الأمير محمد بن سلمان يجدد أقدم صداقة بين لندن والرياض

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان: نحن لا نملك أفضل سجل في حقوق الإنسان، لكننا نتحسن.
الأربعاء 2018/03/07
شراكة واعدة

لندن - على مدى سنوات طويلة تعوّد العالم، بشقيه العربي والغربي، على النظر إلى المملكة العربية السعودية من خلال زاوية نمطية محددة بقواعد المحافظة إلى حد التشدّد على مستوى العقد الاجتماعي الداخلي وبالتبعية إلى الخارج، وتحديدا الولايات المتحدة الأميركية، على مستوى السياسة الخارجية، والاعتماد الكامل على النفط، على مستوى الاقتصاد، لذلك شكل التغيير الذي جاء به ولي العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان صدمة للخارج قبل الداخل. صدم الرأي العام العالمي والإعلام الغربي ومنظمات توصف بالحقوقية، تعيش من نقد حقوق الإنسان في السعودية، من هذا التغيير الذي يجري في السعودية بخطى سريعة، وما سيل المقالات والتقارير التي كتبت على خلفية زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى بريطانيا والولايات المتحدة سوى دليل على هذه الصدمة، بين مشكك غير راغب في تصديق أن السعودية تتغير، ومشكك يأمل في أن تنجح الصحوة السعودية في رؤيتها الجديدة بما يلبي تطلعات السعوديين الذين يشكل الشباب الجزء الأكبر منهم، وطموحات مستثمرين من مختلف أنحاء العالم يتطلعون إلى ما تملكه المملكة من فرص واعدة وحكومات ومسؤولين سياسيين يعلمون مدى تأثير السعودية في العالمين الإسلامي والعربي ودورها في الملفات الإقليمية.

ويتطلع المراقبون إلى زيارة ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان إلى بريطانيا بصفتها أول إطلالة رسمية له على العالم الغربي بعد تعيينه وليا للعهد؛ وبالتالي فهي تمثل عزما من قبل الأمير الشاب على تقديم بلاده للعالم بعد سلسلة الإجراءات والتدابير التي اعتبرت صادمة في الداخل السعودي من أجل تحقيق إصلاحات عامة تشمل ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي في البلاد.

ويقول المراقبون إن ما عُدّ صدمة بالنسبة للسعوديين، كما للمعنيين بشؤون السعودية، كان ضرورة لإحداث نقلة نوعية في راهن البلاد ونقلها من مرحلة التناوب التقليدي للسلطة بين ملك وآخر إلى مرحلة تحديثية تحاكي شروط العصر كما حاجة السعودية والسعوديين إلى الاتساق مع قواعد ومعايير العصر الراهن.

جولة استثمارية أميركية

لندن - يريد الأمير محمد بن سلمان لجولته أن تكون عملية وتترجم فعليا رؤية التحول من خلال الاتفاقيات التي سيجري توقيعها. وستكون زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية الحلقة المكمّلة لزيارته إلى مصر وبريطانيا. وكان الأمير محمد زار الولايات المتحدة في 2016، وهو ولي لولي العهد. وسيعقد الأمير محمد محادثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل التوجه إلى نيويورك وبوسطن وهيوستن وسان فرانسيسكو لحضور اجتماعات مع قيادات الصناعة في إطار سعيه لدعم الاستثمارات والتأييد السياسي من أوثق حلفاء المملكة في الغرب. وقال مصدر في واشنطن إن العشرات من كبار المديرين التنفيذيين في السعودية سينضمون إليه في استكشاف الفرص الاستثمارية في المملكة لا سيما في مجالات التكنولوجيا والترفيه والسياحة. وذكرت وكالة رويترز أن المحادثات ستتناول عرضا أميركيا لبناء محطتين نوويتين في السعودية واتفاقا للتعاون في مجال الاستخدامات المدنية للطاقة النووية يتعين إبرامه من أجل هذا الغرض. وتريد الرياض تنويع مصادر الطاقة بما يمكنها من زيادة صادراتها من النفط الخام بدلا من حرقه لتوليد الكهرباء، غير أنها رفضت في السابق توقيع أي اتفاق من شأنه أن يحرمها من إمكانية تخصيب اليورانيوم مستقبلا. وقال مسؤول أميركي كبير إن جدول الأعمال السياسي في واشنطن سيتضمن مسعى جديدا لإنهاء نزاع بين حلفاء الولايات المتحدة العرب أدى إلى عزل قطر واتهامها بدعم الإرهاب، لكن الأمير محمد بن سلمان أوضح في تصريحات، عشية زيارته إلى الولايات المتحدة أن ملف المقاطعة ليس أولوية على جدول أعمال بلاده، ما يقلل من صحة تلك المعلومات التي أدلى بها المسؤول الأميركي بشأن إنهاء النزاع مع الدوحة. وبالمقابل تجمع الآراء على أن ولي العهد السعودي سيسعى لتعزيز موقف بلاده في مواجهة إيران، لا سيما وأن الموقف الأميركي في عهد ترامب يتطابق مع الموقف السعودي سواء في مسألتي البرنامج النووي والصاروخي الإيرانيين، أو في مسألة السلوك الإيراني العدواني الذي تمارسه طهران داخل دول المنطقة.

وفيما أرسلت المراكز المالية في العالم تحفظا على المناخ الاستثماري في السعودية بعد مجموعة من الإجراءات التي اتخذتها الرياض ضد رجال أعمال متنفذين في المملكة، يسعى الأمير محمد إلى إقناع حلفائه في بريطانيا والولايات المتحدة بأن أسلوب الصدمة الذي اتبعته المملكة في تطبيق الإصلاحات قد يجعل من بلاده مكانا أفضل للاستثمار ومجتمعا أكثر تسامحا.

ورغم ما تنقله الصحافة الغربية من أسئلة حول ما يجري في المملكة العربية السعودية ومستقبلها، إلا أن الأمير محمد، الذي يبدأ محادثاته في لندن اليوم الأربعاء، حصل على إشادة من الغرب في مسألة سعيه لتقليل اعتماد بلاده على النفط ومعالجة فساد مزمن وتغيير صورة الإفراط في التزمّت التي التصقت بالمملكة.

وفي هذا الصدد، يجهد ولي عهد السعودية، سواء في زيارته إلى مصر، وبعد ذلك إلى بريطانيا والولايات المتحدة واحتمالا إلى فرنسا، إلى إقناع البيئة الاستثمارية الدولية بالنظر بعين مطمئنة إلى سوق الاستثمار الواعد في السعودية، مدركا أن همم بعض المستثمرين فترت من شدة الحملة على الفساد والسرية التي اكتنفتها في نوفمبر الماضي.

ويلفت خبراء الشؤون المالية إلى أن هذه البرودة التي شابت دوائر الاستثمار بانتظار جلاء الأمور في السعودية، تتناقض في ذلك مع واقع التنافس القائم حاليا بين لندن ونيويورك اللتين تتنافسان على استضافة الطرح الأولي العام الجزئي لأسهم شركة أرامكو، عملاق صناعة النفط في السعودية.

ويضيف هؤلاء أن الأمير محمد يتحرك نحو الدول الغربية وأسواقها المالية لتبديد هواجس رجال الأعمال الذين قد تكون قد ضعفت حماستهم بسبب ضبابية الشؤون المتعلقة بشروط الاستثمار القانونية كما بأجواء الاستثمار التي توفرها الظروف الداخلية والسياسية للمملكة.

وينقل عن خبراء في شؤون البورصات الدولية أن المركزين الماليين في لندن ونيويورك يتابعان باهتمام تفاصيل جولة الأمير محمد وما يصدر عنه من مواقف من أجل جذب السعودية باتجاه الاختيار بين بورصتي المدينتين لقيد أسهم أرامكو في أي منهما، وهو الأمر المتوقع أن يتم في وقت لاحق من العام الجاري.

وقالت جين كيننمونت، الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط في المعهد الملكي البريطاني للشؤون الخارجية تشاتام هاوس، “المستثمرون مفتونون بمشروع الإصلاح الذي يتبناه الأمير محمد وسيكون الاهتمام هائلا بالاستماع لآرائه غير أن الغموض لا يزال قائما”.

إلا أن ريتشل ريفز، رئيسة لجنة الأعمال ذات النفوذ الواسع في البرلمان البريطاني، حذّرت من المخاطرة بسمعة بريطانيا كمركز مالي من خلال التخفيف من قواعد حوكمة الشركات من أجل ضمان الفوز بطرح أرامكو. وقالت إن ذلك قد “يضر في النهاية بقدرتنا على جذب الاستثمار الأجنبي”.

وقدّم الأمير محمد بن سلمان بعضا من التوضيح حول الجدل الدائر بخصوص التحولات “الصادمة” في السعودية، في مقابلة حصرية مع صحيفة التليغراف، قال فيها إنه يأمل في أن تكون الشركات البريطانية قادرة على الاستفادة من التغيرات العميقة التي تحدث في بلاده بعد إتمام مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وأوضح قائلا “نحن نعتقد بأن السعودية بحاجة إلى أن تكون جزءا من الاقتصاد العالمي. إن الشعب بحاجة إلى أن يكون قادرا على التحرك بحرية، كما أننا بحاجة إلى تطبيق المعايير المماثلة لبقية دول العالم”.

وأكّد أنه “بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ستكون هناك فرص ضخمة لبريطانيا نتيجة للرؤية 2030”.

وكان الأمير محمد دافع عن الحملة التي شنتها السعودية في نوفمبر وأوقفت فيها العشرات من كبار رجال الأعمال والأمراء ووصفها بأنها ضرورية لمكافحة “سرطان الفساد”. وأخلي سبيل معظم الموقوفين وتقول السلطات إنها توصلت إلى ترتيبات تحصل الدولة بمقتضاها على أصول تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار.

وفي انتظار وصول ولي العهد السعودي إلى لندن، كتبت ديلي تليغراف تقريرا بعنوان “مستقبل السعودية”. قالت فيه “ليس من المعتاد أن تثير زيارة مسؤول غير رأس الدولة مثل هذا الاهتمام الذي تثيره زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى بريطانيا”.

الإنصات إلى أصحاب القرار

بعد أن استقبل الأمير محمد بن سلمان السنة الماضية العديد من القادة وتحاور مع المسؤولين من مختلف أنحاء العالم، في الرياض، تأتي جولته الخارجية بهدف تقديم رؤاه السياسية والاقتصادية والاطلاع على الأجواء الدولية من خلال الإنصات إلى أصحاب القرار في عقر دارهم، وهذا أمر سيتم تحقيقه في بريطانيا مع رئيسة الوزراء تيريزا ماي وفي الولايات المتحدة عندما يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال زيارته لها في 19 مارس.

وسيعقد الأمير محمد لقاء نادرا مع الملكة إليزابيث وسيحضر مأدبة عشاء مع الأمير تشارلز ولي العهد البريطاني، في احتفاء يعكس عزما بريطانيا على رعاية الأمير الشاب واعتماده من قبل عواصم القرار شريكا في تحديد راهن العالم ومستقبله.

وأثنى الأمير محمد في حديثه للتليغراف على “العلاقة التاريخية بين السعودية وبريطانيا والتي تعود إلى تأسيس المملكة”، مشيرا إلى البلدين تجمعهما “مصالح مشتركة”.

ويتوقف المراقبون كثيرا عند المحادثات التي سيجريها ولي عهد السعودية مع قيادات دينية في بريطانيا، من بينها كبير أساقفة كانتربري، رأس الكنيسة الإنكليزية، لا سيما أن الأمر يلي المحادثات التي أجراها في مصر مع قيادات الكنيسة القبطية، بما عدّ ثورة في تعامل القيادة السعودية مع الأديان الأخرى ويعزز صورة التسامح والانفتاح التي يريد الأمير محمد أن تتسم بها بلاده.

ويجمع المراقبون للشؤون السعودية على أن “ثورة” ثقافية بدأت في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز والتي ارتبطت ارتباطا وثيقا بولي العهد، من خلال تخفيف القيود الاجتماعية مثل حظر دور السينما وقيادة النساء للسيارات وإنشاء هيئة الترفيه، فيما وعد الأمير بالعمل على نشر الاعتدال الإسلامي.

وقال الأمير محمد للتليغراف إن “الناس في السعودية يسافرون إلى دول مثل بريطانيا ويرون طريقة مختلفة للحياة”. وقالت مصادر بريطانية وسعودية إنه من الممكن إبرام صفقات مع مجموعة (بي.إيه.إي سيستمز) البريطانية للصناعات الدفاعية وشركة (إم.بي.دي.إيه) الأوروبية لصناعة السلاح وتتوقع إبرام اتفاقات أولية في مجالات التنقيب عن الغاز والبتروكيماويات والصناعة. ولم تذكر المصادر أي تفاصيل عن الصفقات المحتملة.

وأشاد وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون بالروابط الأمنية مع “واحد من أقدم أصدقاء بريطانيا في المنطقة” وذلك في مقال صحافي الأسبوع الماضي تطرق فيه إلى الإصلاحات التي ينفذها الأمير محمد.

جزء من هذا العالم

تختصر رؤية الأمير محمد بن سلمان رغبته في أن تكون بلاده جزءا من هذا العالم تتأثر به وتؤثر فيه. وتكشف إلى أي مدى يريد إخراج بلاده من ذلك الاستثناء الذي اعتمدته السعودية تأثرا بموسم “الصحوة” الدينية الذي تواكب مع قيام الجمهورية الإسلامية في إيران.

وقال ولي العهد للصحيفة البريطانية إن “الشعب البريطاني والسعودي بجانب بقية العالم سيكونون أكثر أمنا إذا كانت لديك علاقة قوية مع السعودية”. وفهم المراقبون من هذا التصريح أن الأمير محمد يخبر بريطانيا بأن مصالح العالم في الأمن والازدهار والرخاء والاستقرار تكمن في التعاون مع السعودية الجديدة في ما تطلقه من قيم وما تحققه من إصلاحات.

ومن المقرر أن يعقد الأمير محمد اجتماعات خاصة مع رئيسي جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (إم أي 5) ورئيس جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (إم أي 6)، بالإضافة إلى دعوته لحضور اجتماع مجلس الأمن القومي، وهو امتياز من النادر أن تحظى به الشخصيات الخارجية الزائرة.

متابعة الإعلام لزيارة الأمير محمد بن سلمان لبريطانيا تكشف أن العالم متفائل بالتغيير في السعودية أكثر من السعوديين

ويعتقد ولي العهد أن استمرار التعاون الوثيق بين الرياض ووكالات الاستخبارات الغربية، مثل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني، أمر حيوي لكسب هذه المعركة، حيث أن السعوديين قادرون على توفير المواد الخام، في حين أن خبراء الاستخبارات الغربية يملكون المهارات اللازمة لتحليلها.

ويرى الأمير محمد أن آفة الإرهاب باتت دولية ومعولمة تطال كافة بلدان وشعوب العالم. وأضاف أن “المتطرفين والإرهابيين مرتبطون من خلال نشر أجندتهم (..) ونحن بحاجة إلى العمل لترويج الإسلام المعتدل”.

وفيما تروّج في بريطانيا مسألة حقوق الإنسان في السعودية، يدرك الأمير محمد محورية هذه المسألة في السجال الدولي.

وحين تسأل التليغراف ولعي عهد السعودية حول هذه القضية يجيب “نحن لا نملك أفضل سجل في حقوق الإنسان، لكننا نتحسن، وقد أحرزنا تقدما كبيرا في وقت قصير”، وهو أمر اعتبره المراقبون في بريطانيا تحولا كبيرا في الكيفية التي تقارب بها الرياض المسألة من حيث الاعتراف بها والاعتراف بأن جهودا تبذل دون خجل أو تردد لرفع مستوى الأداء وفق ما تتطلبه روحية التسامح والانفتاح التي يبشّر بها ولي عهد البلاد.

7