الأمير محمد بن سلمان: ينبغي استغلال العقلية الاستثمارية السعودية

أعلن ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن خطة إصلاحات واسعة قال إنها ستحول المملكة إلى قوة استثمارية عالمية وتنهي اعتماد أكبر مصدر للنفط في العالم على الخام بحلول العام 2020. وجاءت تصريحات الأمير محمد بن سلمان، الذي يتولى أيضا منصب وزير الدفاع ويرأس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية في مقابلة مع قناة "العربية"، أبرز خلالها أهم الخطط التي ستعتمد عليها السعودية حتى “تعيش دون نفط”.
الثلاثاء 2016/04/26
الذهاب إلى المستقبل بحزمة إصلاحات غير مسبوقة

الرياض - أقر مجلس الوزراء السعودي، الاثنين، خطة إصلاحات اقتصادية واسعة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، في خطوة تأتي متوازية مع إصلاحات وتغييرات أخرى على الصعيدين الداخلي والخارجي، وهي تغييرات تكمّل بعضها البعض لنحت ملامح الصورة الجديدة للمملكة العربية السعودية.

ويرجع الخبراء جانبا أساسيا من هذا التغيير إلى دفع من ولي ولي العهد ووزير الدفاع، الأمير محمد بن سلمان الذي، يمثل جيل الشباب، والذي يترأس مجلس الشؤون الاقتصادية. وقد أكّد الأمير محمد بن سلمان، خلال حوار له مع قناة العربية، أن رؤية السعودية 2030 هي “خارطة الطريق لاقتصاد المملكة لمدة 15 سنة قادمة”.

ورغم أن هذه الرؤية، وكما قال الأمير محمد بن سلمان، في حوار مع قناة العربية، “تضمّ محتويات كثيرة جدّا”، إلا أن التركيز انصبّ أكثر على النقطة التي تتعلّق بخصخصة جزء من عملاق الطاقة شركة أرامكو، التي تمتلكها الحكومة السعودية، والتي قال عنها الأمير محمد إنها “مفتاح أساسي لرؤية المملكة للعام 2030 وخطط الرؤية ولنهضة الاقتصاد ونهضة المملكة العربية السعودية”. لكنه استطرّد مؤكّدا أن “الرؤية هي خارطة طريق لأهدافنا في التنمية والاقتصاد، وفيها نقاط كثيرة، يجب أن لا نختزلها بأرامكو”.

ويرى خبراء ومتابعون أن الأمير محمد بن سلمان مُكلف بتحديث الاقتصاد السعودي وخصخصة شركة أرامكو والشركات التابعة لها وفي حال تنفيذه سيساعد المملكة على الانضمام إلى مجموعة من الدول الحديثة التى تطبق الحوكمة السليمة، إذ أن زيادة الشفافية في ملكية أكبر شركة في المملكة، فضلا عن أشكال جديدة لتمويل الدولة، تدفع البلاد بعيدا عن الاعتماد على عائدات النفط ويوجهها نحو اقتصاد حديث أكثر مماثلة لدول مجموعة الـ20 التي تنتمي إليها السعودية.

وهو الأمر الذي أكّد عليه الأمير محمد بقوله “هناك عدة فوائد في الطرح الخاص بشركة أرامكو أهمها وأولها الشفافية. كان الناس في السابق يتضايقون من أن ملفات وبيانات أرامكو غير معلنة وغير واضحة وغير شفافة. لكن اليوم الشفافية تتصدر المشهد. فإذا طرحت أرامكو في السوق، فإن ذلك يعني أن عليها أن تعلن عن قوائمها، وستصبح تحت رقابة كل بنوك السعودية وكل المحللين والخبراء السعوديين. بل إن كل البنوك العالمية ومراكز الدراسات والتخطيط في العالم سوف تراقب أرامكو بشكل مكثف. وهو أمر لم تعتد عليه من قبل شركة أرامكو، حيث كانت تعامل كشركة تسهيل محدودة. وهذا أمر خطير جدا. فشركة بهذه الضخامة تدار وتعامل كأنها شركة تسهيل محدودة”.

السعودية تملك 3 نقاط قوية لا ينافسنا عليها أحد، العمق العربي والإسلامي والقوة الاستثمارية والموقع الجغرافي

وأعلن الأمير محمد عن نية بلاده طرح أقل من خمسة بالمئة من شركة أرامكو للاكتتاب العام، وإنشاء صندوق سيادي بقيمة ألفي مليار دولار. وقال إن “الحصة التي ستطرح من الشركة الوطنية العملاقة ستكون أقل من خمسة بالمئة منها محليا في البداية ومن ثمة طرح شركاتها التابعة”.

وكان أميركيون يديرون أرامكو في السابق، لكنها باتت شركة حكومية سعودية منذ فترة طويلة. وتنتج أرامكو ما يربو على عشرة ملايين برميل يوميا بما يعادل ثلاثة أمثال ما تنتجه إكسون موبيل، أكبر شركة نفط مدرجة في العالم، في حين تتجاوز احتياطياتها عشرة أمثال احتياطي إكسون موبيل. وإذا تم طرح أرامكو للاكتتاب العام، فإنها قد تكون أول شركة يتم تقييمها بأكثر من تريليون دولار.

وأشار الأمير محمد بن سلمان، الذي يرأس أيضا مجلس يشرف على الشركة، إلى أن تقديرات قيمة أرامكو تبلغ نحو 2 إلى 2.5 تريليون دولار، “وهذا سيضاعف حجم البورصة السعودية، خاصة بعد طرح الشركات التابعة لها للاكتتاب أيضا”، مضيفا أن “طرح 1 بالمئة من الشركات التابعة فقط، سيصبح أكبر اكتتاب في العالم”.

وواصل الأمير محمد الحديث عن الخطط المتعلّقة بشركة أرامكو، موضّحا أن الطرح سيكون في السوق السعودية، مضيفا أن بين الأفكار التي تجري دراستها خلق نوافذ خارجية لأسهم أرامكو خارج السوق السعودية للمساعدة على جلب السيولة”.

عندما أعلن الأمير محمد بن سلمان عن الخطة الاقتصادية الطموحة، والتي كان من بينها بيع حصص في شركات حكومية كبرى مثل عملاق النفط أرامكو السعودية، قوبل هذا الإعلان بنوع من التحفّظ حيث وكما جاء في الحوار، ينظر لشركة أرامكو كنوع من “المقدّس”، الأمر الذي يرفضه الأمير محمد سلمان، مؤكّدا أن “هذه مشكلة كبيرة جدا”.

*طرح أرامكو سيجعلها شفافة وتحت رقابة البنوك والجميع

*تحقيق رؤية 2030 لا يتطلب إنفاقا عاليا بل تنظيما وإعادة هيكلة القطاعات

*من الخطير جدا التعامل مع أرامكو وكأنها دستورنا

*هل يعقل أننا ثالث أكبر دولة في الإنفاق العسكري ولا نملك صناعة عسكرية

*سننشئ شركة قابضة للصناعات الحكومية وستطرح لاحقا في السوق نهاية 2017

*لم نستغل من المعادن سوى أقل من 5 بالمئة وبطريقة غير صحيحة

* مشروع البطاقة الخضراء سيكون رافدا من روافد الاستثمار في المملكة

وأضاف موضّحا “أصبحت لدينا حالة إدمان نفطية، وهي التي عطلت تنمية قطاعات كثيرة جدا في السنوات الماضية. لما تأسست المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز، لم يكن هناك نفط. وقد تمت إدارة الدولة دون النفط لسنوات طويلة. لكن اليوم النفط أصبح اليوم كأنه دستورنا. وهذا أمر خطير. وقد حان الوقت لخفض الاعتماد على النفط كمصدر أول للإيرادات المالية للدولة”.

ولذلك جاء من ضمن النقاط الرئيسية لرؤية السعودية 2030 الحرص على تنويع مصادر الدخل، وما يتعلّق بأرامكو له “فوائد عديدة غير الشفافية”. ومن بين هذه الفوائد أن “الشركة تقدّر قيمتها بأكثر من سبعة ترليون ريال سعودي في السوق السعودية وطرحها سيؤدّي إلى تضاعف حجم السوق السعودية. ومن الفوائد الأخرى أن بعد طرح أرامكو الأم، سيتبعه طرح الشركات التابعة لها، بما يعني حجم أكبر للسوق السعودية”.

وردا على المخاوف من طرح أرامكو، قال الأمير محمد “المخاطرة العالية كانت ستحدث لو لم نقدم على الخطوة”. وأوضح أن”صندوق الاستثمارات العامة لن يدير أرامكو في المستقبل وسيديرها مجلس إدارة سيتم انتخابه من جمعية عمومية تمثل ملاك أرامكو”.

وكشف الأمير محمد “سنجعل صندوق الاستثمارات العامة، أكبر صندوق سيادي في العالم، وسيستحوذ على 10 بالمئة من الاستثمارات في العالم، وسيملك 3 بالمئة من الأصول في دول العالم، بل ونعتقد أنه سوف نتعدى هذا الأمر عبر مراحل. وسيتم تحويل أراض للدولة إلى صندوق الاستثمارات لتطويرها وحل المشاكل في المدن”، واصفا الأمر بأنه “سيكون نقلة نوعية”.

كما تطرّق الأمير محمد إلى “أصول أخرى أغلبها عقارية تنقسم إلى عدة أقسام، أصول صغيرة متنوعة غير مستفاد منها، نقلت الآن إلى الصندوق. وأصول ضخمة داخل المدن السعودية، نقلت إلى الصندوق، ونعتقد أن تطويرها سيحل جزءا من المشاكل والأزمات الموجودة في المدن السعودية، سواء في المجمعات التجارية أو في مجمعات المال والأعمال أو في الإسكان”.

وفي معرض ردّه على تساؤل حول المخاطرة التي يقوم بها الأمير محمد بن سلمان باعتباره مسؤولا عن صندوق الاستثمارات العامة ورئيسا لمجلس الاقتصاد والتنمية، في إدارة هذه الصناديق، أجاب بالنفي، مشيرا إلى أنه “تم خلال السنة الماضية الإعداد لصندوق الاستثمارات العامة وإعادة هيكلته. والآن باقية فقط تفاصيل صغيرة، وسوف يعلن برنامج كامل عن الصندوق وكيفية إدارته للثروات واتخاذ القرارات”.

نقاط قوة

قال الأمير محمد إن “السعودية تملك 3 نقاط قوية لا ينافسنا عليها أحد العمق العربي والإسلامي والقوة الاستثمارية والموقع الجغرافي”.

ويخلص الأمير محمد بن سلمان بخصوص هذه النقاط الرئيسية الثلاث “هذه ثلاثة مرتكزات رئيسية في الرؤية؛ وهي قوتك التي يجب أن تستغلها. بعد ذلك ننتقل إلى مرحلة أخرى”، مؤكّدا أن رؤية السعودية 2030 لن تتأثر باستقرار أسعار النفط وارتفاعها.

كما توقع أنه في سنة 2020 “نستطيع أن نعيش دون نفط”، لكن لتحقيق ذلك يجب على كل المجتمع أن يساهم وفق الأمير محمد بن سلمان الذي قال “اليوم نحن نبذل جهدا أكبر لإقناع الجميع، سواء في الجهاز الحكومي أو في السلطة التنفيذية، أو سواء في السلطة التشريعية، أو في السلطة القضائية، وأيضا في صفوف المواطنين ورجال الأعمال. هذا مصيرنا وكلنا كسعوديين، فلا بد لكل أن يقوم بدوره في هذه الرؤية”.

قوة وطموح

وعبّر ولي ولي العهد السعودي في الكثير من الحوارات على رفضه للبيروقراطية، وقد جدّد هذا الرفض في حواره مع “العربية”، بقوله “نحن أعداء البيروقراطية السلبية. لكن ندعم البيروقراطية التي ستعاد على تنظيم العمل واتخاذ القرار في الوقت المناسب”.

وأضاف “الملك سلمان عمل جاهدا لدعم رأس الهرم في السلطة التنفيذية ليتعامل بشكل سريع. في بداية توليه الحكم، أعاد تشكيل مجلس الوزراء، وأعاد هيكلة تشكيل رأس الهرم للحكومة، وإنشاء المجلسين، وإلغاء الكثير من المجالس ساعد بشكل كبير في تقديم العمل بشكل فعال وسريع لتحقيق ما نريده اليوم”.

ووصف الأمير محمد “سنة 2015 بأنها كانت سنة ‘كويك فيكس” أي الإصلاح السريع وأيضا 2016 ستكون ‘كويك فيكس” لكن بطريقة ممنهجة ومخطط لها أكثر. أما سنة 2017 فستكون جزءا من الرؤية والبرامج المنطلقة منها”.

وقال الأمير محمد بن سلمان إن نظام البطاقة الخضراء (غرين كارد) سيتم تدشينه في غضون خمس سنوات لتمكين العرب والمسلمين من العيش والعمل لفترة طويلة في السعودية، وهو ما يمثل تحولا كبيرا في سياسات المملكة العربية السعودية.

وعن فكرة الغرين كارد قال “يوجد في السعودية الكثير من الأجانب، يعيشون لفترات طويلة في المملكة، بل إن بعضهم شبه مستوطن داخل السعودية، وهؤلاء يخنقون أي عائد اقتصادي للسعودية، وكل أموالهم تذهب للخارج، مع أنهم يفضلون أن يكونوا جزءا من الاقتصاد السعودي، وإذا أعطيناهم جزءا من الحقوق في الحياة والاستثمار والتحرك، هذا سيكون رافدا من روافد الاستثمار في السعودية، حيث سيدعم الاقتصاد السعودي بشكل قوي، وهو ما سيسهم في خلق الكثير من الفرص”.

وفيما يتعلق بوجود خطط بينية من الآن إلى 15 سنة مقبلة مثلا، بيّن الأمير محمد “سوف تعاد تجربة الخطة الخماسية، بناء مع ما يتوافق مع رؤية 2030، وسوف تندرج تحت الرؤية عدة برامج لتحققها: إعادة هيكلة صندوق الاستثمارات العامة وبرنامج إعادة هيكلة أرامكو وبرنامج التحول الوطني وبرنامج الشراكة الاستراتيجية الدولية، وغيرها من البرامج التي ستكون على خمس سنوات، نحقق الموجة الأولى من العمل، ثم نبدأ في برامج أخرى للخمس سنوات التي تليها”.

وأكد الأمير محمد أن هذه الإصلاحات لن تتطلب إنفاقا حكوميا عاليا، لكنها ستتضمن عمليات إعادة هيكلة، مضيفا أن الإنفاق على مشروعات البنية التحتية سيستمر. وتابع أن من بين الأهداف المنتظرة خفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 7 بالمئة من 11.6 بالمئة.

صناعة السلاح

وشمل الحوار مع ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في أهم محاوره مسألة مكافحة الفساد في المملكة، فهي من بين القضايا التي تحرص السلطات السعودية على علاجها في أقرب وقت، وهو الأمر الذي أكد عليه الأمير في حواره، مشيرا إلى أن إقالة رئيس هيئة مكافحة الفساد منذ سنة يعد إجراء حكوميا في سياق “الحرص على احتلال المراتب الأولى عالميا في الدول المكافحة للفساد”.

وأضاف الأمير قائلا “لو الملك كان راضيا وسمو ولي العهد عن أداء مكافحة الفساد، لما غير رئيس هيئة مكافحة الفساد منذ سنة، فتغيير رئيس الهيئة معناه أن الملك وسمو ولي عهده غير راضيين”، وأضاف “الفساد موجود بلا شك في كل المجتمعات وفي كل الحكومات وبنسب متفاوتة، والذي يهمنا اليوم هو أن نكون في مقدمة الدول المكافحة للفساد ومن أقل نسب الفساد في العالم”.

7