الأمير فيصل.. في جيبه القلم الأحمر وبيده كاميرا

الأحد 2013/09/15
خلّص تعليم البنات في السعودية من إداراتها الرجالية

الرياض - رجل جاء ولم يذهب حتى الآن، عاشق للفرح، عاشق للسياحة، طامح في التغيير، من رجال العاهل السعودي الملك عبدالله اليوم، ورجل استخباراتي في عهد الملك الراحل فهد، مر بشهادته الهندسية في أمواج الإدارة بين عسكرة وتعليم، وهو من طبقة آل سعود الثانية التي لا تحمل اللقب (الملكي).

زوجته الأميرة الملكية عادلة، ساهمت كذلك في رفعة مناصبه، كونها ابنة الملك عبدالله، وغالبا ما يرى رافضوه ومناهضوه ومنتقدوه أنها تدير وزارة التربية اليوم وهو أمر لا يمت للواقع بصلة نظرا لمناصبه السابقة، وإن لم يظهر إسم الأميرة عادلة كناشطة حيوية وطنية إلا في أعوام حكم والدها.

الجدير بالقراءة في تفاصيل الأمير وسيرته، هو حياته وإدارته بوزارة التربية والتعليم، جاءها حاملا قلمه الأحمر الظاهر دائما، وقال إنه لن يبعده عن منافذ جيبه إلا بعد تطوير الوزارة، لكنه لم ينجح حتى اليوم سوى في بضعة أمور ذات حساسية كبيرة.

يُحسب للأمير فيصل أنه وبدعم ملكي كبير، خلّص تعليم البنات في السعودية من إداراتها الرجالية، وجعلها في عصمة امرأة وهي الدكتورة نورة الفايز، رغم محاولات سابقة من وزراء الاستقلال التام ووكلائه، لكنهم يصدمون بأسوار المحافظين السعوديين، الذين تجيّشهم أصوات المنابر وأقلام الإسلاميين.

الحال اختلف مع الأمير فيصل، وقاد أقوام التعليم للرضى والغضب الصامت، لأنه من القبيلة الحاكمة الكبيرة، فلا شيء يُضعف صوت المعارضة الكلامية سوى الدعم السياسي للقرارات، حاول حينها من يُسمون بـ"المحتسبين" عبر زيارات المعارضة للوزارة لقاء الوزير وتغيير القرارات لكن الأمير التنويري يمتنع عن لقائهم، فوهنوا واستأسد الوزير أكثر.

في وزارته، أكثر من شخص يحمل صفة وزير، من نائب الوزير، ومساعدته لتعليم البنات، ومساعده الآخر لشؤون تعليم البنين، جميعهم لم يُعتّقوا في مكاتب الوزارة كما تعتّق الإسلاميون ومن ناصرهم، بل جاؤوا بفكر جديد من جامعات ومعاهد إدارية أخرى.

ليست شجاعة وزير فقط، بل إرادة تغيير حكومية، بعد أن فشل من سبقه في تطهير أروقة التعليم وصد اتهامات عديدة للمناهج السعودية بتفريخ الإرهابيين، وهي مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر.

أنشأت السعودية مشروعا حكوميا وخطة وطنية لتطوير التعليم العام، محاولة في ذلك نقل المنظومة التعليمية إلى مرحلة أكثر وعيا في ظل متغيرات عالمية، برئاسة العاهل السعودي نفسه، وهو مشروع قلّ أن يوجد فيه من يحمل فكرا إسلاميا أيا كان تياره.

يحاول الوزير الأمير فيصل، وضع خطط تطوير، لكن تلك الخطط لم تجد إلا صداً، من داخل وزارته، وطابورها الكبير المتمثل في المعلمين والمعلمات، فكانوا أول من أقام ضده حملات مطالبة بمغادرته، زاد ذلك الخلاف اشتعالا مواجهة الأمير فيصل لهم لأنهم "أفضل من غيرهم".

مطالبات المعلمين والمعلمات لفيصل بن عبدالله، كانت في غاياتها حقوقا مادية، انطلقوا في مطالبتهم للقضاء وعادت القضية إلى تربة الوفاة، رغم تأكيد الوزير نفسه في أكثر من مناسبة أن المعلم هو حجر الأساس في تطوير التعليم السعودي.

دائما ما تكون وعوده منذ تسلمه الوزارة قبل أكثر من أربعة أعوام "قريبا".. وهي كلمة باتت مكروهة في التصريحات والتقبل المجتمعي السعودي، قال بـ"قريبا" عن تحقيق أحلام المعلمين والمعلمات، وقال بـ"قريبا" عن تأسيس "رتب للمعلمين" وقال بـ"قريبا" عن تعيين خريجي الكليات المتوسطة من المعلمات، وقال بـ"قريبا" عن إصلاح كل أخطاء من سبقه، وقال بـ"قريبا" عن تحقيق طلبات المعلمين والمعلمات بإقرار تأمين اجتماعي وصحي.

تغيظ تصرفات الأمير فيصل المنتمين للحقل التعليمي كثير الألغام، حتى دخلوا لحياته الخاصة التي يهوى فيها السفر والتصوير، وباتوا يرددون أن وزيرهم ليس إلا مبدعا في ذلك، بعد أن جعل كل أحلامهم وأهدافهم الكبرى في قائمة الانتظار.

حكاية المناهج السعودية في عهد الأمير فيصل مستمرة في الجدل، مناهضوه يبثّون الصوت خارجا أنه يسعى إلى تخفيف وجود المناهج الدينية، ووضعها على سلّم الغياب، يحاول الأمير بآلة إعلامية ضعيفة من داخل الوزارة مواجهتها لكنها تفشل كثيرا.

بعد أن اكتوى الأمير الوزير بنيران من جبهات عديدة، لم يكن أمامه سوى التسليم بطلبه الاستقالة، حيث حمل ورقته تلك للملك عبدالله أكثر من ثلاث مرات، وتُجابه بالرفض الكلامي الغاضب من الملك الإصلاحي في السعودية.

وصل إلى يقين أن تطوير التربية والتعليم، متشعب ومعقد مع جهات عديدة، منها وزارة التعليم العالي، التي تدفع بخريجيها من تخصصات تعليمية وتربوية إليه، ومن وزارة الخدمة المدنية السعودية التي تخصص 70 ٪ من عملها للمعلمين والمعلمات. حيث كانت مطالبته الأخيرة للوزارتين الأخيرتين، بـ"ترشيد القبول في أقسام التربية الخاصة".

حاول الأمير في عامه الماضي، تحقيق الدمج بين الذكور والإناث في الصفوف الأولية بطاقم نسائي في تلك الصفوف، وتحويل معلمي الصفوف الأولية الذكور إلى الصفوف العليا الأخرى، لكن كان هذا التوجه أشبه بقنابل مجتمعية في الداخل السعودي تتجاوز حدة قنابل إرهابييها.

ذلك الأمر حرك كل شيء حتى من بعض من يعتبرون أنفسهم ليبراليي الفكر، أجّل خلاله الوزير كل خططه، وأبعد قيادات عديدة لبدء مرحلة جديدة ووضع استراتيجية للتعليم السعودي، هدفها الأساسي تحقيق "مجتمع معرفي" لا يستهلكها فقط بل ينتجها.

الوزير فيصل بن عبدالله الراغب في المغادرة، أحال ملفات عديدة لشركة تطوير التعليم، لعله يتنفس في عمل إداري رأى أنه يقترب من الروتين، ليسلم هو ومن معه، من أبرزها ملفات البيئة المدرسية ومباني المدارس المتهالكة والمنتشرة في السعودية.

ومن تلك الملفات التي تُناقش على المستويات العليا "النقل المدرسي" المدعوم بمليارات لا تعد، لتخفيف حوادث المعلمات على الصعيد الأول، لكن الوزارة وقطاع النقل بها يمر بمرحلة موت في مهدها، نجاحها محدود في نقل الطلبة، وسيء في نقل المعلمات اللاتي يبّكرن في وظائفهن للموت بيد سائقين يمارسون دور القائد للقبر.

الوزير في مثوله أمام مجلس الشورى السعودي الغاضب والمغضوب عليه كذلك، "وعد" بتحسين أعمال وزارته من خلال اهتمامه برياض الأطفال التي يراها بداية مرحلة قوية لقادم تعليمي أفضل، ووعد كذلك بتشتيت اللامركزية التي أرهقته ووزارته من خلال منح إدارات التعليم الفرعية بالمناطق الصلاحيات المطلقة.

لكن، وإن تحققت من الوزير رتوش تطوير، لكنه يجابه بمجتمع في غالبه لم يعتد تقبله للتطوير، إضافة إلى توغل ديني إيديولوجي في مقار التعليم، يقوده بعض معلمي الوزارة، من خلال استغلال الأنشطة اللاصفية في تعزيز أفكارهم وتجنيد الكثير نحو عالم من الغيبيات لم يعد سوى بألم في جسد المملكة.

من المناهج السعودية، ومقراتها، وسذاجة قياداتها، كان لمن قتل وهاجر تحت مظلة الجهاد في أرجاء الأرض دور في تقبلهم واحتضانهم، وتجييش أعمار البراءة ضد سلامة بلدهم، فكانوا سهما داميا على الداخل، وكانوا كذلك سهما مسموما على مجتمع يريد الأفضل ويخشى من بعض حركيي التعليم المتدين المسيس الذين جعلوهم في مقام رجال الله على الأرض.

وإن غادر الأمير فيصل، سيكتب التاريخ بعض المحاولات منه، وسيحمل من هو بعده هماً كبيرا وربما رفضا على السير في أغوار التربية والتعليم التي تعاني من إرث جعلها في مقام العليل الباحث عن العلاج في كل مفصل فيها، رغم الميزانيات الكبرى التي تخصص لقطاع التعليم وتتجاوز أكثر من ثلثي الميزانية السعودية الكبرى.

7