الأمير محمد بن سلمان: الكاريزما السعودية الشابة

نجح الأمير محمد بن سلمان إعلاميا وسياسيا في إعطاء صورة عن السعودية الجديدة، والأهم أن يتحول ذلك إلى وقائع وقدرات في عالم يزداد خطورة.
السبت 2018/04/14
واقعية وجرأة

قال لي صديقي المستشرق الفرنسي المطلع “لم يسبق لي وأن سمعت رجل دولة شابا من بلادكم يتكلم بهذه السلاسة والطلاقة والوضوح”، وجاء ذلك بعد المؤتمر الصحافي الذي جمع في قصر الإيليزيه بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

ورأي هذه الشخصية التي أتحاور معها منذ زمن طويل لا ينطوي على المجاملة، وهو في الغالب ينتقد الأداء السياسي العربي ويلمح أمامي إلى ضرورة اضطلاع النخب بمسؤولياتها، ولكنه وجد في “أم بي أس” (الاختصار باللغتين الفرنسية والإنكليزية للقب ولي العهد السعودي) القيادة التي تتوجه إلى العقل الغربي وتتكلم بمفرداته.

وبالطبع تدل هذه الشهادة على الحضور الناجح لولي العهد السعودي في جولته العالمية الأولى في تحسين صورة بلاده، والإحاطة بالتحديات التي تواجهها وتواجه العالمين العربي والإسلامي.

بيد أن محك النجاح لنهج المسؤول الشاب سيكون في قدرته على إنجاز التحولات الداخلية والتعامل مع المخاطر الخارجية في منطقة موجودة على صفيح ساخن في سياق الفوضى التدميرية.

انطلاقا من جمهورية مصر العربية التي تمثل العمق الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية بدأ ولي العهد السعودي أول جولة خارجية واسعة قادته إلى لندن وواشنطن وباريس ومدريد، وأبرزت مقاربة جديدة للسياسة الخارجية لبلاده والتعاطي مع صناع القرار الدولي.

وتبدو الزعامة السعودية الصاعدة المتمثلة بشخص الأمير محمد بن سلمان أمام منعطف تاريخي في تحقيق نقلة جذرية للمملكة نحو عصر ما بعد النفط والتأقلم مع الثورة الرقمية. وكذلك المواءمة بين خيار الحداثة والمعاصرة المدروس وخيار الأصالة المستندة إلى قراءة صحيحة للدين الإسلامي بعيدة عن التطرف ورفض الآخر.

في واقع الأمر، منذ 1932 إلى يومنا هذا توالى ستة ملوك من أبناء المؤسس. وإذا ارتبط اسم الملك الثالث فيصل بن عبدالعزيز (1964 – 1975) بإرساء أسس الدولة الحديثة، فإن اسم الملك السابق عبدالله بن عبدالعزيز (2005 – 2015) قد كان مرادفا لمكافحة التشدد وبدايات الإصلاح وتصعيد دور المملكة الإقليمي والإسلامي والعالمي، أما خادم الحرمين الشريفين الملك الحالي سلمان بن عبدالعزيز فقد ارتبط اسمه بالعزم في المواجهة الإقليمية والدولية للدفاع عن بلاده ومحيطها وفتح درب الإصلاح ورؤية 2030 التي يشرف عليها ولي عهده الأمير محمد بن سلمان والتي تركز أسس السعودية المستقبلية.

تبدو الزعامة السعودية الصاعدة المتمثلة بشخص الأمير محمد بن سلمان أمام منعطف تاريخي في تحقيق نقلة جذرية للمملكة نحو عصر ما بعد النفط والتأقلم مع الثورة الرقمية

في الماضي وصف الأديب والرحالة أمين الريحاني الملك عبدالعزيز آل سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية، بأنه “سياسي محنك وقائد باسل وحاكم عادل، إنه رجل نجد ابن البادية ينبغ فيها من حين إلى حين كبار الرجال، فيظهرون فجأة ويسودون الناس بالعقل قبل أن يسودوهم بالسيف”. وهذا التوصيف للملك عبدالعزيز الذي أبرم اتفاق كوينسي مع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في فبراير 1945، يمكن أن ينطبق في أيامنا هذه على حفيده الأمير محمد بن سلمان الذي بدا حازما ومصلحا في الداخل، ومحنكا ومبادرا في الخارج.

من خلال إبراز عناصر القوة لبلاده المتمتعة بموقع جيوسياسي مميز ولكونها بلدا عربيا وإسلاميا مركزيا ومن أبرز منتجي الطاقة وذات الاقتصاد الواعد وقوة الضرب المالية والجيل الشاب المتحفز، صاغ ولي العهد السعودي رؤية 2030 وفق منهج التخطيط الاستراتيجي واستشراف المستقبل. في رهاناته يعتمد الأمير الشاب على ألوف المبتعثين السعوديين حول العالم وعلى نخب شابة استفادت في العقدين الأخيرين من فرص كبيرة لتكوين الكوادر المحلية في كل المجالات، ومما لا شك فيه أن مسألة توطين التكنولوجيا والمشاريع الاستثمارية المشتركة التي كانت محور العقود المبرمة في الجولة الخارجية تخدم السعودية وشبابها مما يزيد من فرص العمل ويرفع من إنتاجية الفرد على أرض وطنه ويزيد مداخيل البلاد. وهذا أمر بغاية الأهمية، إذ بالرغم من منفعة تلك الصفقات للدول المضيفة وأهمية التنافس لكسبها في التجاذب السياسي الإقليمي، فإن “التوطين” ونقل الصناعات إلى السعودية كانا عنصرين إلزاميين لإنجاح رهاناته في التحديث والتنمية، لتصبح السعودية في مصاف الدول المتقدمة في كل المجالات: العسكرية والاقتصادية والتعليمية والتقنية، ولتكون بيئة للاستثمار.

سنحت لي الفرصة أن أتابع في باريس نشاط مؤسسة الأمير محمد بن سلمان الخيرية “مسك” التي قدمت نماذج سعودية شابة وواعدة وعقدت شراكات خلال الجولة الخارجية من أجل جيل فاعل ومتطور. أمام مضيفيه وجمهور السياسيين الغـربي ووسائل الإعلام المرئية والمكتوبة كانت كاريزما الأمير محمد بن سلمان حاضرة إلى جانب الواقعية والجرأة في أجوبته ومداخلاته والحديث عما كان محظورا ومن غير المسموح به سابقا.

والمثل الأبرز كان تطرق الأمير محمد بن سلمان إلى اتفاق ميونيخ 1938 الذي جرى تذكير الغرب به وخطورة الموافقة على صك استسلام أمام هتلر جلب للكثير في أوروبا العار والهزيمة قبل أن تدور الدوائر عليها في الحرب العالمية الثانية. وهذا التحذير يرتبط بسعي بعض الأوروبيين للمساومة مع طهران على حساب الأمن القومي السعودي والعربي. وجاء ذلـك في سياق تحديد المسؤول السعودي لمكامن الخطر من التوسع الإيراني والبرنامجين النووي والباليستي لطهران.

نجح الأمير محمد بن سلمان إعلاميا وسياسيا في إعطاء صورة عن السعودية الجديدة، والأهم أن يتحول ذلك إلى وقائع وقدرات في عالم يزداد خطورة وتحتدم فيه التنافسية على كل الأصعدة.

9