الأمير سعود الفيصل يرحل في أعقد مرحلة تمر بها المنطقة العربية

غيّب الموت الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي السابق، وسيوارى جثمانه الثرى اليوم السبت، فيما ستبقى مواقفه وسيرته كأحد أبرز الدبلوماسيين العرب والعالميين خالدة ومؤثّرة. رحل الأمير سعود الفيصل تاركا إرثا هاما من المواقف النبيلة والقرارات الشجاعة لجيل من الدبلوماسيين السعوديين والعرب الذين تعلموا منه كيف تحقق الدبلوماسية الهادئة أهداف الدول وتنتصر لمصالحها بقوة الحجة وبفصاحة اللسان وصواب الرأي.
السبت 2015/07/11
الأمير سعود الفيصل.. سياسي مخضرم ومحنك آمن بأن "العرب عاشوا قبل النفط وسيعيشون بعده"

الرياض - بعد حوالي 3 أشهر من ترجّله عن منصب وزير الخارجية السعودية، الذي تقلّده طيلة 40 عاما، يغادر الأمير سعود بن فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، إلى مثواه الأخير، بعد أن وافته المنية في مدينة لوس أنجلوس الأميركية عن عمر 75 عاما بعد رحلة مع مرض باركنسون.

وكما جاء في إحدى أعقد المراحل التي تمرّ بها المنطقة العربية، رحل الأمير سعود الفيصل، والمنطقة تشهد مخاضا عسيرا وأزمات محتقنة.

رحل الأمير سعود الفيصل، الملقب برجل السياسة والإنسانية، قبل يوم واحد من الذكرى السنوية للقرار الشهير الذي اتخذه والده الراحل الملك فيصل بن عبدالعزيز، سنة 1973، القاضي بحظر الصادرات النفطية إلى الولايات المتحدة الأميركية، بسبب الدعم الأميركي لإسرائيل إبان حرب أكتوبر؛ وكان وقتها الأمير سعود الفيصل وكيلا لوزارة النفط والثروة المعدنية.

بعد هذه الحادثة بعامين، وإثر شغور المنصب باغتيال والده الملك فيصل بن عبدالعزيز، الذي كان وزيرا للخارجية، إضافة إلى كونه ملكا للبلاد، تولى الأمير سعود الفيصل منصب وزير الخارجية السعودية في مرحلة مرت فيها المنطقة العربية والعالم بأزمات عدة، لكن نجح الوزير الراحل في أن يقود دبلوماسية بلاده بحنكة شديدة ونجاح كبير.

ويعد الأمير سعود الفيصل أقدم وزير خارجية في (1975 – 2015) إلى أن قبل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، طلب إعفاءه من منصبه لظروفه الصحية في 29 إبريل الماضي. وجاء ذلك في ظل وضع إقليمي متوتر تهيمن عليه خصوصا العمليات العسكرية التي تشارك فيها المملكة في اليمن والخلافات مع الولايات المتحدة حول الملف النووي الإيراني والأزمة السورية.

ولقي طلب الإعفاء الذي تقدّم به الوزير الراحل استحسانا سعوديا كبيرا، حيث رأى فيه السعوديون دليلا على آمنة الرجل وصدقه ووطنيّته. ودفع هذا الموقف ببعض المغردين السعوديين على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” إلى إطلاق حملة “#شكرا_سعود_الفيصل”، وقد أجمع كل من شارك في هذا الهشتاغ على أن الأمير سعود الفيصل يعدّ صوت السعودية وشعلتها المضيئة في المحافل السياسية الدولية.

الأمير سعود الفيصل في سطور:
* الأمير سعود الفيصل بن عبدالعزيز آل سعود من مواليد الطائف في 2 يناير عام 1940، وهو ابن الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود.

*نشأ وتربى في مدرسة الفيصل الأب والملك، التي نهل منها أدب الفرسان والثقافة الواسعة، والإدارة المحنكة والدبلوماسية الرفيعة.

* حصل الأمير سعود الفيصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة برنستون في ولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة عام 1964، وعاد إلى البلاد ليتقلد أول مناصبه مسؤولا عن العلاقات النفطية في شركة بترومين، ثم عضوا في لجنة التنسيق العليا التابعة لوزارة النفط والثروة المعدنية، فمستشارا اقتصاديا للوزارة ذاتها.

*عين وكيلا لوزارة النفط والثروة المعدنية منذ عام 1971 ولمدة خمسة أعوام.

* في عام 1975، تولى الأمير سعود منصب وزير الخارجية، وطيلة 40 عاما من توليه المنصب، مرت المنطقة والعالم بأزمات عدة، قاد فيها الفيصل دبلوماسية بلاده بحنكة شديدة.

* في أبريل 2015 وافق العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز على طلب الأمير سعود الفيصل إعفاءه من منصب وزير الخارجية. وعين الملك سلمان الأمير الفيصل وزير دولة ومبعوثا خاصا ومشرفا على الشؤون الخارجية. كما عين العاهل السعودي السفير عادل الجبير وزيرا للخارجية خلفا للأمير سعود الفيصل.

ووصف المغردون وزير الخارجية الراحل بأنه رجل المهمات الصعبة، مؤكديِّن أنه يعرف التوقيت المناسب للتسامح مثلما يعرف التوقيت الأفضل للحزم، ويرددون كلماته “لا نتدخل في شؤون الآخرين، ولا نقبل التدخل في شؤوننا، وأي إصبع يمتد في وجه المملكة سنقطعه”.

ونظرا إلى الخبرة والمكانة اللتين يحظى بهما الأمير سعود الفيصل، أصدر العاهل السعودي الملك سلمان أمرا بتعيينه وزير دولة وعضوا بمجلس الوزراء، ومستشارا، ومبعوثا خاصا لخادم الحرمين الشريفين، ومشرفا على الشؤون الخارجية. وقد احتفظ الأمير الراحل بموقع مؤثر في دوائر صنع السياسة الخارجية السعودية حتى بعد استقاله وتعيينه مستشارا رسميا للعاهل السعودي الملك سلمان، وكان أحيانا حاضرا عندما التقى زعماء أجانب بالملك سلمان بن عبد العزيز.

محطات تاريخية

طيلة 40 عاما من توليه المنصب، عاش السياسي السعودي المخضرم قضايا الشرق الأوسط والعالم العربي بكل تفاصيلها بدءا من القضية الفلسطينية ثم حربي الخليج الأولى والثانية، والغزو العراقي للكويت والحروب الإسرائيلية ضد العرب. وقد لعب الأمير سعود الفيصل أدوارا أساسية في حلّ أبرز أزمات المنطقة، على غرار دوره الفعاّل في الجهود التي أفضت إلى وضع حد للحرب اللبنانية (1975 - 1990)، بتوقيع اتفاق الطائف؛ ولم يتوقّف دعمه للبنان طيلة عمله على رأس الدبلوماسية السعودية؛ الأمر الذي يجعل رئيس الورزاء اللبناني يؤكّد أنه “برحيل الأمير سعود الفيصل خسر لبنان صديقا حقيقيا ونصيرا كبيرا أحبه وعمل دائما لكل ما فيه خير اللبنانيين وتعزيز أمنهم واستقرارهم”.

كما قاد سياسة السعودية الخارجية إبان الحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988)، وكان الأمير سعود الفيصل حينها يريد أن يحتكم الطرفان العراقي والإيراني إلى الحل السلمي حتى لا تتأثر المنطقة عموما بانتشار حرب تتجاوز نيرانها البساط المجاور إلى دول تسعى إلى الاستقرار.

ومن المواقف الأخرى والمحطات المؤثرة في مسيرة الأمير سعود الفيصل على رأس الدبلوماسية السعودية، والعربية أيضا، حيث كانت مواقفه تعكس رأيا عربيا جماعيا، وهو المعروف بميوله العربية القومية، موقفه من القضية الفلسطينية التي يعتبرها القضية الأساس لكل العرب، والتي تدافع عنها بلاده في كل محفل، لذلك لم تغب عن أي بيان رسمي سعودي في ساحة الأمم المتحدة.

ودعم الأمير سعود الفيصل، في عام 2002، أكبر مبادرات العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن العزيز في السياسة الخارجية والتي تمثلت في خطة عربية للسلام مع إسرائيل مقابل انسحابها من كل الأراضي المحتلة وتسوية مشكلة اللاجئين. وقال لإسرائيل في ذلك الوقت إنها إذا قبلت الاقتراح فستقيم المنطقة كلها سلاما معها وتعترف بحقها في الوجود، وأكد أنه إذا لم يحقق ذلك لإسرائيل الأمن فلن يوفره لها السلاح. ولم توافق إسرائيل على هذه المبادرة وكثيرا ما ردد الأمير سعود الفيصل أن أكبر سبب للإحباط في مسيرته كان الإخفاق في إقامة الدولة الفلسطينية.

ورغم التاريخ المعقد مع العراق، كان الأمير سعود الفيصل يعارض علانية الغزو الأميركي للعراق عام 2003 ويخشى بفطنته وبصيرته ما قد يحدثه من فوضى تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة. وقال في مقابلة مع التلفزيون البريطاني “إذا كان التغيير سيأتي بتدمير العراق فأنتم تحلون مشكلة وتخلقون خمس مشاكل أخرى”.

وقاد الأمير سعود الفيصل الرأي العام السعودي في مواجهة حملة الحرب الأميركية البريطانية على العراق 2003، وكان حينها يرى أن الحل داخل العراق لا يمكن له أن يتحقق من الخارج و”ستكون عواقبه وخيمة”. لكن جاء الرد المعارض من أحد أعضاء الكونغرس من أن “إدارة الرئيس بوش لو استمعت إلى حديث الأمير سعود الفيصل فسيغنيه عن مستشاريه في الشرق الأوسط”.

الفيصل رجل المهمات الصعبة

وعلى المستوى الخليجي كان الأمير سعود الفيصل من صانعي السياسة الاقتصادية لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، وشارك مع رجال الدفاع والخارجية لتأسيس قواعد العمل المشترك في الدفاع.

وبعد ثورات الربيع العربي، كان الأمير سعود الفيصل لاعبا مهما على الساحة الدبلوماسية في الشرق الأوسط الذي تغير بصورة جذرية. وقد حذّر مرارا من تنامي دور إيران في العراق، متهما طهران بفرض سيطرتها عليه عن طريق مساعدته في الحرب ضد تنظيم داعش في سوريا والعراق. ويذكر له العالم خلال أحداث البحرين قوله في مؤتمر صحفي “إن أي زورق إيراني يدخل المياه الإقليمية لن يرجع إلى إيران”.

ومن الأمثلة على صراحته عندما قال في كلمة أمام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك إن «سياسة الولايات المتحدة في العراق، تُعمّق الانقسامات الطائفية إلى حد أنها تسلم البلاد فعليا لإيران». وقال للأميركيين في بلادهم: «… إنكم تتحدثون الآن عن السُّنة كما لو كانوا كيانا منفصلا عن الشيعة، الإيرانيون يذهبون إلى المناطق التي تؤمّنها القوات الأميركية المحتلة ويسلحون الميليشيات التي هناك وهم يحتمون أثناء قيامهم بكل هذا بالقوات البريطانية والأميركية».

وعندما شنت السعودية حملة عسكرية مع دول عربية أخرى ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، قال الأمير سعود الفيصل “إننا لسنا دُعاة حرب ولكن إذا قرعت طبولها فنحن جاهزون لها”. كما يحفظ التاريخ للأمير الراحل ردّه الحازم على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حين وجّه له رسالة جاء فيها “روسيا سلحت النظام السوري الذي يفتك بشعبه، وهذا النظام فقد شرعيته، وروسيا تتحمل مسؤولية كبيرة في مصاب الشعب السوري”. وكان بوتين قال إن “روسيا تقف إلى جانب الشعوب العربية من دون أي تدخل خارجي، ويجب تسوية الأزمات في سوريا وليبيا واليمن على أسس القانون الدولي”.

وتعتبر مواقف الأمير سعود الفيصل من الأزمة السورية من أبرز المواقف السياسية العربية والدولية وأقواها؛ وقد دفع في مارس 2012، باتجاه تسليح المعارضة السورية معتبرا أن الواجب يقضي بدعم السوريين من أجل الدفاع عن أنفسهم ضد العنف الدموي اليومي الذي تمارسه القوات السورية المسلحة، كما أنه كان يشجع العراقيين على الدفاع عن سيادة بلدهم.

ويذكر له في هذا السياق موقفه الشهير خلال مؤتمر أصدقاء سوريا، الذي انعقد في تونس سنة 2012، حيث انسحب والاجتماع في قمّته احتجاجا على عدم فاعلية المؤتمر وقال الراحل حينها إن “التركيز على المساعدات الإنسانية للسوريين لا يكفي… لا يمكن لبلادي أن تشارك في أي عمل لا يؤدي إلى حماية الشعب السوري”.

قالوا عن الأمير الراحل:
"رحل الأستاذ وبقي منهجه".

الشيخ عبدالله بن زايد، وزير خارجية الإمارات

"برحيل الأمير سعود الفيصل خسر لبنان صديقا حقيقيا".

سعد الحريري، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق

"إرثه كرجل دولة ودبلوماسي لن ينسى".

جون كيري، وزير الخارجية الأميركي

"لو كان لدي رجل كالأمير سعود الفيصل ما تفكك الاتحاد السوفيتي".

ميخائيل غورباتشوف، الرئيس السوفيتي الأسبق

"استفاد الكثير من حكمته الكبيرة بالشؤون الدولية".

دفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني

"برحيل الأمير سعود الفيصل فقدت ألمانيا وجها معروفا ومألوفا".

فرانك فالتر شتاينماير، وزير الخارجية الألماني

وأكد وزير الخارجية السعودي الراحل، حينها أن السبيل الوحيد للخروج من الأزمة هو نقل السلطة “طوعا أو كرها”. ويقول القيادي في المعارضة السورية برهان غليون، في رثائه للأمير سعود الفيصل “أتاحت لي رئاستي للمجلس الوطني السوري في المرحلة الأولى لتأسيسه التعرف على الأمير سعود والتعامل معه لشهور طويلة وفي مناسبات عديدة… وخلال مؤتمر أصدقاء الشعب السوري الذي عقد في فبراير 2012 في تونس، قال الأمير سعود الفيصل، بحضور عشرات الوزراء ومنهم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون ‘مؤتمركم هذا إن لم يعمل على إزاحة بشار الأسد فإنكم ستكونون كمن يسمّن الذبيحة قبل نحرها، أنتم تشاركون في قتل الشعب السوري…’ قبل أن ينسحب من المؤتمر، على الفور، احتجاجا على تردد البعض في اتخاذ الموقف القوي المنتظر من إدانة نظام الأسد، وكان على حق تماما”.

التمثيل الأعلى

حين يحضر الأمير سعود الفيصل، بقامته الفارعة وخطوات سيره الثابتة ونظراته الحادة، مؤتمرا أو مناسبة إقليمية أو دولية، يعلم صانعو الأحداث أن السعودية جاءت بالتمثيل الأعلى لها، وإن غاب ملكها أو وليّ عهدها وأن الموقف سيكون حاسما وحازما.

ولطالما استخدم الأمير سعود الفيصل فصاحته العربية، وحفظه لقصائد من الشعر العربي القديم في الرد على أيّ من أنواع “الغمز” أو “اللمز” السياسي لبلاده خلال المؤتمرات الصحفية، متنقلا من العربية الفصحى إلى الإنكليزية أو الفرنسية، حيث أتقن الراحل 7 لغات، بالإضافة إلى العربية، منها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والأسبانية والعبرية.

وكان الأمير سعود الفيصل على طبيعته سواء وهو يرتدي الدشداشة أو الملابس الغربية ورابطة العنق؛ وسواء ومهما كانت اللغة التي يتحدّث بها، فقد أثبت براعته في توصيل جوهر الرسالة السعودية بكل ذكاء متجاوزا التفاصيل الدبلوماسية المنمقة.

ويذكر أنه خلال لحظة توتر في علاقات السعودية مع الولايات المتحدة حليفها الرئيسي عام 2004 وصف الأمير سعود العلاقة بأنها “زواج إسلامي” تستطيع فيه المملكة الاحتفاظ بعدة زوجات ما دامت تستطيع أن تعدل بينهن.

ومن أبرز ما وصف به الأمير الراحل ما ذكره الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى حين قال “هو مدرسة الدبلوماسية العاقلة والآراء الرصينة القوية، كان قويا حين يحتاج الموقف إلى قوة، وإنسانا حين يحتاج الموقف إلى إنسان، ودبلوماسيا حين يحتاج الموقف إلى دبلوماسي، وخبيرا حين يحتاج الأمر إلى رأي خبير”.

رحل الأمير سعود الفيصل مخلّفا اسما مؤثّرا في مجال الدبلوماسية السعودية والعربية والدولية، حتى بات أيقونة يحتذى بها، وقد انتشرت مقولة “تكفي يا سعود الفيصل” في المجالس السعودية كناية للدلالة على حجم الأمير سعود الفيصل ومكانته كرجل سياسي مخضرم ومحنك آمن بأن “العرب عاشوا قبل النفط وسيعيشون بعده”.

7