الأميركي أليكساندر إيبن يروي تجربته في "برهان الجنة"

الأحد 2014/07/13
أليكساندر إيبن واوبرا وينفري خلال لقاء تلفزيوني حول كتابه العجيب

حين كف دماغه عن إرسال أي إشارة إلى نشاط ما، عاش الطبيب الأميركي والاختصاصي في جراحة الأعصاب، إيبِن أليكساندر الذي لم يكن يؤمن حتى بفرضية وجود حياة أخرى، “ملحمة أنوار منسجمة بشكل مثالي” كما يفسر ذلك. لقد رأى النور، وأكثر من ذلك، فالطبيب يؤكد أنه رأى عالم ما وراء المادة والحياة والموت.. إنها قصة واقعية عجيبة لعالم عجائبي يتحدث عنها إيبن أليكساندر في كتابه “برهان الجنة” المترجم مؤخرا إلى الفرنسية.

حين كف دماغه عن إرسال أي إشارة إلى نشاط ما، عاش الطبيب الأميركي والاختصاصي في جراحة الأعصاب، إيبِن أليكساندر الذي لم يكن يؤمن حتى بفرضية وجود حياة أخرى، “ملحمة أنوار منسجمة بشكل مثالي” كما يفسر ذلك. لقد رأى النور، وأكثر من ذلك، فالطبيب يؤكد أنه رأى عالم ما وراء المادة والحياة والموت.. إنها قصة واقعية عجيبة لعالم عجائبي يتحدث عنها إيبن أليكساندر في كتابه “برهان الجنة” المترجم مؤخرا إلى الفرنسية.

بالنسبة إلى المجتمعات ذات المرجعيات الدينية التي تستند إلى الكتب السماوية وحتى المجتمعات التي تدين بديانات غير سماوية، فمسألة حياة أخرى تعتبر من المسلمات. إنها قناعة تنهل من الإيمان بالغيب. لكن بالنسبة إلى المجتمعات الأخرى ذات التفكير المادي، فهي تنكر مكانة الوازع الديني لتفسير الظواهر، وما من يقين تؤمن به إلا من خلال ما هو تجريبي مادي محض بعد الانطلاق من فرضية الشك. فماذا لو أقر عالم من علماء هذه المجتمعات المادية بوجود حياة أخرى بعد الموت؟


عوالم ما ورائية


يروي إيبِن أليكساندر في كتابه “برهان الجنة” (“Proof of heaven“) تجربته في الحياة بعد الموت حين كان في الغيبوبة. لقد رأى النور، وأكثر من ذلك.. إنها قصة عجيبة لطبيب أميركي كبير، اختصاصي في جراحة الأعصاب، إيبِن أليكساندر، الذي كان يعتبر حكايات الحياة بعد الموت التي يحكيها أشخاص بعد غيبوبة لمدة متباينة الأمد، مجرد تخاريف وترهات. لكن عالمه سينقلب في أحد أيام نوفمبر 2008، كما يفسر ذلك في كتابه “برهان الجنة”، وأيضا في مقال نشر بأسبوعية “نيوزويك” الأميركية.

حين استيقظ كعادته على الساعة الرابعة والنصف صباحا كي يستعد للذهاب إلى عمله. إيبِن أليكساندر، الذي قضى خمس عشرة سنة كأستاذ علم الأعصاب بجامعة هارفارد اللامعة وأيضا بجامعة فيرجينيا، أحس فجأة بألم شديد في أسفل الظهر، وما هي إلا خمس عشرة دقيقة بعدها حتى عم الألم سائر جسده وصار عاجزا عن الحركة. هرعت زوجته لنجدته فاتصلت على الفور بالإسعاف في حين تمَلك التشنج جسد زوجها وأغمي عليه. وهنا، النفق الأسود..

يتذكر إيبن أليكساندر أيضا أنه سمع 'صوتا يتعالى كأنه لحن سماوي يصدر من الأعالي' جعل السعادة تغمره، وأنه بعدها كانت ترافقه في مغامرته امرأة

وقع الطبيب إيبن أليكساندر ضحية نوع نادر من التهاب السحايا الحاد، ودخل بالفعل في غيبوبة. بعد أسبوع على تلك الحالة، يستيقظ طبيب الأعصاب ذو 58 سنة بالمستشفى. لم يطرأ أي تغيير على زوجته وأطفاله، بالمقابل، لم يعد هو نفس الرجل الذي كان من قبل.

حين كان دماغه لا يصدر أي إشارة لنشاط ما، عاش إيبن الذي لم يكن يؤمن حتى بفرضية وجود حياة أخرى، “ملحمة أنوار منسجمة بشكل مثالي” كما يفسر ذلك. وراح يصف ما رآه من عالم يشبه تمثلات الجنة التي تروج ببعض الكتب والأفلام. وقال جراح الأعصاب “في بداية رحلتي، وجدت نفسي بمكان مليء بسحب كبيرة وردية وبيضاء (…) أعلى من السحب على مدى بعيد، كانت هناك كائنات نورانية تتنقل على شكل قوس دائرة تاركة وراءها أثرا ممتدا في السماء. عصافير؟ ملائكة؟ (…) ما من أسماء من تلك ستكون عادلة في حق تلك الكائنات التي كانت تختلف عن كل ما أمكنني رؤيته على الأرض. إنها جد متطورة. كائنات راقية”.

يتذكر إيبِن أليكساندر أيضا أنه سمع “صوتا يتعالى كأنه لحن سماوي يصدر من الأعالي” جعل السعادة تغمره، وأنه بعدها كانت ترافقه في مغامرته امرأة. “لقد كانت شابة، إني أتذكرها بأدق التفاصيل. لقد كانت وجنتاها عاليتين، عيناها زرقاوين بشكل لا يصدق وضفائر كستنائية تؤطر وجهها الجميل”. هكذا كان يشرح قبل أن يضيف أنهما كانا يتنقلان كلاهما على أجنحة فراشة. إذ قال “في الواقع، كانت تحيط بنا الملايين من الفراشات (…). كأني بها بحيرة من حياة وألوان تتنقل في الأجواء”.

“الجنة موجودة فعلا”


الجنة موجودة


هل هذا درب هذيان؟ أم حقنة مورفين زائدة؟ كان إيبِن أليكساندر يدرك جيدا أن الكثير من الناس ما كانوا ليصدقوه. لكنه يؤكد أن كل ذلك كان واقعا ولم يكن الأمر مجرد “تخيل عابر وغير منطقي”. يصعب مع ذلك، الفصل بين الصحيح والخطأ. هل يمكننا التحقق من ذلك يوما ما؟ جرّاح الأعصاب عازم كل العزم على ذلك، بما أنه صرح برغبته في قضاء ما تبقى من حياته “في البحث والتحقق من الطبيعة الحقيقية للشعور، وأن يثبت لأمثاله من العلماء وكذلك لباقي العالم أننا أكبر بكثير من أدمغتنا المجردة”. تبقى الإشارة إلى أن حكاية هذا الطبيب الجراح الذي لم يكن يوما يؤمن بفرضية حياةٍ بعد الموت قبل أن يصبح هو نفسه شاهدا على ذلك، قد أثارت اهتمام أسبوعية نيوزويك التي جعلت منها صفحتها الأولى: “الجنة موجودة فعلا”.

لقد أثار صدور الخبر في مقال وبعده الكتاب الذي يروي القصة كاملة، فضول العديد من القراء على اختلاف مذاهبهم وقناعاتهم. الكل كان متعطشا للاطلاع على ذلك الدليل. تعددت التحاليل كما تعددت الردود على المواقع الاجتماعية. وسط تلك الجلبة لم ينكر أحد مصداقية المؤلف، لكن مستوى الاقتناع اختلف من قارئ إلى آخر بينما لم يقرّ أحد بأن الكتاب جعله يزيل الشك باليقين.

في المجمل، اعترف الجميع بأن العلم في استمرارية تقدمه لم يكف عن اكتشافاته لحقائق جديدة لكنه مازال عاجزا عن تفسير عدة حقائق.

باعتباره طبيبا مختصا في جراحة الأعصاب، فمن المفترض أن الكاتب يعلم أكثر من عامة الناس كيف يعمل الدماغ البشري رغم أن هذا الأخير لا زال يحتفظ بالعديد من الخبايا والأسرار. ينبني الكتاب إذن، على تجربة شخصية بالإضافة إلى تجربة مهنية للطبيب نفسه وكذا لأطباء وعلماء آخرين. من مكامن قوة الكتاب أننا لسنا بصدد مؤلف لا يرتكز على أي شيء ملموس مع أنه في متناول القارئ العادي.


كتاب منطقي


لأن المؤلِّف أستاذ باحث، له رصيد معرفي وعلمي مهم، ولأنه كان من المشككين في الحكايات التي رواها بعض المرضى عن حياة أخرى وقد كانوا في عداد الأموات، فقد أُعجِب القراء بالكتاب قبل قراءته، فأقبلوا عليه بثقة كبيرة ووجدوا أسلوبه سليما وممتعا. كل شيء واضح، حتى التفاصيل ذات الطابع الطبي. لا نتيه ولا نسأم والنص يُقرأ مجمله بنفَسٍ واحد. نقرأ في إحدى التعليقات التي نُشرت بهذا الصدد: “كأننا نشاهد أحد المسلسلات التلفزية كسلسلة الدكتور هاوس”.

يتوقع القارئ في بعض اللحظات أن قناعات دينية ستطغى على التحليل العلمي، لكن الكاتب عرف كيف يستعمل التحليل المنطقي المقنِع كلما دعت الضرورة إلى ذلك

يتوقع القارئ في بعض اللحظات أن قناعات دينية ستطغى على التحليل العلمي، لكن الكاتب عرف كيف يستعمل التحليل المنطقي المقنِع كلما دعت الضرورة إلى ذلك. إنه يصرح بنفسه أن تكوينه العلمي تعدى رغبته في الإيمان بأي شيء آخر. فالكاتب إذن، ليس من المولعين بوجود الله.

بالمقابل، سيجد القارئ عناء في تقبّل تلك التحاليل والبراهين، ليس لأن التعابير ليست واضحة، ولكن لأنها تستعمل كلمات قد تغدو في بساطتها أقل تعبيرا عن غرابة التجربة. لربما كانت الكلمات التي نتداولها في لغاتنا تحمل داخلها عوائق للتواصل والتعبير عن عوالم تفوق العالم المادي.

12