الأمية والفقر يفاقمان وضع الأرامل المتردي في الأردن

حقوقيون يسعون لتوفير الحماية القانونية للأرامل الأردنيات مع إيجاد برامج رسمية تسهم في التخفيف من وطأة الفقر وتعزيز تعليمهن.
الثلاثاء 2019/06/25
معيلات في مواجهة العوز والجهل

تعيش الأرامل عموما معاناة فقدان الشريك وما يترتب عليه من ارتباك في الحياة الأسرية ومن تغيير طارئ على الأدوار بين أفراد العائلة، وتتفاقم هذه المعاناة بالنسبة للمرأة حيث تواجه تحديات إضافية فتصبح مسؤولة عن الأبناء ومطالبة بتلبية الحاجيات المادية والمعنوية لكل أفراد الأسرة. ويزداد الأمر صعوبة حين تكون الأرملة فاقدة للمؤهلات والخبرات التي تسهل عليها إيجاد مورد للرزق، تضاف إلى ذلك مشكلات متعددة في علاقاتها بالمجتمع حيث تكون عرضة للوصم والتمييز والعنف وانتهاك الحقوق وخاصة إذا كانت أمية.

عمّان - تعبر فاتن، الأرملة الذي توفي زوجها وتركها مع طفلين في بيت أهلها بقولها “العين بصيرة واليد قصيرة”، بل إن ترمل أمها المريضة بعد وفاة الأب حديثا يزيد أوضاعها سوءا.

وتشكو فاتن من عدم وجود مصدر دخل لهما، وما يزيد “الطين بلة” -على حد تعبيرها- الأمية التي تعانيان منها، فلم تسنح لهما الفرصة للالتحاق بمقاعد الدراسة منذ الصغر ومن ثم العمل. وتقول “إن الأمية هي غصة في النفس تزيد من حرقة الفقر وألم الجوع″.

وبحسب إحصائيات العام 2018 تشكل نسبة الأميات الأردنيات نصف مجموع الأرامل في المملكة.

ويعتبر خبراء أن الأرامل في الأردن فعلا “نساء خفيات بمشكلات خفية”، وهو الشعار الذي أطلق على يوم الأرامل العالمي، حيث يعشن حالة من التهميش، كما تهدد الأمية حياتهن في ظل افتقار البعض منهن للثقافة والحماية القانونية، وجهلهن بحقوقهن، وتزيد وطأة الفقر عليهن في ظل مسؤولياتهن وتحمل أعباء أبنائهن وتعليمهم.

الأمية وجهل الأرامل بحقوقهن، يزيدان وطأة الفقر عليهن في ظل مسؤولياتهن وتحمل أعباء أبنائهن وتعليمهم
 

وتواجه الأرامل الأردنيات كما نظيراتهن في غالبية المجتمعات العربية تحديات اجتماعية وعائلية كبيرة خصوصا عندما يجدن أنفسهن معيلات للأبناء دون مؤهلات علمية أو مهنية، ويواجهن صعوبات لتأمين احتياجاتهن اليومية ولحماية حقوقهن وكرامتهن، في الوقت الذي يتعرض البعض منهن إلى انتهاكات بسبب نظرة اجتماعية سلبية تجاههن. وبحسب الجمعية العامة للأمم المتحدة، يقدر عدد الأرامل بنحو 285 مليون امرأة في جميع أنحاء العالم، وتعيش واحدة من كل عشر أرامل في وضع فقر مدقع.

وتقول الرئيسة التنفيذية لجمعية “تضامن”، أسمى خضر، “الأرملة تتحمل مسؤوليات كبيرة، بعد وفاة زوجها، إذ تشير الإحصائيات إلى أن 14 بالمئة من الأسر الأردنية تعولها نساء، والغالبية منهن أرامل”. وأكدت أن بعض الأرامل “لا يمتلكن خبرة في العمل، في ظل التزامات ومسؤوليات اقتصادية صعبة، وبالرغم من تقديم معونة وطنية لهن، إلا أنهن ما زلن بحاجة إلى المزيد من البرامج التي تستهدف تمكينهن ومحو أميتهن، ولاسيما القانونية وخاصة تلك المتعلقة بالإرث، وتقديم الخدمة لهن في حال تعرضهن للعنف، ومساعدتهن في فتح المشاريع الخاصة بهن لتأمين دخلهن”.

وكشفت المحامية خضر في حديث لوكالة الأنباء الأردنية عن حملات وطنية لتعديل القوانين المتعلقة بضمان بقاء الأرملة في بيت الزوجية إلى حين وفاتها أو إلى حين بلوغ أحد الأبناء المرحلة الجامعية. وأضافت أنه في ظل تعديلات القوانين، أصبحت الأرملة تجمع بين راتبها التقاعدي وراتب زوجها، كما يحق توريث راتبها التقاعدي وفقا لتعديلات قانون الضمان الاجتماعي الأخيرة.

واعتبرت المستشارة الأسرية والنفسية منال الصمادي أن الأرامل يعتبرن من فئة ذوات الاحتياجات الخصوصية في المجتمع نظرا لحاجتهن إلى الاهتمام والرعاية، وأوضحت أن فقدان الأرملة لزوجها يؤثر على نفسيتها، ثم تترتب عليه مسؤوليات عديدة تضطرها إلى تحملها وتشكل عبئا إضافيا لها خاصة إذا كانت وحيدة، ولا بد من تهيئتها عبر برامج للنهوض بها ودعمها وتمكينها.

الأرامل يعتبرن من فئة ذوات الاحتياجات الخصوصية
الأرامل يعتبرن من فئة ذوات الاحتياجات الخصوصية

وأضافت أنه في بعض المجتمعات يصبح “الترمل” وصمة، وأحيانا تواجه الأرملة نظرة قاسية، وتهميشا اجتماعيا يجعل البعض منهن يفقدن مركزهن في المجتمع، ما يستدعي توقع زواجها مرة أخرى، كي لا تفقد هذه المكانة.

ودعت الصمادي إلى إيجاد برامج رسمية تسهم في تمكين المرأة الأرملة والتصدي لأي عنف أو انتهاك تتعرض له والتخفيف من وطأة الفقر عليها، وتعزيز تعليمها، وغير ذلك من أشكال الدعم للأرامل من جميع الفئات والأعمار.

وقالت “إنني كعضو في جمعية نساء ضد العنف، نعمل على تقديم برامج للتكيف مع واقعهن والنهوض بهن بطريقة إيجابية، لتحسين أدائهن ووضعهن المادي”، مبينة أهمية تلك البرامج وكذلك مكاتب الإرشاد، بما يسهم في تقديم المساعدة للنساء الأرامل، ولتمكينهن من مواجهة تحديات الحياة ما أمكن.

وتسعى العديد من مؤسسات المجتمع المدني والجهات المعنية من القطاع العام والخاص وكذلك الجمعيات لدعم المرأة الأرملة، ومن بينها جمعية الأمل للتنمية الاجتماعية. وتؤكد رئيسة جمعية الأمل للتنمية الاجتماعية أمل أبوحطب، سعي الجمعية نحو تقديم البرامج المناسبة للأرامل، حيث تتم مساعدة 100 سيدة شهريا، ويتم تقديم الخدمات اللازمة لنحو 5 آلاف امرأة في مختلف المجالات نصفهن من الأرامل.

فقدان الشريك مسألة مدمرة
فقدان الشريك مسألة مدمرة

وتوضح أبوحطب أن الجمعية تقدم للأرامل دورات تدريبية في مجالات الطبخ والخياطة والتجميل، وتستهدف من ذلك بناء قدراتهن، وزيادة تثقيفهن ووعيهن في ما يتعلق بحقوقهن في الميراث والعمل، مبينة أن 240 أسرة أصبحت منتجة بعد حصول السيدات المعيلات لها على الدورات التدريبية، ما يمكّن الأرملة من إيجاد المشاريع الإنتاجية الخاصة بها والتي تؤمن دخلا اقتصاديا جيدا لها ولأبنائها الأيتام.

ومن جانبها تعتبر منظمة الأمم المتحدة أن فقدان الشريك هي مسألة مدمرة، ويتفاقم حجم تلك الخسارة للنساء في ظل كفاحهن الطويل لتأمين الاحتياجات الأساسية وحماية حقوقهن الإنسانية وكرامتهن. فربما حُرمت المرأة من حقها في وراثة قطعة أرض تعتمد عليها في كسب رزقها، وربما طُردت من منزلها، وربما أُجبرت على زواج لا تريده أو مكابدة الترمل.

وتوصم الأرامل بالتالي بصفات غير لائقة على مدى الحياة، وغالبا ما يتعرضن لممارسات النبذ، وغالبا ما تمر انتهاكات لهن مرور الكرام حتى تغدو مألوفة في المجتمع. وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، دعا في رسالته بمناسبة اليوم العالمي للأرامل مؤخرا، إلى التفكير في ما يمكن أن تواجهه الأرامل من مشاق اقتصادية ومخاطر متزايدة.

وبين أنه في غياب الحماية الاجتماعية والقانونية، لا يكون دخل الأرملة ومدخراتها على مدى العمر كافيَا، مثل غالبيتهن، لإبعاد شبح الفقر، مبينا أن الكثير من البلدان التي تتوفر فيها تغطية جيدة للمعاشات التقاعدية، تكون احتمالات معاناة المرأة من الفقر في شيخوختها أكبر بكثير من معاناة الرجل.

وأوضح أنه في الكثير من البلدان، لا تتمتع الأرملة بحقوق في الإرث، أي أنها قد تُسلَب أرضها وممتلكاتها، بل قد تُحرم من حقوقها ومن أطفالها الأيتام، مطالبا بالتصدي لما تواجهه الأرملة في بعض المجتمعات من تهميش وسوء معاملة وعنف ووصم اجتماعي.

21