"الأمين المساعد في الحروب القذرة" يريد صنع السلام في فنزويلا

إليوت أبرامز تورط عدة مرات في انقلابات وتدخلات في عدة بلدان، خلال توليه مناصب سياسية في حكومات رونالد ريغان وجورج بوش الابن.
الأحد 2019/02/10
قادم يا مادورو

واشنطن - عندما أعلن وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو في أواخر يناير الماضي عن تعيين الدبلوماسي السابق إليوت أبرامز مسؤولا على “مساعدة الشعب الفنزويلي لاستعادة كامل الديمقراطية والازدهار في بلاده”، توقع المراقبون تصعيدا خطيرا في هذا البلد ومعركة كسر عظم بين الرئيس نيكولاس مادورو وزعيم المعارضة خوان غوايدو.

ومنذ انطلاق حملته الداعمة لغوايدو، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن “جميع الخيارات مطروحة على الطاولة” لضمان إزالة حكومة نيكولاس مادورو، حتى أنه تحدث علانية إلى الصحافيين والقادة الأجانب بشأن إطلاق عمل عسكري.

وفي الأسابيع الأخيرة، عزز البيت الأبيض الضغوط والعقوبات ضد نظام مادورو، واعترف بخوان غوايدو كرئيس شرعي للبلاد. لكن لا يوجد دليل أفضل من عودة إليوت أبرامز للتأكيد على التزام الإدارة الأميركية بتغيير النظام في فنزويلا.

وتشهد فنزويلا تصعيدا كبيرا منذ نصّب غوايدو نفسه رئيسا مؤقتا في فنزويلا، في خطوة زاد من تعقيدها انقسام المجتمع الدولي، حيث تدعم الولايات المتحدة وعدد من دول أميركا اللاتينية غوايدو، كما اعترفت ألمانيا و12 دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي برئيس البرلمان الفنزويلي الشاب رئيسا انتقاليا شرعيا للبلاد.

وفي المقابل، تدعم روسيا والصين وتركيا المكسيك وبوليفيا ودول أخرى مادورو الذي وصف غوايدو بأنه دمية في يد الإدارة الأميركية التي كشفت عن مخططها في فنزويلا بتعيين أبرامز، المعروف بلقب بـ”السكرتير المساعد للحروب القذرة”.

وكتب المحلل الفرنسي أليكس لوسبيتال، في مجلة “لو كلوب” الفرنسية قائلا “لم نتوقع رؤية هذا السياسي البالغ من العمر 71 عاما في أروقة البيت الأبيض. إليوت أبرامز هو مؤيد قوي للدكتاتوريين ومجرمي الحرب، ويشجع أي تدخل أميركي كارثي”.

مبعوث للسلام أم للحرب

تورط أبرامز عدة مرات في انقلابات وتدخلات في عدة بلدان، خلال توليه مناصب سياسية في حكومات رونالد ريغان وجورج بوش الابن. وبعد أن غاب اسمه لمدة، جاء به الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليكون مبعوثه الخاص إلى فنزويلا لبحث سبل “استعادة الديمقراطية.” ويشكك مثل هذا الاختيار في المصير الذي ترغب الولايات المتحدة في تحقيقه لفنزويلا، وفق لوسبيتال.

وسلطت وسائل الإعلام الضوء على تصريح إليوت، الذي أعلن فيه عن عودته، بقوله “من الرائع أنني عدت. إن الأزمة الفنزويلية عميقة وصعبة وخطيرة. أتطلع إلى العمل عليها”. وليست هذه محاولة إليوت أبرامز الأولى في أميركا اللاتينية.

وفي ذات السياق أشارت صحيفة واشنطن بوست إلى أن عودة إليوت أبرامز تعني عودة سيطرة المحافظين الجدد على البيت الأبيض، وبالتالي توقع استراتجيات مشابهة لما حدث في العراق وأفغانستان في التعامل مع التطورات في فنزويلا.

ووفقا للتقارير، تتمثل مهمة أبرامز في مساعدة وزير الخارجية مايك بومبيو في توجيه قضية غوايدو إلى المجتمع الدولي. وتشير واشنطن بوست إلى أنه بالنظر إلى تاريخ أبرامز، يبعث تعيينه برسالة قوية إلى فنزويلا، لذلك يجب على الأميركيين أن يقلقوا من هذه الخطوة.

وكتب أستاذ التاريخ براين ديهسلير، مشيرا إلى أن أبرامز عمل سابقا بلا رحمة على تنفيذ أجندته، ولم يترك أي عائق، بما في ذلك الشرعية أو إشراف الكونغرس، يقف أمام أهدافه في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط. وقد أثبتت السياسات التي اتبعها كارثيتها. ومن شأن هذا أن يثير أسئلة خطيرة حول خططه (وخطط ترامب) المتعلقة بفنزويلا.

أبرامز كان معارضا لدونالد ترامب كمرشح رئاسي، وكتب مقالة بعنوان "عندما لا تستطيع أن تتحمل مرشحك"، قارن فيها ترشح ترامب بحملة جورج ماكغفرن سنة 1972. لكنه سرعان ما غيّر لهجته عندما تبنى ترامب إحدى أفكاره المفضلة: السياسة المتشددة تجاه إيران

ينتقد لوسبيتال أبرامز قائلا إن هذا المحامي ادعى العمل على تعزيز الديمقراطية في الخارج، في جميع مناصبه، وكذلك في أعماله الخاصة أين يشغل مناصب في إدارة المعهد الديمقراطي الوطني ومشروع القرن الأميركي الجديد. ومع ذلك، سرعان ما أصبح معروفا بسياساته التي غالبا ما كانت غير أخلاقية وغير قانونية.

وفي ذات السياق، يقول أستاذ التاريخ براين ديهسلير، في تقريره بصحيفة واشنطن بوست، إن أبرامز نفسه صوّر كمدافع ومروّج لحقوق الإنسان والديمقراطية. لكنه أيّد مفهوما ضيقا لهذا المجال. فقد كان أكثر اهتماما بالحقوق الفردية والسياسية، على حساب العمل على تحقيق العدالة الاجتماعية أو الدفاع عن كرامة الإنسان.

وقام أبرامز، خلال توليه وظيفة مساعد وزير الخارجية الأميركي للديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل في عهد ريغان، بتغطية الادعاءات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان خلال الحرب الأهلية في السلفادور.

وقللت الإدارة من أهمية قتل النشطاء والمدنيين الأبرياء بنسبهم إلى الثوار أو المهاجمين “غير المعروفين”. وكشف تقرير الأمم المتحدة للحقيقة أن 85 بالمئة على الأقل من جميع جرائم القتل التي تم التحقيق فيها، ارتكبتها قوات الأمن السلفادورية.

كما طهّر أبرامز مذبحة قرية الموزوت، أين قتلت أكثر وحدات النخبة العسكرية في السلفادور ما يقرب من ألف مدني، معظمهم من النساء والأطفال. ونفى أبرامز هذه المجزرة في شهادته أمام الكونغرس.

وتقول واشنطن بوست إن المسؤول الأميركي كذّب لتأمين التمويل المستمر للحكومة السلفادورية ولمنع الثوار السلفادوريين (جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني)، من الإطاحة بالحكومة وإقامة نظام شيوعي في أميركا الوسطى. فقد اعتبر أبرامز والبيت الأبيض حكومة جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني تهديدا للأمن القومي للولايات المتحدة.

دفعت أكاذيب أبرامز إلى تعميق الالتزام الأميركي تجاه الحكومة السلفادورية الذي استمر حتى مذبحة القساوسة اليسوعيين سنة 1989، والتي دفعت الكونغرس إلى التشكيك في دعم الأمة لهذا النظام الوحشي.

سجل في الخداع

Thumbnail

قلل أبرامز من شأن خطورة انتهاكات حقوق الإنسان في غواتيمالا المجاورة. وأثناء محاولته إقناع الكونغرس برفع الحظر المفروض على تزويد الجيش الغواتيمالي بالأسلحة الفتاكة، جادل أبرامز بأن البلد قد أحرز “تقدما كبيرا”، تحت قيادة الجنرال إفراين ريوس مونت، في تحسين سجله في مجال حقوق الإنسان.

وامتد سجل أبرامز في الخداع إلى أكبر فضيحة في إدارة ريغان: الجهد المبذول لتزويد حلفاء شبه عسكريين من قوات الكونترا في نيكاراغوا. وحين منع الكونغرس الإدارة من استخدام الأموال الحكومية لدعم الكونترا المعروفة بانتهاكاتها لحقوق الإنسان، ابتكر موظفو البيت الأبيض خطة جديدة، شملت تحويل عائدات مبيعات الأسلحة السرية إلى إيران إلى هذه القوات.

وانتهكت هذه الممارسات تعهّد ريغان بعدم “التفاوض مع الإرهابيين”. ورغم  أنه من غير الواضح ما إذا كان أبرامز على علم بالمخطط، فإنه أقر بأنه حجب معلومات من الكونغرس، متمثلة في الجهود السرية لمساعدة العصابات المسلحة. ومنع إثر ذلك من ممارسة القانون.

وبدلا من أن ينهي الحادث حياته المهنية، عفا جورج دبليو بوش عن أبرامز، ثم منحه مقعدا حكوميا جديدا، مما مكّنه من استخدام أموال الصندوق الوطني للديمقراطية، وهو مؤسسة خاصة غير ربحية تم إنشاؤها في ظل إدارة ريجان لتعزيز الديمقراطية.

وأيد أبرامز تدابير لإفشال عملية السلام في أميركا اللاتينية، التي أطلقها رئيس كوستاريكا أوسكار آرياس.  واستخدم أموال الصندوق لإطاحة الجبهة الساندينية للتحرير الوطني في انتخابات نيكاراغوا العامة سنة 1990. فحققت الانتخابات ما لم يحققه عقد من الحرب الاقتصادية والتخريب. وعزز هذا الإجراء من رؤية أبرامز الضيقة للديمقراطية. ومادامت هناك انتخابات، فلا يهم ما إذا كانت عادلة أو خالية من التدخل الأجنبي. وخلال إدارة جورج دبليو بوش، أعاد أبرامز تركيزه على الشرق الأوسط، داعيا إلى تغيير النظام في العراق.

معارض لترامب

تلفت واشنطن بوست إلى أن أبرامز كان معارضا لترامب كمرشح رئاسي، وكتب مقالة بعنوان “عندما لا تستطيع أن تتحمل مرشحك”، قارن فيها ترشح ترامب بحملة جورج ماكغفرن سنة 1972. لكنه سرعان ما غيّر لهجته عندما تبنى ترامب أحد أفكاره المفضلة: السياسة المتشددة تجاه إيران. وعندما تعلق الأمر بفنزويلا، تبنى ترامب الجهود التي طالما دافع عنها أبرامز. وكما حدث في نيكاراغوا، وجهت الملايين من الدولارات إلى المعارضة الفنزويلية في محاولات غير ناجحة لإطاحة بمادورو على مدار عدة انتخابات. كما أيد أبرامز أيضا انقلابا فاشلا ضد سلف مالدورو، هوغو تشافيز، في سنة 2002.

ويخلص براين ديهسلير، محذرا الدول والحكومات المؤيدة لغوايدو، قائلا إن مادورو أساء التعامل مع اقتصاد فنزويلا ودمّر البلاد، لكن مع التدقيق في التاريخ، يجب أن “نكون حذرين من دوافع أبرامز وحلفائه، ويجب أن نشعر بالقلق من احتمال حدوث كارثة أخرى في السياسة الخارجية، والتي يمكن أن تكون مدمرة للفنزويليين”.

ويضيف أن إزالة مادورو تمثل جزءا من حملة أوسع لمحاولة عكس “المد الزهري” للقادة الإصلاحيين والاشتراكيين المنتخبين في أميركا اللاتينية منذ 11 سبتمبر. ورفضت هذه الحكومات المشاركة في مختلف الأنشطة غير الشرعية التي اعتمدتها إدارة بوش، بما في ذلك التسليم السري للأشخاص، والإيهام بالغرق، وتكثيف الاستجواب وغيرها من أشكال التعذيب المرتكبة في المواقع السوداء. وأثار هذا الرفض غضب المحافظين الجدد مثل أبرامز.

حرب ضد الصين

Thumbnail

يسعى المحافظون الجدد إلى وقف الاختراق الاقتصادي الصيني لأميركا اللاتينية. ويريدون العودة إلى أيام الحرب الباردة، عندما كانت واشنطن تستطيع الاعتماد على قادة المنطقة في دعم جدول أعمالها، بغض النظر عن مدى وحشية أنظمتها، أو مدى سوء الظروف التي خلقتها.

وفي فنزويلا، يمكن أن تدفع واشنطن بالأمور خارج نطاق السيطرة. ولن يتحول الاستياء بالضرورة إلى دعم المعارضة أو تغيير النظام. ولم تضع معارضة فنزويلا جدول أعمال واضح أو حتى رسالة متماسكة بخلاف الإطاحة بمادورو. وعلاوة على ذلك، أعرب الداعمون الرئيسيون للبلاد (روسيا والصين)، عن تأييدهم لمادورو. ويعني هذا أن دعم الانقلاب (أو خلقه) يمكن أن يتسبب في حرب أهلية مريرة، وفوضى في منطقة أخرى من العالم شبيهة بما يعيشه الشرق الأوسط اليوم، ضحية سياسات أبرامز وإدارته.

ويذهب في ذات التقييم، القيادي في حزب اليسار الألماني، أندري هونكو، مشيرا إلى أنه “من الواضح تماما” أن غوايدو لا يمتلك حاليا سلطة حقيقية في فنزويلا.

وقال هونكو إن “الاعتراف به كرئيس يعتبر عملا غير مسؤول من شأنه مواصلة تصعيد النزاع الخطير بالفعل”، محذرا من خطر اندلاع حرب أهلية أو تدخل عسكري في فنزويلا.

وتأتي تحذيرات هونكو على خلفية تقديم حزب اليسار لتقرير للبرلمان الألماني (بوندستاغ) آثار تساؤلات بشأن شرعية الاعتراف الدولي بزعيم المعارضة خوان غوايدو. وجاء في التقرير أن هناك “أسبابا قوية للاعتقاد” بأن الاعتراف بغوايدو يعتبر تدخلا في الشؤون الداخلية لفنزويلا.

6