الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد: الدخول بقوة في مرحلة التغيير

صدر مرسوم ملكي بالسعودية يقضي باختيار الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد بعد إعفاء الأمير محمد بن نايف من المنصب، في إعلان لقي موافقة من السعوديين وترحيبا دوليا بهذه الخطوة التي تفتح الباب أمام جيل شاب لتولي القيادة والمشاركة في صناعة القرار، في ظل ظرف إقليمي مضطرب وتحولات دولية تحكمها من جهة السياسات الدولية غير المتوزانة ومن جهة أخرى أسعار النفط غير المستقرة.
الخميس 2017/06/22
فسح المجال أمام الجيل الثاني

الرياض – أصدر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، فجر الأربعاء 21 يونيو 2017، أمرا ملكيا يقضي بتعيين فيه الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد، وإعفاء الأمير محمد بن نايف من ولاية العهد ومن منصبيه نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للداخلية. وفيما يقضي المرسوم الملكي بأن يتولى الأمير محمد بن سلمان منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، ستذهب حقيبة الداخلية إلى الأمير الشاب عبدالعزيز بن سعود بن نايف.

تحمل هذه القرارات، وهي من جملة قرارات ملكية أصدرها الملك سلمان بن عبدالعزيز شملت تعيينات جديدة وإعادة توزيع مناصب مسؤولين ومستشارين في الدولة، قراءاتها بين طياتها وتستمد تفسيراتها من جملة الأحداث والتطورات الإقليمية والعالمية والتي انعكست على السياسات الداخلية في المملكة.

والمتابع لسير الأحداث في السعودية منذ اعتلاء الملك سلمان بن عبدالعزيز عرش المملكة خلفا للراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، في 23 يناير 2015، يتبين له أن هذه القرارات التي وصفها البعض بالمفاجئة وحاول البعض الآخر توظيفها في خارج سياقها، إنما هي جزء من سياسة فرضها الظرف الإقليمي القلق وتوجه عالمي، اقتصادي وسياسي، يفرض على المملكة العربية السعودية إعادة التموضع.

وأعطت القرارات مؤشرا على الملامح العامة للعهد الجديد، إذ أشارت إلى ضرورة العمل الجاد لاستمرار نمو الدولة في ظل الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي يشهدها العالم، وأهمية مواكبة التحولات السريعة في كل المجالات.

وبتعيين الأمير محمد وليا للعهد، يكون الملك سلمان عدل بأمر ملكي ترتيب الخلافة التي كانت تقتصر حتى الآن على أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز، مفسحا المجال للانتقال إلى حكم الجيل الثاني، لكن لم يقتصر الأمر على التعديل فحسب، بل شمله قرار آخر أكثر أهمية يتعلق بتعديل النظام الأساسي للحكم في السعودية.

وجاء في الأمر الملكي الخاص بتعديل نظام الحكم أنه “تعدل الفقرة (ب) من المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم لتكون بالنص الآتي ‘يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز وأبناء الأبناء، ويبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . ولا يكون من بعد أبناء الملك المؤسس ملك وولي للعهد من فرع واحد من ذرية الملك المؤسس”.

وبموجب التعديل تمت إضافة جملة تنصّ على أنه “لا يكون من بعد أبناء الملك المؤسس ملك وولي للعهد من فرع واحد من ذرية الملك المؤسس”.

ويعني بذلك هذا التعديل أن ملك السعودية القادم في حال لم يكن من أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز، وكان من أحفاده، فإن ولي عهده يجب أن يكون من فرع آخر من ذرية الملك عبدالعزيز، فيما يعني أن الملك (لو كان من أحفاد الملك عبدالعزيز) لا يستطيع تعيين نجله وليا للعهد.

وقد جاءت موافقة معظم أفراد الأسرة على هذه القرارات ومبايعتهم للأمير محمد بن سلمان وليا للعهد لتبدد الأحاديث عن صراع على السلطة في السعودية. وكان أول من بايع ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف.

وبعث الأمير محمد برسالة خطية إلى الملك سلمان، بحسب وكالة الأنباء السعودية التي قالت إن الأمير نايف تمنى لولي العهد الجديد “التوفيق”.

تداول سلس برؤية واضحة

عقيدة الملك سلمان

عندما استلم الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم لم يكن الوضع يسمح بأن يواصل السير على نهج سلفه، خصوصا في مجال السياسة الخارجية. واقتضى الوضع الإقليمي وسياسة الحلفاء الأميركيين مراجعة السياسات الخارجية قبل الداخلية.

واتخذ العاهل السعودي والمحيطون به، خصوصا الأمير محمد بن سلمان، خطوات وقرارات تمثل اختلافا جذريا مع نمط حكم ساد لعقود. وبدأت الرياض تكشف عن ملامح سياسة أكثر حرأة.

ويقول آدم بارون الباحث الزائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إن “التحول الرئيسي في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز هو السياسة الخارجية الأكثر حزما”. ويضيف موضّحا “رأينا السعوديين يتبنون دورا قياديا أكثر صرامة في المنطقة”.

وأقدمت الرياض على أبرز خطوة في سياستها الإقليمية وهي التدخّل عسكريا في اليمن بعد شهرين من تولي الملك سلمان الحكم واستلام الأمير محمد بن سلمان وزارة الدفاع ليجد نفسه في الصفوف الأمامية للحرب.

وكان ذلك بداية تعرف السعوديين والعالم على الأمير السعودي الشاب، وبدأت تتغير معه النظرة التقليدية التي ينظر بها العالم إلى الدولة النفطية الغنية حليفة الولايات المتحدة التي لا تخالفها سياسة ورأيا.

فرضت عقيدة الملك سلمان التوازن والجمع بين خبرة وتأني القادة الشيوخ وحماسة وطموح القادة الشباب، بما خلق تركيبة جديدة داخل مراكز صناعة القرار السعودي بدأت نتائجها تتوضح على مستوى السياسات الداخلية والخارجية، جعلت من الرياض في مصاف صانعي القرارات وقادرة على اتخاذ وفرض مواقف حاسمة بشكل منعزل بما يناسب مصالحها العليا، ومثال ذلك قرارا عاصفة الحزم ومقاطعة قطر.

ويأتي قرار تغيير ولاية العهد لصالح الأمير محمد بن سلمان ليؤكد على أن المملكة العربية السعودية ستواصل العمل بنفس العقيدة.

ويرى الكاتب السعودي غازي الحارثي أن السعودية تسير على مسارات مستقرة في تعاملها مع الملفات الدولية والإقليمية، وأن تعيين الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد لن يغير في إستراتيجية السعودية بمقدار ما سيدفع البلد للاستمرار بسياساتها.

غازي الحارثي: السعودية تسير على مسارات مستقرة في تعاملها مع الملفات الدولية

ويقول الحارثي لـ”العرب” “لن يطرأ تغيير على إستراتيجية المملكة في مواجهة التمدد الإيراني بالتحديد خصوصا أنه لا تغيير جوهريا في رأس السلطة جرى، فالأمير محمد بن سلمان كان النائب الثاني للملك وأصبح النائب الأول”.

رغم صغر سن ولي العهد إلا أن قرار التعيين لم يكن بالمفاجئ، قياسا لتولي الأمير محمد بن سلمان الكثير من الملفات الداخلية والخارجية. ولا يشغل الأمير محمد بن سلمان منصب وزير الدفاع فقط، بل هو أيضا رئيس الديوان الملكي والمستشار الخاص للملك، كما أنه عضو في مجلس الشؤون السياسية والأمنية ورئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية ورئيس المجلس الأعلى لشؤون البترول والمعادن المشرف على إدارة شركة أرامكو النفطية الوطنية.

وجاء في سيرة ذاتية نشرتها مؤسسة مسك التي أسسها الأمير محمد بن سلمان لتنمية الشباب، أن الأمير محمد لديه عشر سنوات من الخبرة المهنية وهو ناشط في المجال الخيري.

ويحمل الأمير محمد إجازة في الحقوق من جامعة الملك سعود وقد أصبح في 2009 مستشارا خاصا لوالده الذي كان حينها أميرا للرياض، قبل أن يصبح في 2013 رئيسا لديوان والده الذي أصبح وليا للعهد.

وفي أبريل 2014، عين الأمير محمد بن سلمان وزيرا للدولة وعضوا في مجلس الوزراء قبل أن يعين في منصب وزير الدفاع ورئيس الديوان الملكي مع اعتلاء والده سدة الحكم.

ويقول الضابط السابق في الاستخبارات الأميركية بروس ريديل الذي يدير مشروع معهد بروكينغز في واشنطن، “معروف عن الأمير محمد أنه متحمس وطموح”، فيما اعتبرت إيلينا سوبونينا، الخبيرة الروسية في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن تعيينه وليا للعهد خطوة هامة تؤكد على إدراك المملكة للحاجة الماسة إلى الإصلاح الاقتصادي والسياسي.

رؤية السعودية 2030

لئن ارتبط اسم الأمير محمد بن سلمان بعاصفة الحزم في اليمن في البداية، إلا أن النقلة النوعية والأكبر كانت مع إعلانه عن رؤية السعودية 2030، وهي بوابة التغيير التي ستنقل المملكة العربية السعودية نحو مرحلة جديدة شابة وقوية لتحقيق الإصلاح والتطوير والتنمية بما يتناسب مع الاحتياجات الداخلية والتطورات العالمية. وشملت هذه الرؤية إصلاحات تنموية واقتصادية ودفاعية واعتمدت خطة شاملة لإعداد المملكة لعصر ما بعد النفط.

وبعد مرور عام على إعلان رؤية السعودية 2030 بات من الواضح أن المملكة مصممة على المضي قدما في مشروع التحديث والتطوير. وبدأت نتائج هذه التغييرات تظهر، فقبل فترة قصيرة أعلنت فيها السعودية عن تراجع العجز في ميزانيتها.

ويقول السعوديون إن أبرز تغيير اجتماعي يحسب للأمير محمد بن سلمان كان إعادة تنظيم آلية عمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتجريدها من سلطة القبض على الناس.

وتوقع برنارد هيكل أستاذ دراسات الشرق الأدنى بجامعة برينستون، أن تتمكن الدولة السعودية، التي وصفها بأنها تتمتع بقوة ساحقة، من تنفيذ إصلاحاتها رغم قلق المحافظين على أساس أنها ضرورية من أجل البقاء الاقتصادي.

عوض الفياض: التغييرات في السعودية باعثة على القلق لمعسكر إيران وحلفائها

وفي ظل التمسك بالمضي قدما نحو هذه الإصلاحات يضع المراقبون والخبراء المراسم الملكية الأخيرة.

وعلقت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية على هذه التغييرات مشيرة إلى أنها تشكل “تحولا كبيرا في هيكل القيادة في السعودية أكبر اقتصاد عربي وأقوى حليف للولايات المتحدة في المنطقة”.

وقالت إن ”الكثيرين يؤكدون أن الأمير محمد بن سلمان هو شخصية جادة وأنه يشكل الأمل في تحقيق مستقبل جيد للمملكة وخاصة لشبابها، كما يصفونه بأنه شاب طموح جدا يسعى لتحويل المملكة لتصبح قوة اقتصادية كبيرة”.

الموقف من قطر

تأتي قرارات الملك سلمان الأخيرة، التي توقعت صحيفة واشنطن بوست أن تكون تأثيراتها إيجابية على المملكة وعلى المنطقة بأسرها، في خضم أزمة عميقة بين قطر من جهة والسعودية وحلفائها من جهة أخرى، بعد قطع السعودية العلاقات مع الدوحة في 5 يونيو.

وسيلعب ولي العهد الجديد دورا بارزا بالتأكيد في إدارة هذه الأزمة غير المسبوقة في العلاقات بين دول الخليج العربية.

ويشير غازي الحارثي إلى الدور المحوري الذي يلعبه الأمير محمد بن سلمان في قيادة ملفات محورية في السعودية، ويقول عنه “هو قائد وعرّاب السياسات الخارجية حتى ما يتعلق منها بالإخوان المسلمين وحاضنتهم قطر، وتُعرف آراؤه بأنها حادة تجاههم حيث أوصلهم إلى مرحلة أن وضع معسكر دول العزلة (إيران، قطر) وتركيا في سلة واحدة وأثبتت ردود الفعل صواب نظريته”.

ولا يعتقد الحارثي تغييرا على مستوى إستراتيجية مواجهة إيران لكنه يتوقع “نوعا جديدا من التعامل مع قطر والإسلاميين في الفترة القادمة”.

ويعتقد الكاتب السعودي عوض الفياض أن التغييرات في المملكة العربية السعودية تقلق معسكر إيران وحلفائها. ويقول لـ”العرب” “سنشهد المزيد من التشدد تجاه التوسع الإيراني والمزيد من الحراك السعودي الرامي لإطفاء الحرائق في المنطقة”.

وقالت صحيفة واشنطن بوست إن الأمير محمد بن سلمان “يتمتع بشعبية كبيرة داخل وخارج السعودية، وهو يشرف شخصيا على تحسين العلاقات مع دول العالم، وعلى برامج تهدف إلى دعم الاقتصاد الوطني لتحقيق نمو متواصل بمعزل عن تقلبات أسعار النفط”.

ويؤكد على ذلك الفياض، مشيرا إلى دور الأمير محمد بن سلمان في نسج العلاقات الدولية وتمكينها ولما ذلك من أثر على تضييق نفوذ إيران في المنطقة.

ويقول الفياض “لن يغيب عن ذهن طهران وحلفائها أن العلاقات السعودية الأميركية في أقوى أوقاتها في هذه المرحلة، خصوصا وأن الأمير محمد بن سلمان يحظى بحضور دولي واسع ويملك رؤية تلقى قبولا كبيرا من زعماء الدول المؤثرة على المسرح الدولي، حيث تمكن ولي العهد من تكثيف وجهة النظر السعودية حول قضايا المنطقة في كل من واشنطن وموسكو، اتساقا مع قدرته على جذب المزيد من التحالفات الإقليمية وعلى مستوى إسلامي وعربي لصالح رؤية السعودية“.

ويؤكد الفياض أن السعودية ستعمل على تفعيل أكبر لدور التحالف الإسلامي ومحاصرة إيران في ملفات إقليمية، متوقعا “إعطاء التقارب العربي المزيد من الاهتمام والقضاء على أذرع إيران في المنطقة ودعم مشاريع الاستقرار والتنمية في الداخل بما يخلق تكاملا في طريق السعودية نحو التغيير”.

6