الأمين العام لحلف الناتو يقود الإدارة الاقتصادية للجيوش الكبرى

السبت 2014/02/08
راسموسن قاد بلاده إلى نهضة اقتصاديّة سياسية

مَن يعرف العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، سيرى مدينة من ألعاب الأطفال، مُنظّمة ونظيفة وهادئة، تُشبه إلى حدّ بعيد شخصية الدنماركيّين أنفسهم، ساهمةً، شاردةً وباردةً، ولكنها حيّة ومتوقّدة في أعماقها، ليست عصيّة على القيادة، ولكنّها تحتاج إلى الوقت كي تُستوعبَ. في كوبنهاغن النظام والهدوء، يبحث الدنماركيّون عن حديقة واسعة كان لها دور كبير في تغيير وجه أوروبا الثّقافي والسياسي في بدايات وأواسط القرن العشرين، في تلك الحديقة المسمّاة “كريستيانيا”، يخرج الدنماركيّون عن نظامهم، في الفنون والقوانين والعبث والشّعر والمخدّرات والرّسم على الجدران والأرض والحياة في الشّوارع، لقد توافق الشّعب والدّولة على ترك “كريستيانيا” خارج سلطة القوانين، وكان أندرس فوغ راسموسن ابن تلك الثقافة ورئيسًا لوزراء البلد الحاضن.

ولد راسموسن سنة 1953 في أٍسرة من الفلاحين، في جزيرة “جورسلاند” إحدى جزر الأرخبيل الدنماركي، الّتي عُرفت قديما بسقف العالم، ومنها خرج المستشرقون لاستكشاف الأرض. وكان على رأسهم أول واضع لخرائط الخليج كارستن نيبور، الذي عاش في جزيرة العرب أواسط القرن الثامن عشر، وشارك الجزيرة تحولاتها من البحرين إلى البصرة إلى اليمن. درس راسموسن الاقتصاد في جامعة “أوروس” وتحصّل على درجة الماجستير في تخصّصه، وانخرط في حركة الشباب اليساري، ليدخُل البرلمان في أواخر السبعينات. أصبح وزيرا للضرائب في العام 1988، ثم وزيرا للاقتصاد والضرائب ما بين سنة 1990 و1992، حتى أصبح رئيساً لحزب اليسار الليبرالي في العام 1998. وعرفه المجتمع السياسي في الدنمارك بالحنكة والذكاء في ترتيب علاقاته وعلاقات حزبه، الأمر الذي جعله يشق الطريق إلى الهيمنة على الحكومة الدنماركية، ليكون رئيسا للوزراء في العام 2001 بالتحالف مع الحزب المحافظ وحزب الشعب الدنماركي اليميني المتطرف، ليقود تحالفا ضد الحزب الاشتراكي من ثمّة، ويلحق به بالهزيمة.


رئيس وزراء الدنمارك الصارم


فرض راسموسن على الشعب الدنماركي تقاليد جديدة، بسبب عقله الاقتصادي الصارم، الذي دفعه إلى تنظيم العلاقات الضريبية وتطبيق قوانين جادة على مجتمع يطلق عليه في العالم الغربي “مجتمع الناني ستايت”، الذي تقوم فيه الدّولة برعاية الشعب وتحمّل كافة تبعات ذلك. فكان أول ما فعله راسموسن كرئيس للوزراء هو إصدار قرار يُلزم من هم معه بالكشف عن ممتلكاتهم والإعلان عنها في الصّحافة وعبر الموقع الإلكترونيّ لرئاسة الوزراء، في بداية عملهم، حتّى يتمكّن المجتمع من مراقبة تطوّر تلك الممتلكات، ويُضيّق الخناق على الفساد والاستفادة من المناصب.

أكبر الأزمات التي واجهت راسموسن كانت حين خرج ملايين المتظاهرين في مئات المدن الإسلامية والعربية، ضد الرسوم المسيئة للنبي

نجح راسموسن، وقاد بلاده إلى نهضة اقتصاديّة سياسية، وتمكّن من خلق تحالف استراتيجي لبلاده البعيدة عن وسط أوروبا مع الولايات المتحدة الأميركية. وعرف بصداقته الوطيدة لجورج بوش الإبن، وحرص على إعلان تأييده لهُ ولقراراته ضدّ من أسماهم بالإرهابيين، الأمر الذي تسبّب في تعرّض راسموسن للسّخرية من المعارضة الدنماركية التي وصفت مواقفه بـ“التطابق الأعمى” مع أميركا. وقد التقى راسموسن ببوش ثماني مرّات، “لم يفوّت خلالها الفرصة للدّفاع عن معتقلي غوانتانامو في حرب بوش من أجل الديمقراطيّة”، على حدّ قوله.


الانتقال من الحياد إلى القيادة


لم يُعرف للدنمارك خلال مئات السنين الماضية دورٌ قياديُّ يُذكر، حتّى أنّها بقيت تميل إلى الحياد في الحرب العالمية الثانية ولم تُشارك فيها، ولكنّها تعرّضت للغزو من قبل جيوش هتلر، واستغرق هذا الغزو ساعتين فقط من المقاومة العسكرية قبل أن تستسلم الحكومة الدّنماركيّة، وبدأ من ثمّة تعاون اقتصادي بين ألمانيا والدانمرك دام حتى العام 1943، عندما بدأت الحكومة الدنماركية ترفض الاستمرار وأغرقت معظم سفنها، وأرسلت أكبر عدد ممكن من ضباطها إلى السويد التي كانت تلتزم الحياد. خلال الحرب، ساعدت الحكومة الأقليّة اليهوديّة الدنماركية، وقامت المقاومة الدنماركية بعملية إنقاذ تمكّنت خلالها من نقل معظم اليهود الدنماركيين إلى السويد قبل وقت قصير من بدء الألمان في محاصرتهم.

وبعد الحرب، أصبحت الدنمارك واحدة من الأعضاء المؤسسين للأمم المتّحدة ولمنظمة حلف شمال الأطلسي، وانضمّت إلى السوق الأوروبية المشتركة في العام 1973، ولكن راسموسن أراد إعادة كوبنهاغن إلى الملعب من جديد، فكان له الفضل الكبير في مشروع توسيع الاتّحاد الأوروبي، القرار الّذي اتّخذته القمة الأوروبية في ديسمبر من العام 2002، زَمَنَ رئاسة الدّنمارك للاتّحاد. قال راسموسن أمام البرلمان الدنماركي في العام 2003: “في الحرب على الإرهاب، المطلوب هو حماية حقّ الدّول في الديمقراطيّة”، وأضاف أنّه “ينبغي اعتقال الإرهابيّين ما داموا يشكلون تهديدا”، ووافق على إرسال قوات من بلاده إلى كلّ من أفغانستان والعراق، ووقف في وجه روسيا حين أفرج في العام 2003 عن أحمد زكاييف مبعوث الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف ورفض طلب بوتين بتسليمه إلى روسيا. كما أثار غصب الأتراك حين وافق على دعم حزب العمّال الكردستاني وسمح له بافتتاح قناة تلفزيونيّة على الأرض الدنماركية، رغم أن حزب العمال الكردستاني يعتبر تنظيماً إرهابيّا في تصنيف دول الاتّحاد الأوروبي، كما عارض انضمام تركيا إلى الاتّحاد الأوروبي رغم عضويّتها في حلف الناتو.

أغضب راسموسن بوتين حين رفض تسليمه مبعوث الرئيس الشيشاني


بطل أزمة الرسوم المسيئة للرسول


من أكبر الأزمات التي واجهت راسموسن وهو على رأس منصبه كرئيس لوزراء الدّنمارك، كانت مشكلة الرّسوم المسيئة إلى النبيّ محمد (ص) التي نشرتها صحيفة “يولاند بوسطن” في العام 2005، الأمر الذي تسبّب في ردود فعل عارمة وصفت بأنّها “جرح في مشاعر المسلمين” في أنحاء العالم، حيثُ تمّ إحراق سفارتي الدنمارك والنرويج في دمشق في فبراير من العام 2006، كما تم إحراق القنصلية الدنماركية في بيروت بعد ذلك بيومين.

وكانت صحيفة “يولاند بوسطن”، قد نشرت في عددها الصادر يوم 30 سبتمبر من العام 2005، مقالاً بعنوان “وجه محمد” مرفقا باثني عشر رسما كاريكاتوريًا، تسخر من زوجات الرسول محمد وحياته الخاصة، وتظهر فيها عمامته وكأنها قنبلة موقوتة. راسموسن دافع عن هذا الأمر واعتبر أنّهُ يندرج في إطار حرية التّعبير، وأنّ الحق بنشر تلك الرسوم جزء أساسي من الديمقراطية، فثارت ثائرة العالم الإسلامي من ثمّة، وخرجت مظاهرات عدّة في مئات المدن الإسلامية والعربية، للتنديد بتلك الرسوم ومطالبة رئيس الوزراء الدنماركي راسموسن بالاعتذار، ولكنه رفض تقديم أيّة اعتذارات وتمسّك بموقفه.

ورفض راسموسن مقابلة سفراء ومسؤولي دول عربية وإسلامية لمناقشة مسألة الرسوم المسيئة، مُعتبرًا أنّ هذا الأمر خارج عن سلطته، وأنّه غير قابل للنقاش، ممّا ترك انطباعا سيئا لدى تلك الدول فهم منه عداؤه للإسلام، ولكنه نفى ذلك، واعتبر أنّ موضوع الحريّات فوق كلّ اعتبار.

الأمر الّذي أثرّ فيما بعد على ترشيحه أمام حلف النّاتو، فقد احتجّت تركيا ومن خلفها العالم الإسلامي بسبب ميله لمعاداة الإسلام، ولولا تدخّل الرئيس باراك أوباما لما تمكن من اجتياز تلك العقبة، ليصبح في العام 2009 أمينا عامّا لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ويتسلّم مهامه في صيف تلك السّنة.


راسموسن وقيادة قوات حلف الناتو

حرص راسموسن على قيادة حلف الناتو بالطّريقة السياسيّة الحذرة التي عمل بها كرئيس لوزراء الدنمارك، كما حرص على عدم الانزلاق العسكري في مغامرات كبرى، وأَكثَرَ من التّصريحات الّتي أكّد فيها عزم الناتو على عدم المشاركة في هذه البقعة أو تلك من العالم، التي تندلع فيها الحروب والاضطرابات، وطمأن أطرافاً عديدة مثل نظام بشار الأسد إلى أنّه لن يشارك في أيّة عمليات ضدّ سوريا، وكذلك أرسل التّطمينات إلى موسكو، حين قال بأن الناتو يعتزم تقديم بعض الضمانات السياسية التي تفيد بأن منظومة الدفاع الصاروخي التابعة للحلف فـي أوروبــا لن تكــون موجهــة ضـد روسيــا.

تحول الناتو إلى مؤسسة اقتصادية عملاقة، رسخ مبدأ عملها الجديد اتفاق لشبونة الذي أعلن سياسة «الباب المفتوح»

وقال راسموسن في أحد لقاءاته مع وزراء خارجية دول الناتو من جهة ومع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف من جهة ثانية، “إنّ حلف الناتو مُستعدّ سياسيا لتأكيد ما قاله أعضاؤه منذ 15 عاما ضمن قانون التأسيس (لمجلس الناتو- روسيا)…بأنّ روسيا والناتو أعلنا بشكل واضح أنّهما لن يستخدما القوّة ضدّ بعضهما البعض ولن يشكلا تهديدا لبعضهما البعض”.

وأضاف:” أعتقد أنه من المعقول أن نؤكد مجددا على هذا الإعلان الواضح، ونحن مستعدون للقيام بذلك”، بينما قال لافروف للصحفيين إنّ تلك الضمانات السياسية التي قدمها الناتو على لسان راسموسن “ليست كافية لإزالة مخاوف روسيا الأمنية”.

وكان حلف الناتو قد تأسس في العام 1949 بناء على معاهدة شمال الأطلسي التي تمّ توقيعها في واشنطن، وأصبحت بروكسل عاصمة بلجيكا مقراً لقيادته، وكانت مهمته الأساسية الدّفاع عن أوروبا الغربية ضدّ الاتحاد السوفياتي والدول المشكلة لحلف “وارسو” آنذاك في سياق الحرب الباردة، وقد ضم الناتو في فترة تأسيسه في العام 1949 كلّاً من الولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا وكندا والدانمارك وآيسلندا وإيطاليا ولوكسمبورغ وهولندا والنرويج والبرتغال وبريطانيا، وفي العام 1952 انضمت إليه تركيا ثم انضمت ألمانيا الغربية في العام 1955 وانضمت موحّدة في العام 1990، ثم في العام 1982 انضمت إسبانيا وتلتها التشيك والمجر وبولندا في أواخر التسعينيات. وفي العام 2004 انضمت بلغاريا وإستونيا ولاتفيا ولتوانيا ورومانيا ثم سلوفاكيا وسلوفينيا، وفي يناير 2009 انضمت كرواتيا وألبانيا إلى الحلف ليصبح عدد أعضائه 28 عضواً.

وقد عرف الناتو عدة عهود تدخّل فيها عسكرياً في كل من البوسنة والهرسك في العام 1995 ونشر قوات حفظ السلام فيها، ثم تولّى مهمّة القيام بضربات جوية على يوغسلافيا بسبب الصراع في كوسوفو في العام 1999، كما دخلت قواته إلى كوسوفو، وأرسل قوات إلى مقدونيا لمهمة حفظ السلام عام 2001. كما تم تكليف حلف الناتو بمهمة قوات المساعدة الأمنية الدولية (إيساف) في أفغانستان في العام 2003، وبالإضافة إلى المهام العسكرية قام الحلف بدور آخر مثل أعمال الإغاثة الإنسانية كما حصل عندما تدخّلت قواته للتخفيف من آثار الزلزال الّذي ضرب باكستان في العام 2006، أو عندما تدخّلت لإغاثة المتضررين من الإعصار كاترينا 2006.

وفي عهد راسموسن، وافق مجلس الأمن على فرض منطقة حظر الطيران فوق ليبيا في 17 مارس 2011 بعد قراره رقم 1973، لإنقاذ الشعب الليبي من قصف القذافي الجوي والبري والبحري ضد المدنيين، بعد انطلاق ثورة 17 فبراير الليبية. وفي 19 مارس بدأت كل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا، هجوماً على ليبيا تطبيقاً لقرار الأمم المتحدة بإطلاق أكثر من 110 صواريخ كروز من طراز توماهوك على أهداف في ليبيا.

كما تدخل الناتو في مالي من خلال رأس الحربة فرنسا، واعتبر المحللون أنّ ذلك التدخل هو بداية التطبيق العملي لسياسية “الباب المفتوح” الّتي اتّفق عليها أعضاء حلف شمال الأطلسي “الناتو” في قمة لشبونة عام 2009، وتتضمن سياسة “الباب المفتوح” تنظيم عملية الدفاع الجماعي للناتو عن أعضائه أو مصالحهم في العالم، وذلك بتوزيع أعباء التدخل في منطقة النزاع على جميع الأعضاء، بحيث تتصدر الدولة الأقرب لتلك المنطقة المشهد فيما تدعمها بقية الدول عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، و”الدفاع الجماعي” ملخص للمفهوم الاستراتيجي الجديد لأعضاء حلف الناتو. هذا ويظلّ جزء من شخصية راسموسين يعيش عالم النظام، وجزء آخر يعيش في عالم كريستيانيا الدنماركية، ولكن الأرجح أنّ كلاهما يغرق في تعقيدات العالم الأوروبي المعقّد الذي حوّل كل شيء في الحياة إلى أنظمة اقتصادية ما زالت تؤمن بأن الخلاص في الكون لابدّ أن يكون بمزيد التّعويل على الرّأسمالية.

13