الأميركية كيلي أولفر نسوية ما بعد حداثية خرجت من عباءة فرانز فانون

الثلاثاء 2014/07/01
أولفر ترفض وجود موقع ثابت وتعتبر الموقع التاريخي والاجتماعي دائم التحرك

تعتبر الباحثة والدارسة الأميركية كيلي أولفر التي تشغل حاليا منصب أستاذة كرسي الفلسفة بجامعة فاندربيلت الأميركية من أبرز الناقدات والدارسات في الفضاء الأكاديمي الأميركي. تتركز اهتمامات الدارسة والمفكرة أولفر على تحليل ونقد الخطابات الثقافية والفكرية والسياسية ذات الصلة بالمرأة، والاضطهاد، والذاتية وذلك باستخدام منظورات التحليل النفسي والفلسفة التفكيكية. من بين مؤلفاتها نذكر “تكنولوجيات الحياة والموت” و”النساء كأسلحة حرب: العراق والجنس ووسائل الإعلام” و”الذاتية بدون ذوات” و”نسونة نيتشه: علاقة الفلسفة بالأنوثة”.

تظهر ملامح عناصر النظرية التي تعمل كيلي أولفر على بنائها في كتابها البارز “استعمار الفضاء النفسي: نظرية اجتماعية تحليلية نفسية للاضطهاد” الذي نبعت تفاصيله الأساسية من نظريات المفكر الشهير فرانز فانون التي تستعملها كمنطلقات وهي تسعى إلى بناء نظريتها التي تعتبرها ذات فرادة وأنها مختلفة عن النظريات الأخرى التي درست ظاهرة الاغتراب والاضطهاد في مشهد الفكر المعاصر.


نظرية الاضطهاد


إن النظرية التي تحاول أولفر أن تبلور معمارها في كتابها المذكور آنفا تدعى بـ”النظرية الاجتماعية التحليلية النفسية للاضطهاد”. لكي تبرر مرافعتها المتعلقة بجدَة نظريتها فإنها توضح منذ البداية أنها ستلجأ إلى التحليل النفسي لكي تشيَد بنيانها المعماري. لا بد من الإشارة هنا إلى أن أولفر لا توظف أفكار فانون بطريقتها المتميزة وإنما تدرس بالنقد والتحليل أفكار عدد معتبر من الفلاسفة والمحللين النفسانيين.

فالدارسة كيلي أولفر لا تكتفي بمنظور التحليل النفسي لإنجاز مشروع نظريتها بل إنها توظف الجهاز الفلسفي ما بعد الحداثي في طبعته النقدية، والمنظور النسوي النقدي، ومكاسب نظريات ما بعد البنيوية، وكذلك تفكيكية جاك دريدا وهلم جرا.

أولفر تريد أن تنأى بنفسها عن مزاعم مدرسة جماعة التحليل النفسي التي تعتقد بضرورة تقوية الأنا

بسرعة تقدم أولفر حجَتها التي تبرَر بها مسعاها النظري قائلة: “إن الكثير من المنظرين الذين يقاربون النظرية الاجتماعية ويستخدمون الإطار التحليلي النفسي فهم يفعلون هذا عن طريق تطبيق المفاهيم التحليلية النفسية على الظواهر الاجتماعية.
إنهم ينقلون مفاهيم مثل السوداوية، أو الرغبة، أو الدنيء، من الوضع الفردي لتشخيص أوضاع اجتماعية معينة، والإنتاج الثقافي، أو التشكلات النفسية لجماعة معينة من الناس”.

وبهذا الخصوص تضيف مبرزة أنه “رغم أن مثل هذه المفاهيم قد طورت نقديا، فإنها نادرا ما تم تحويلها إلى مفاهيم اجتماعية، وبدلا من ذلك فإما أن المنظرين يطبقون المفاهيم التحليلية النفسية على الاجتماعي، أو أنهم يجمعون النظرية التحليلية النفسية مع بعض النظرية الاجتماعية المحددة، مثل نظرية ماركس أو نظرية ميشال فوكو، وبهذه الطريقة يكون التحليل النفسي مهملا جرّاء عدم قدرته على التحرك من المستوى الفردي إلى الاجتماعي، أو تبقى مفاهيمه كما هي (ولذلك فهي محدودة) حتى بعد تطبيقاتها الاجتماعية”.


الاغتراب والسوداوية


بعد تعيين كيلي أولفر للنقائص، بل لبعض الإخفاقات التي سادت ولا تزال تسود المشهد النظري المتعلق بدراسة الاضطهاد كظاهرة فردية، فإنها تندفع بقوة لتقدم لنا البدائل التي بموجبها يمكن حسب رأيها بناء نظرية اجتماعية متطورة لتحليل ظاهرة الاضطهاد من جهة وإيجاد السبل لقهر وتجفيف المصادر التي تأتي منها من جهة أخرى. في هذا الصدد تقول أولفر: “إن مشروعي هنا ليس هو تطبيق التحليل النفسي على الاضطهاد بل بالأحرى تحويل المفاهيم التحليلية النفسية -الاغتراب، السوداوية، العار، التصعيد، المثلية، العفو والعاطفة كتمثيلات للدافع الجنسي- إلى مفاهيم اجتماعية وذلك بواسطة تطوير النظرية التحليلية النفسية المرتكزة على فكرة الفرد أو النفس، اللذين هما اجتماعيان بالكامل. إذا كانت النفس لا توجد بمعزل عن العلاقات الاجتماعية والتأثيرات الثقافية، فإن النظرية التحليلية النفسية الاجتماعية هي ضرورية ليس فقط لتشخيص الظواهر الاجتمــــاعية وإنما لشرح تكوَن الذات الفردية.

إننا لا نستطيع أن نشرح تطور الفردية، أو الذاتية بمعزل عن سياقهما الاجتماعي”. على ضوء ما تقدم تبرز أمامنا الحاجة إلى ” نظرية تعمل بداخل الفضاء الذي يجسَر النفس والاجتماعي” كما تدعو أولفر.

التغلب على الإكراهات

هنا نفهم أن كيلي أولفر تريد أن تنأى بنفسها عن مزاعم مدرسة جماعة التحليل النفسي التي تعتقد بضرورة تقوية الأنا للتغلب على الإكراهات التي تواجهها، أو تلك التي تؤمن بالوظيفة المستقلة لـ”الأنا”، أو بوجود منطقة خالية من الصراع في الأنا. وبعكس ذلك فإن أولفر ترى أن النفس هي منتوج اجتماعي وأن الصراعات الاجتماعية تؤثر فيها وتلعب دورا محوريا في تشكيلها. وفقا لهذا فإنها تستنتج بما معناه أن المعنى الذي تعطيه الذات لنفسها لا ينبع من داخلها بل هو مشروط بالموقع الاجتماعي الذي يشغله الفرد أو يزجّ فيه الكائن الإنساني.

في هذا السياق تذكرنا كيلي أولفر بالاختلاف الذي ينبغي أن نعترف به والموجود ” بين الذات وموقع الذات والذي يماثل الاختلاف بين الإحساس بالذات كذات لها فاعلية وبين إحساس الذات بنفسها ضمن موقــــع تاريخي واجتماعي في داخل ثقافتها”.

في هذا السياق نجد أولفر ترفض رفضا قاطعا وجود موقع ثابت دائما بل فإنها تعتبر الموقع التاريخي والاجتماعي متحركا دائما. وبناء على هذا فإن الذات باعتبارها أثرا أو منتوجا للاجتماعي وللتاريخي ليس لها هوية ثابتة بل فإن هويتها متحركة ومتغيرة مثل التغير الذي يلحق المواقع الاجتماعية والتاريخية التي تتحرك فيها وتحركها أيضا.

14