الأميركيون لا يعرفون كل شيء

الثلاثاء 2014/07/01

في أحاديثهم هذه الأيام يعيد السعوديون والخليجيون ويزيدون في تلك الأساطير التي نسجوها عن القدرة الأميركية، المخابراتية والسياسية، إبان معركتهم في حرب تحرير الكويت، وحربهم ضد العراق وإسقاط صدام حسين عام 2003. وبعد فشلهم في أفغانستان وفشلهم في العراق، ثم فشلهم الأخير في تقييم الأوضاع في أوكرانيا، يبدو أن هذه الأساطير عن «السوبرمان» الأميركي تتهاوى في أذهان الخليجيين وغير الخليجيين.

الخليجيون الآن يميلون إلى أن سيطرة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على محافظتين كبيرتين، هما محافظتي نينوى وصلاح الدين في العراق، فاجأت الأميركيين كما فاجأت أقل الدول اهتماما بأمر العراق والمنطقة. ومن المستبعد لدى الخليجيين أن يكون فيما حدث في العراق خيط مؤامرة ينتظم فيه داعش والأميركيون والإيرانيون، لأن الطرفين الأخيرين، في ظل غزلهما الحار الأخير، لا يمكن أن يأمنا جانب دولة (سنية) تضرب أطنابها من حلب إلى ديالا، كما قال بيانها يوم الأحد الماضي الذي أعلن قيام الخلافة الإسلامية وتنصيب الخليفة “أبو بكر البغدادي”.

ونتيجة ذلك أن نظرية المؤامرة الداعشية- الأميركية- الإيرانية تسقط بقدر كبير لأكثر من سبب. السبب الأول أن المصلحة أو المنفعة الأميركية الإيرانية المتبادلة في العراق والمنطقة كانت تسير على ما يرام وتتحقق بوجه أفضل قبل الأحداث الأخيرة، وهي مرشحة للتحقق مستقبلا على نفس الوتيرة دون (داعش). والسبب الثاني أن الأميركيين، بقيادة الرئيس أوباما، يفضلون بقوة في هذه المرحلة تجنب خوض حرب جديدة ضد الإرهاب، كتلك التي خاضوها لسنوات طويلة ضد القاعدة بقيادة أسامة بن لادن.

من الجانب الإيراني يعرف الإيرانيون تماما، أن المسألة هذه المرة ليست مسألة مخابئ وجيوب يوفرونها لبعض عناصر القاعدة ويستخدمونها عند الحاجة. إيران، حليف أميركا الملتبس في المنطقة في السنتين الأخيرتين، تدرك أن وجود خليفة سني ودولة إسلامية سنية عنيفة على مرمى حجر من حدودها، يجعلانها هدفا لنيران هذه الجماعة المستشرية، فضلا عن وجود احتمالات كبيرة لتقصير يدها في إدارة الشأن الشيعي في العراق، الأمر الذي لن تقبله طهران حتما.

ولذلك فإن إيران، فور تفجر أزمة (داعش) في الموصل، تخلت عن نفاقها السياسي وأعلنت مساندتها الكاملة غير المشروطة للمالكي. بل وأبدت استعدادها للتدخل السافر المسلح في العراق متى طلب المالكي ذلك. وفي رأي بعض السياسيين العراقيين أن إيران، اللاعب الإقليمي الأكبر في الساحة العراقية المفتوحة، لا تحتاج إلى طلب عراقي للتدخل، لأن نفوذها السياسي حاصل على الأرض من خلال وكيلها المالكي، وحاصل عسكريا عبر مجموعة وكلاء كمليشيات عصائب أهل الحق وغيرها من الميليشيات الشيعية.

وإذا كان هذا هو الحال أميركيا وإيرانيا فما هو الحال مع إسرائيل؟ دولة (داعش) ليست، أيضا، في صالح إسرائيل التي تعدها أميركا من الحلقات الوثيقة في سلسلة أمنها القومي، إذ أن وجود أنظمة ودول مستقرة يمكن (التفاهم) معها وإدارة بعض مواقفها في النزاع العربي- الإسرائيلي أسهل من إدارة هذا النزاع مع جماعة يقودها خليفة، لا يعرف لغة غير لغة التشدد والسلاح وإثارة الرعب من خلال تكويم الموتى وسحق الأسرى وتقطيع الأصابع وحفر القبور الجماعية.

إسرائيل مثل غيرها من الدول، بل أسوأ من غيرها، ستكون هدفا للفوضى التي ستنشأ في المنطقة حين تتنازع الإمارات الإسلامية المتخيل قيامها في ظل صراعات دولة الخلافة (الجديدة)، والتي سيكون أول قميص تحمله، وتزايد عليه شعبيا، قميص تحرير فلسطين والمسجد الأقصى من يد المحتلين الصهاينة. وإذا كانت هناك، كما يقول المهووسون بنظرية المؤامرة، يد إسرائيلية في خلق لعبة النار التي تسمى (داعش) فإنه لا العقل اليهودي ولا أي عقل، يمكن أن يتنبأ بما ستؤول إليه إسرائيل حين تتحول إلى ورقة في مهب ريح الفوضى الجهادية التي ستعصف بالمنطقة.

في ذات السياق، أي سياق محدودية المعرفة الأميركية وفشل الأميركيين في إدارة صراعات العراق والمنطقة، يمكن الحديث عن إقليم كردستان، الذي تستخدمه أميركا كورقة ضغط على الداخل الجيوسياسي العراقي، والذي ناقش برلمانه في مارس الماضي تأسيس الدولة الكردية المستقلة كمطمح تاريخي للأكراد. هذا الإقليم ليس بمنحى عن دولة (الخلافة الإسلامية الجديدة) رغم الفرحة غير الخافية للأكراد وانتشائهم سياسيا وعسكريا بسيطرة قوات البشمركة على عديد المناطق لصد داعش ومواجهتها، بل إن ذلك الفرح، حسب محللين عراقيين، سينقلب إلى وجع عراقي كردي جديد حين يفتح المجال للعديد من الخلافات والصراعات حول الحدود بين الأقاليم العراقية في المدى المنظور، خاصة فيما يتعلق بمدينة كركوك وإشكاليات تطبيق المادة (140) من الدستور العراقي.

الدول الخليجية، الحليف الطبيعي والتاريخي لأميركا بالمنطقة، أصابها بدورها الذهول من رخاوة الداخل العراقي، فقد كانت هذه الدول، فيما يبدو، تتصور وجود حالة من الضعف والانقسام تسبب فيه التعسف الطائفي لحكومة المالكي وإدارة المكونات العراقية على الهوية، إلا أنها لم تتصور أن تنتهي الحكومة المركزية في بغداد والضمانات الأميركية التي تدعمها إلى هذه النتيجة، حين ابتلعت الجماعات المتطرفة محافظتي نينوى وصلاح الدين وهددت بغداد ذاتها، وأذاعت تهديدها لعدد من الدول التي تقع على خارطة الخلافة الإسلامية المزعومة.

هذه النتيجة، تمثل لأول مرة تهديداً صريحاً ومباشرا لدول الخليج. وتجدد المخاطر على هذا الدول مع وجود شبكات لتجنيد الشباب من المنطقة للقتال في صفوف داعش وجبهة النصرة في سوريا تحديداً. وهو ما دعا العاهل السعودي، الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ليؤكد في كلمته الأخيرة بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، دون مواربة أو تردد، أنه قد آن الأوان لأن تتضافر كل الجهود العربية والإسلامية والدولية لمكافحة ظاهرة الإرهاب، والتمييز بين دعاة فكر الضلال ودعاة فكر الحق والإصلاح الذي يكرس الوسطية وينبذ ما عداها.

وأظن أن المعوّل عليه خليجيا في مكافحة إرهاب الجماعات المتطرفة في العراق وسوريا هو جهود عربية بالدرجة الأولى، وإسلامية بالدرجة الثانية. أي استبدال الظهر الأميركي والغربي بشكل عام في محاربة هذا الإرهاب بظهر عربي وإسلامي، بعد أن أثبتت الأحداث أن الأميركيين، لقلة معرفتهم وخطأ حساباتهم، نفذوا عام 2003 مغامرة فاشلة في العراق ووضعوا المنطقة على فوهة بركان الإرهاب الذي، إن لم يتم سحقه، فإنه سيحرق الجميع وستصيب شظاياه كل دول العالم.

لقد خيب الأميركيون ظن جميع دول المنطقة وليس العراق وحده. والآن، كما كتبت صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” الأميركية، بعد تدهور الوضع الأمني على يد الجماعات المتطرفة في العراق، يتساءل الأميركيون عمن يجب أن يُلقى عليه اللوم؟ هل هو قرار إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش بغزو العراق، أم قرار إدارة الرئيس باراك أوباما بسحب القوات الأميركية منذ عامين؟ لعبة إلقاء اللوم هذه لن تغطي على الفشل الأميركي الواضح والجهل الفاضح في المنطقة وشعوبها. ولذلك ربما يجد الأميركيون أن من الأفضل لو تركوا اللوم وبدأوا، بدل تضييع وقتهم في البحث عن (المَلُومين)، في الاعتراف بأنهم أقل معرفة بالمنطقة وشعوبها ودهاليزها، وأنهم ارتكبوا عام 2003 خطأ استراتيجيا دوليا كانت له تداعياته السيئة التي نعيش ذروتها الآن. وقتها ربما يدركون المخاطر، لاسيما مخاطر الإرهاب، التي تحيق بهم وبحلفائهم ويستطيعون، قبل فوات الأوان، ترقيع هذا الخطأ الاستراتيجي الكبير.


كاتب سعودي

8