الأمير الهدام "بابا" الأدب الالماني يرحل

الأربعاء 2013/09/25
"بابا" الأدب الألماني يودع عالم النقد

في الثامن عشر من شهر سبتمبر-أيلول 2013، رحل النّاقد الكبير مارسيل رايخ – نيتسكي عن سنّ ناهزت 93 عاما، ونيتسكي لُقّب بـ"بابّا" الأدب الألماني بسبب النفوذ الهائل الذي اكتسبه في مجال النقد الأدبي، وأيضا بسبب سلاطة لسانه، وبراعته في "تمزيق" من لا يحبّ من الكتّاب، وما ينفره من الكتب.

وقد ظلّ رايخ نيتسكي متربّعا على عرش النقد الألماني على مدى ما يقارب الستيّن عاما. وكان يخشاه الجميع، الكبار كما الصّغار من الكتّاب "ولم يكن هو يرحم أحدا. حتى غونتر غراس لم يسلم من قسوته. وعندما أصدر صاحب رائعة "طبل الصّفيح" عام 1993، رواية ينتقد فيها بحدّة الوحدة الألمانيّة التي تمّت بعد انهيار جدار برلين، نصحه رايخ نيتسكي بـ"الكفّ عن الكتابة" لأنه دخل مرحلة الخرف".

وأما الكاتب مارتين فالسير الذي يعتبر من أعمدة الأدب الألماني بعد الحرب الكونيّة الثانية فقد شنّ عليه هجوما عنيفا في كتاب حمل عنوان "موت ناقد". وقد فعل ذلك ردّا على سخرية رايخ نيتسكي من بعض رواياته.

وفي عام 1993، خصّصت له الأسبوعيّة "دير شبيغل" واسعة الانتشار ملفّا خاّصا بخمس عشرة صفحة. وقدمته على غلافها على هيئة كلب شرس بصدد تمزيق كتاب، واصفة إيّاه بـ"الهدّام" و"المدمّر" و"المقطّع" وأيضا "أمير الآداب الألمانيّة". ولد مارسيل رايخ نيتسكي في فرسوفيا عام 1920 من أب بولونيّ، يهودي، وأمّ ألمانيّة. وتحت تأثير هذه الأخيرة عشق اللّغة الألمانيّة مبكّرا.

لكن عند صعود النازييّن إلى السلطة اضطرّ إلى العودة إلى فرسوفيا ليمضي بعض الوقت في أحد المعسكرات. غير أنه تمكّن من الفرار منه بصحبة شابّة أحبّها، وبها سيتزوّج في ما بعد ولن يفصلها عنه غير موتها وذلك عام 2011. وبعد الحرب الكونيّة الثانية، انضمّ إلى الحزب الشيوعي البولوني الذي عيّنه ديبلوماسيّا في لندن.

لكن في سيرة حياته التي أصدرها في بداية الألفية الجديدة، أعترف رايخ نيتسكي بأنه عمل جاسوسا لصالح النظام الشيوعي البولوني انطلاقا من العاصمة البريطانيّة. وفي عام 1958، استقر به المقام في ألمانيا. وفي ما بعد سيقول: "كنت أريد أن أغادر شرق أوروبا.

وكنت أحبّ أن أعيش في بلاد تتكلّم اللّغة الألمانيّة إذ أنني كنت شديد اللهفة إلى ربط الصّلة مجددّا بالثقافة الألمانيّة، والأدب الألماني الذي هو جزء لا يتجزّأ من حياتي".

وانطلاقا من مطلع الستينات من القرن الماضي بدأ نفوذ رايخ نيتسكي في مجال النقد الأدبي يشهد اتساعا هائلا. ويعود ذلك إلى الدور الذي لعبه عند إشرافه على الملحق الأدبي الأسبوعي لصحيفة "فرانكفورت الجماينه"، ثم على ملحق "دي تزايت" واسعة الانتشار والتي تعتبر منبر النخبّة المثقّفة في ألمانيا.

وفي التسعينات من القرن الماضي، احتلت الحصة الأدبيّة الأسبوعيّة "ليتيرارش كوارتات" التي تقدمها القناة الألمانيّة الثانية، والتي كان يشرف عليها رايخ نيتسكي شهرة واسعة، لتتصدّر قائمة البرامج الأكثر شعبيّة.

وفي تلك الحصّة كان رايخ نيتسكي يستعرض براعاته النقدية التي كانت تغيظ جلّ الكتّاب، وتخرجهم عن طورهم غالب الأحيان. غير أن رايخ نيتسكي لم يكن يهتمّ بردود أفعالهم، بل كان يزيده ذلك قسوة عليهم، واستفزازا لهم.

وفي السنوات العشر الأخيرة من حياته، انقطع رايخ نيتسكي عن الظّهور في وسائل الإعلام، وظلّ شبه متخفّ عن الأنظار إلى أن وافاه الأجل المحتوم في شقته بمدينة فرانكفورت التي يقيم فيها منذ قدومه إلى ألمانيا عام 1958.

14