الأمير خالد الفيصل اختار الفكر والآداب دون أن يتجاهل الإدارة

الأحد 2015/11/15
شاعر ورسام أطلقت ناسا اسمه على مهمة لمركبة متجهة إلى المريخ

بروكسل - كنتُ محظوظاً اذ استمعتُ مرَّتين للأمير الشاعر خالد الفيصل في أحدِ المحافلِ الثقافية العربية، حيثُ بدا واضحاً كشعاع الشمس في صباحاتِ الأوطان الآمنة، عارفاً لعبةَ الكلِمِ و مُتقِنَها في تجاوزِ التقديم و التأخير للوصولِ نحو الفكرةِ السامية، أن الشاعر والأمير يرسمُ نصفَ الصورةِ، فقط بينما يترك للمتلقي رسمَ باقيها، بهذه الاستراتيجية يمكِنُ الولوجُ إلى شخصيةٍ فذَّة استطاعت الوصول إلى مراتبَ كبيرةٍ سواءً في العمل السياسي و فنون الإدارة أو على صعيدِ الدوائرِ الثقافية المُنتَشرةِ في الوطن العربي وخارجه، فكانَ خالد الفيصل رقماً صعبَ التجاوُزِ في الإنجاز و المعرفة.

الكلمة هوية

الشاعر الأمير، الأمير الشاعر، ثنائيةٌ تُطالِعُنا لحظةَ قراءةِ اسم السعودي خالد الفيصل، الاسمُ الذي خرجَ من عباءةِ الألقاب فكانَ نجماً باسمهِ المُجرَّد، ليحفرَ كلماتهُ في عمقِ الأدب مستنداً على مُرتَكَزاتِ بيئتِه و بُعِدِه العربي، هو الذي أيقَن تماماً أنَّ الانسانَ يضيعُ خارجَ انتماءاتِهِ الأولى بين الوطنِ و الأرض و الكلمة في تشكيلِ الهويَّةِ القائمةِ للدفاعِ عن الوجود.

سأستعيدُ هنا ما قالَهُ حاكم إمارةِ الشارقةِ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي خلال كلمتِهِ في افتتاحِ معرض الشارقة الدولي للكتاب بدورتِهِ الحاليَّة، مُرحِّباً بالأمير الشاعر خالد الفيصل الذي تمَّ تكريمُهُ كشخصيةٍ ثقافيةٍ يُحتَفى بها خلال أيامِ المعرض، حيثُ قال الدكتور سلطان “نحنُ نحبُّ خالد الفيصل لأنَّنا نحبُّهُ في الله، و نحبُّهُ في الثقافة، و نحبُّهُ لأنَّهُ أميرُ مكة، فهوَ النهرُ إن أتيتَهُ من أيِّ موردِ، و النبعُ منهُ مجدٌ من جدٍّ إلى جدِّ”.

ملامح بارزة

هذه المحاورُ التي طرَحَها حاكمُ الشارقة تمثِّلُ في خطوطِها العريضةَ ملامح شخصيَّةِ خالد الفيصل، تلك المُرتَكَزاتُ التي كوَّنَت ملامح الحضور الثقافي و السياسي لطفلٍ وُلِدَ في بيتِ الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز في الرابع و العشرين من فبراير لعام 1940، ليدرسَ القرآنَ الكريم و بعضَ المرحلةِ الإبتدائيةِ في الإحساء قبلَ أن ينتقلَ إلى المدرسةِ النموذجيةِ التي افتتحها والدُه الملك فيصل في الطائف، و ليكونَ من الجيلِ الأول الذي يتخرَّج من تلك الحاضنة التعليمية وصولاً إلى جامعةِ أكسفورد البريطانية حيثُ أنهى تحصيلَهُ العلمي بإجازةٍ في العلومِ السياسية و الإقتصاد عام 1966، مروراً بمدرسةِ برنستون الأميركية التي أكمَلَ فيها سنتَهُ الأخيرة في الثانوية.

مسيرة الفيصل تكتنف بالأوسمة و التكريمات التي نالها من أماكن عديدة في العالم، أبرزها وسام النهضة الملكي من الدرجة الأولى في الأردن و وسام الأرز الوطني من رتبة الوشاح الأكبر في لبنان، و وسام قلادة الشرف مع الشعار الذهبي من المعهد العربي البرتغالي حيث لم يمنح هذا الوسام إلا لرؤساء دول في العالم العربي قبل ذلك

هذا التكوين الذي انطلَق منه خالد الفيصل واقفاً على أرضيَّةٍ صلبةٍ من قراءاتٍ عديدةٍ مكَّنتهُ في وقتٍ لاحقٍ من ترسيخِ وجودِهِ في مهمَّات كثيرةٍ و عديدة، فتلكَ المعرفةُ التراكميةُ كانت حصناً لهُ من الإنسياقِ خلفَ الواقعِ الآني حيثُ عُرِفَ عنهُ كسائرِ أبناء الملكِ الراحل فيصل بن عبدالعزيز، القدرةَ على الصبر و البحثِ عن الجوهرِ في الأمور، الجوهرُ الذي يعني عندَهُ البُعدَ العربي و الإسلامي لوجود انسانِ شبهِ الجزيرة العربية.

حياتُهُ العمليَّةِ بدأت مع الشباب حيثُ أوكِلَت إليهِ في بدايةِ المشوار في العمل الإداري مهمَةَ رئاسةِ هيئةِ رعايةِ الشباب في المملكة العربية السعودية، حيثُ ساهمَ وجودُهُ في ذلكَ المنصبِ منذ تأسيسِ الهيئةِ على تشكيلِ نواةٍ تعملُ إلى جانبَ خلايا كثيرةٍ تُساهِم في استـقرار المجتمعِ من الداخل قبلَ أن ينتقلَ إلى مسؤوليةٍ أكبر تمثَّلَت في إمارةِ منطقةِ عسير عام 1971 حتى عام 2007.

أمير الشباب

يصفُ الأمير خالد الفيصل انسانِ منطقة عسير بالشجاعةِ و الطيبةِ و البهجة، تلك الصفات هي التي جعلت منهُ انساناً قوياً يواجِهُ العقبات التي تعترضُ حياتَه، فنقطةُ قوَّةِ الشباب عند الأمير هي نقطةُ ضعفه في ذات الوقت، من هذا المنطلق يحرِصُ الأمير الشاعر من خلال أحاديثِهِ على التحذيرِ من الإنجرار خلفَ مشاريعَ وهميَّةٍ تبدو في ظاهِرِها العام صالحةً للجميع، تلك المشاريعُ قد تأتي في قالبٍ ديني أو قالبٍ إقتصادي أو قالبٍ إجتماعي و إنما في حقيقتِها المُطلَقة تقومُ على التدمير و نشر الخراب، هذا الخراب يشملُ في فكر الأمير كلّ مناحي الحياة و مساراتِها.

نجاحاتُهُ مكَّنَتهُ لوقتٍ طويل من قيادةِ دفَّةِ إمارة عسير و مناطقِها الواسعة ليكونَ نقطةً مضيئةً في تاريخها، تلكَ النجاحاتُ دفعت بالأمير نحو أقدَسِ البقاعِ في ذهننا الإسلامي ليكونَ أمير مكَّةَ المكرمة منذ عام 2007 و حتى نهايةِ 2013 حيثُ حملَ حقيبةَ وزارةِ التربية و التعليم لعامٍ و شهرٍ واحد قبلَ أن يعودَ إلى إمارةِ مكةَ المكرَّمة في التاسع و العشرين من يناير كانون الثاني لهذا العام.

منذُ بدايةِ المشوار الأدبي الطويل أدركَ الشاعر الأمير أنَّ مهمَّتَهُ لن تكونَ سهلةً في مجتمعٍ قامَ في أهمِّ أركانِهِ على الكلمةِ التي تُدغدِغُ الروح في عمقٍ تاريخيٍّ لا مُنتَهي منذ أن أطلقَ الشاعرُ الجاهليُّ صوتَهُ مُدوِّياً بالشعر، فكان العلامةَ الفارقةَ للأدب العربي، بهذه العقليَّة و الإصرار على التجدُّد أطلقَ خالد الفيصل أشعارَهُ في نمطٍ جديد جمعَ فيه عبر عقودِهِ الماضيَّةَ معارفَ كثيرةٍ شملَت مسارات الحياةِ و مستوياتِها في فضاءات الشعر، فكانت البيئةُ السعودية حاضرة بين كلمات قصائده، حضورُها هنا لم يكن فقط على الجانب الوطني و التأريخي بل تعدَّاهُ إلى الجانب الروحي و الأبدي في صيرةرةِ الحبِّ المكتَمِل الأزلي، فطافَت بذلكَ أشعارُ خالد الفيصل و كلماته أرجاء الوطن العربي و وصلت إلى العالمية.

من لوحات الأمير خالد الفيصل الذي تم تكريمه مؤخراً في دولة الإمارات عن مسيرته الثقافية والفكرية

مجتمع الكلمة

يمكِنُ ملاحظةُ تأثُّر الشاعر بتجربةِ المتنبي الأدبية الطويلة مع الإعتراف بقدرةِ خالد الفيصل على الابتعادِ عن تضخيمِ الأنا الواحدة أو الوقوف بباب الممدوحين، بل تقاطَعَ مع المتنبي بعمق النظرةِ و القدرة على استشرافِ الحكمةِ و إعادةِ صياغتِها و إنتاجِها ضمن قالبٍ جديد اعتمدَ فيه على تقنياتِ البيئة و مفرداتِها في النظم من خلال تقديمِها بقالب المحكي أو اليوميات التي يعيشُها المتلقي بإنسيابيَّةِ الحياة و لا يمكِنُهُ التعبيرُ عنها، من هنا إمتازت أشعارُ خالد الفيصل بمعاني ما وراء المعاني و كلمات ما وراء الكلمات في صور شعريَّةٍ ابتعدَ فيها عن التكلُّفِ و التصنُّع، فكانت الكلمةُ عندَهُ موازيةً للقرار الإداري من خلال امتلاكِها القدرة على التغيير و إعادةِ تكوينِ المشهد من جديد.

الجغرافيا و التاريخ عنَد الفيصل سياسياً و أدبياً غير محدودة رغمَ إنطلاقِها من صحراء المملكة العربية السعودية و حواضِرها المدنيَّة، إلا أنَّها اتَّخَذَت مُرتَكزاتٍ اكتملت بين مسيرتِهِ العلمية و الأكاديمية و الإدارية و الأدبية فكانت صورة حقيقيَّةً للرجل الذي آمنَ بالثقافة سبيلاً لصناعةِ الإنسان و تقدُّمهِ و تطوُّره.

تلكَ الخلطةُ التي تفرَّدَ بها الأمير خالد الفيصل دفعت به إلى جانب كلِّ مهامِّهِ السابقة و إهتماماتِهِ الأدبية و الفكرية إلى الدائرةِ الضيِّقةِ التي يستشيرُها العاهلُ السعودي حيثُ أضحى الأميرُ مستشاراً للملك سلمان بن عبدالعزيز و عضوُ هيئةِ البيعة السعودية عن والِدِه الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز، نحنُ هنا أمام قامةٍ حقيقيَّةٍ في الإدارةِ و الأدب على حدٍّ سواء، رسَّخَ فيها الفيصل كلَّ غير الممكن لخدمةِ الممكن في ساحاتٍ كثيرة شهدنا نتائجَها على مستوياتٍ عديدة و في بلدانَ كثيرة.

صوتُ الأمير خالد الفيصل يتَّسمُ بالهدوء عند الحديث و العمقِ في الطرح و هذا ما يجعلُ المتلقِّي مُتعلِّقاً بإبتسامتِهِ التي لا تفارِقهُ أبداً، تلك الكاريزما جعلت الأمير خالد الفيصل موضِعَ الاحتفاء أينما حل، و إن كان آخرُ التكريمات اليوم في معرض الشارقة الدولي للكتاب بإعتبار الفيصل الشخصية الثقافية الأبرز، فإنَّ مسيرةَ الرجل تكتنفُ جنباتُها بالأوسمةِ و التكريمات التي نالَها عن إستحقاقٍ من أماكنَ عديدةٍ في العالم، أبرزُها وسامُ النهضةِ الملكي من الدرجة الأولى في المملكة الأردنية الهاشمية عام 1999 و وسام الأرز الوطني من رتبةِ الوشاحِ الأكبر في لبنان، و وسامُ قلادةِ الشرف مع الشعار الذهبي من المعهد العربي البرتغالي حيثُ لم يمنَح هذا الوسامُ إلّا لرؤساءِ دُوَلٍ في العالم العربي قبل ذلك.

خالد الفيصل يصر على التذكير دوماً بأن "المعرفة وسيلة العرب للتقدم"، داعياً بأكثر من مناسبة القيادات العربية إلى محاربة نار الفتنة الزهيدة، و لأنه يؤمن بالعمل الدائم فقد أتى مشروعه الجديد عام 2010 عقب إطلاق مؤسسة الفكر العربي مبادراً إلى تأسيس "كرسي الأمير خالد الفيصل لتأصيل منهج الإعتدال" في جامعة الملك عبدالعزيز

خالد الفيصل الذي رسَّخَ اسمَهُ بأحرفٍ من نورٍ في كل المحافلِ التي كانَ حاضراً بها في الأرض من خلال النشاطات العديدة و المتنوعة التي يقومُ بها عبر المناصبِ المُناطة به، استطاعَ حجزَ مكانٍ لهُ في الفضاء بتكريمٍ من وكالة ناسا الأمريكية للفضاء التي أطلقَت اسم خالد الفيصل بن عبدالعزيز على مهمة لمركبةٍ فضائيةٍ أطلَقَتها إلى كوكبِ المريخ إعترافاً و تقديراً للرجل الذي أفنى عمرهُ الذي وصل اليوم إلى منتصف العقد السابع في خدمةِ البشرية و الإنسانيةِ جمعاً مُنطَلِقاً من عمقِهِ العربي السعودي.

المعرفة أساس التقدم

استعراضُ شخصية الأمير خالد الفيصل سياسياً و إدارياً لا يقلُّ في أهميَّتِه عن تسليط الضوءِ على انجازاتِهِ الثقافية التي كلَّلَها بالمشروع العربي البارز من إطلاقِهِ عام 2007 ضمن إحتفاليَةِ بيروت عاصمةً للثقافة العربية حيثُ شكَّلَت مؤسسةُ الفكر العربي حالةً متفرِّدةً في رسالتِها حولَ السعي نحو تحقيق التضامن الثقافي العربي و تعزيز هويَّةِ الأمَةِ الحضارية جانباً إلى جنب مع الحرص على الإنفتاح على ثقافات العالم المختلفة.

تلك الثقافات التي تُشكِّلُ في نهايةِ المُطاف الحضارة الإنسانية التي تقومُ في جوهرِها على الشراكةِ و ليس التصادم، التشارك في المبادراتِ و الإجتهاد و الإبداع، من هنا يُمكِنُ فهمُ نظرةِ خالد الفيصل للثقافة بإعتبارِها أساسُ الحضارةِ و التقدُّم و التطوُر، الرجلُ الذي قال مرَّةً: ” إنَّ المعرفةَ وسيلةُ العرب للتقدُّم”، داعياً بأكثر من مناسبةٍ القيادات العربية إلى محاربةِ نار الفتنةِ الزهيدة و رفعُ شعلة المعرفةِ المجيدة، و لأنَّهُ يؤمنُ بالعمل الدائم فقد أتى مشروعُهُ الجديد عام 2010 عقبَ إطلاقِ مؤسسة الفكر العربي حيثُ بادرَ إلى تأسيس ” كرسي الأمير خالد الفيصل لتأصيل منهج الإعتدال السعودي” في جامعةِ الملك عبدالعزيز، حيثُ يهدِفُ هذا المشروع إلى نشر ثقافةِ الإعتدال و الوسطية في مواجهةِ التطرُف و التشدُّد.

8