الأمية التكنولوجية

الأحد 2016/01/10

في مصر سبعة ملايين جهاز كمبيوتر بالإضافة إلى مليون أخرى مستعملة، إدمان الإنترنت والفيسبوك والتويتر صار دليلا على أن الشباب مثقف والعائلات مطلعة على الأخبار، أصبحت الشبكة العنكبوتية ساحة لإصدار الأحكام السياسية والرياضية والاجتماعية، بل ووصل الأمر إلى الفتاوى الدينية.

المصيبة أن العالم كله يستخدم الإنترنت لمقالات الرأي والسبق الإخباري، ونحن حوّلناها إلى مستودع شائعات وأكاذيب، نروّج للشائعة ونصدّقها ويجري الغالبية وراءها دون فهم أو إدراك كقطيع.

الأمثلة كثيرة على كلامي، فقد نشرت صحيفة الوطن مؤخرا خبرا على موقعها الإلكتروني يفيد بأنه تم القبض على سيدة بمطار القاهرة، لأنها كانت تحمل كتابا لغسان كنفاني المناضل الفلسطيني الراحل.

وبمجرد ظهور الخبر اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالسخرية والتهكّم من الدولة البوليسية التي ترتعد فرائصها من مجرّد كتاب، وانهالت التلميحات والإيحاءات، كتاب كنفاني يسقط الحكومة، الدولة تخاف من مفكر مات قبل 40 عاما. لم يكلف أحد نفسه قراءة بقية الخبر أو مضمونه.

أخطأت الوطن عندما وضعت عنوانا لا يعكس المتن سعيا وراء الإثارة، والحقيقة أن نفس الخبر الذي نشرته الوطن يقول إن السيدة تم إلقاء القبض عليها لأنها متهمة في قضية شغب تحمل رقم 1686 لسنة 2003، وتم القبض عليها فور وصولها لبحث موقفها القانوني، وهل صدرت ضدها أحكام أم لا؟ وهل سقطت تلك الأحكام أم لا تزال سارية؟ كلها إجراءات عادية وليس لها علاقة من قريب أو بعيد بغسان كنفاني، ومن ثم فليس لكتابه شأن بهذه الحادثة.

مشكلتنا في مصر أن “السوشيال ميديا” أصبحت بقرة مقدسة، ويظل الناس يصدقون كل ما يصدر عنها كأنه كتب سماوية.

ملكة موضة المحجبات التي استغلت شغف الناس بالتواصل الاجتماعي ومشاعرهم التي تسبق دوما عقولهم، استغلت ذلك وقامت بالنصب على كثيرين وجمعت خمسة عشر مليون جنيه هربت بها خارج مصر، أو مريضة السرطان التي تعيش أيامها الأخيرة وتعاطف معها الجميع، قبل أن يتبيّنوا أنها شخصية وهمية اخترعتها فتاة أخرى لتستدر عطف هؤلاء الكثيرين وجمع ما يمكن أن تطاله يداها من تبرعات فرسان ورائدات “السوشيال ميديا” سواء فيسبوك أو تويتر.

أيضا حكاية الممثل فتوح أحمد مدير المسرح القومي الذي كتب شخص مجهول يحمل نفس اسم الممثل على حسابه بالتويتر، أنه مستعد أن يفدي الرئيس السيسي بنفسه يوم القيامة ويدخل النار، مقابل أن ينعم السيسي بالجنة.

شخص أحمق منافق شاءت الظروف أن يحمل اسم فتوح أحمد الممثل الشهير، وعلى الفور اشتعل الفيسبوك والتويتر وكافة وسائل “السوشيال ميديا” بالسخرية من الممثل والتندر عليه، وراحوا ينقبون في حياة الممثل وسوابق زواجه لمواصلة الهجوم ضده بأيّ شكل وبأيّ لون، وعلي الرغم من أن الممثل فتوح أحمد ليس له حساب على تويتر، ولم تكن له علاقة بأيّ شيء، فإنه دفع ثمن حماقة شخص آخر يحمل نفس اسمه أو ربما يكون له اسم مستعار توارى خلفه لينال من الفنان.

والأمثلة كثيرة، فقد أصدرت دار الإفتاء المصرية بمناسبة المولد النبوي الشريف بيانا وضعته على صفحتها على الفيسبوك، قالت فيه إن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام كان باشا لطيف المعشر متسامحا كريما لا يقسو ولا يعنّف أحدا ولا يغضب ولا يسب وما ضرب أحدا بيده قط، كان سهلا في معاملاته متسامحا لا يقسو على أحد ولا يغضب أو يسب.

ترك جمهور “السوشيال ميديا” كل صفات الرسول الكريم وأمسكوا في كلمة “باشا” من الباشوات، رغم أنه لا فضل لعربي على عجمي إلاّ بالتقوى والعمل الصالح.

جمهور غبي لم يدرك أن لفظ باشّا القصد منه أنه كان بشوشا سمح الوجه ضحوكا، وعبثا حاول مسؤول صفحة دار الإفتاء توضيح المعنى لهم، إلاّ أن الجمهور الغبيّ ظل يتندر على رجال الدين والأزهر والإفتاء ويطالبهم بتصحيح ما كتبوا.

الله يخرب بيت الجهل والجهلاء!

24