصف العام. ويروجان لصورة وردية لا تعكس حقيقة الأمور بأي حال من الأحوال، في مسعى منهما لتحقيق مكاسب سياسية.

أما في الواقع، فإن التطورات التي تشهدها أسواق المال، تنسف كافة الخطابات السياسية التي تحاول التأكيد على أن البلاد قادرة على تخطي الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها منذ سنوات.

في حقيقة الأمر لا تزال هناك خلفية سوداء وراء هذا المشهد الإيجابي الذي كان سببا في إطلاق النظام الحاكم والمستثمرين صيحات الفرح والسعادة، وهذه الخلفية السوداء تزداد وضوحًا بمرور الأيام.

لا شك أن اهتمام المستثمرين الأجانب، الذي يعتبر مفتاح الخروج من أزمة الأسواق التركية، لا يزال غامضًا وغير واضح المعالم. فرغم تحقيق المستثمرين المحليين أرباحا قياسية العام الماضي نتيجة ارتفاع أسعار الأسهم والسندات، إلا أن مكاسبهم تبقى مضللة دون وجود مستثمرين أجانب.

فطالما لم يأت الأجانب لشراء السندات والأسهم بالأسعار المرتفعة التي بلغتها، فإن هذه الأرباح المسجلة على الورق فقط معرضة للذوبان. ولذلك فإن حتى أكثر اللاعبين الليبراليين في السوق التركية غاضبون من مؤسسات التصنيف الائتماني الأجنبية التي تبقي التصنيف الائتماني لتركيا عند مستويات متدنية للغاية.

وهم يصرون على أن تركيا تستحق زيادة تدريجية في تصنيفها الائتماني لجذب اهتمام المستثمرين الأجانب، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على مدى الأوضاع الصعبة التي يعانون منها كل حسب موقعه.

حتى الآن لا توجد أي إشارة إيجابية من الخارج، خاصة أن وكالة موديز لم تجر أي تحديث لتصنيف تركيا الائتماني حتى نهاية الأسبوع الماضي، وهو ما شكل خيبة أمل كبيرة وصدمة للاعبين المحليين.

إذا أردنا توضيح كيف وصلت الأسواق التركية إلى هذا الوضع، يكفينا فقط عرض بعض الأرقام المثيرة مثل التغيير الكبير لهوية المستثمرين في السندات التركية مقارنة بما كانت عليه قبل عامين.

المكاسب التي حققتها أسواق المال حبر على ورق

ففي سبتمبر 2017 كان المستثمرون الأجانب يملكون 35 مليار دولار أو 21 بالمئة من إجمالي الدين المحلي للخزانة التركية البالغ 162 مليار دولار، لكنها تراجعت إلى 15.7 مليار دولار الأسبوع الماضي، أي اقتربت من حاجز 10 بالمئة فقط، وهي مستويات قياسية متدنية منذ الأزمة المالية الكبيرة عام 2001.

ولا يختلف الأمر بالنسبة للأسهم التركية رغم أن المؤشر الرئيسي بلغ أعلى مستوياته منذ بداية العام الماضي. فقد تراجعت ملكية الأجانب في البورصة التركية إلى 62 بالمئة من نحو 67 بالمئة في بداية عام 2018.

وهناك أسباب مهمة وملموسة تجعل المستثمرين المحليين غير سعداء بما حققوه من أرباح على الورق لأنهم مجبرون من قبل الحكومة على وضع أموالهم في سندات الضمان، وغير قادرين على وضع أرباحهم في جيوبهم.

وبطبيعة الحال، فإن المستثمرين الأجانب الذين كانوا لا يستثمرون في تركيا من قبل حين كانت الأسعار منخفضة، سيكون احتمال شرائهم بهذه الأسعار المرتفعة ضعيفا. وبالتالي من الواضح أن هذا يقضي على فرص حل سلسلة الأزمات الاقتصادية، وأزمات السياسة الخارجية والثقة في الاقتصاد التركي.

فدون إيجاد محفز جديد، سيكون من الصعب إيجاد سبب منطقي لجذب الأجانب إلى استثمار معظم أرباحهم في الأوراق المالية، التي يمتصها اللاعبون المحليون.

إذا نظرنا إلى القضية من منظور أوسع، يمكن أن نسمي الوضع الذي نتحدث عنه بأزمة الأموال الساخنة.

بالتأكيد المستثمر الأجنبي لا يقوم بمبيعات ضخمة من شأنها هز أسواق البلاد، لكن محفظته المالية تواصل الانكماش بشكل منتظم في تركيا، والأهم من ذلك، هو أنه لا تكاد توجد تدفقات مالية جديدة تدخل البلاد، وهو ما يجعل من المستحيل جني الأموال من حيث ديناميات السوق.

هذا الوضع يجعل المكاسب التي حققها المستثمر المحلي عبارة عن ثروة مجمدة على الورق فقط بسبب نقص السيولة والطلب.

ويعني ذلك أن تركيا فقدت تدفق الأموال الساخنة إليها، وكذلك الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي شهدت انخفاضا سريعا في السنوات الخمس الماضية، وتكاد تكون معدومة، باستثناء زيادة رأس مال الشركات الحالية والمشتريات العقارية، في وقت بدأت تظهر فيه وفرة المال في جميع أنحاء العالم.

تلك حقيقة خطيرة في ظل كون تدفق الأموال من الخارج لا يزال يتضمّن أهمية كبيرة من أجل خروج تركيا من أزمتها الاقتصادية وإمكانية نموها.

1