الأم.. الجرح النازف

الاثنين 2016/02/01

الأم هي الحنان، الحب، الدفء، الحضن الذي نلجأ إليه للاحتماء من برد الشتاء وقيظ الصيف. باختصار الأم مؤسسة مشاعر تختزل الزمن بربتة وضمة وقبلة.

هي السند والعون والأمان للعمر القادم، وتظل الجرح النازف الذي يؤرقنا دائما إذا ما اهتزت يوما صورة الملاك الذي رسمناه في قلوبنا وسكن بؤبؤ العين.

تمثال الأم الطيبة يحتل مكانة رفيعة دائما في نفوس أبنائها، فكل منا نحت تمثالا مماثلا بداخله لأمه ونقش ملامحه بعيون القلب، أمه هو وقلبه هو، ولا يسمح لأحد بهدم هذا التمثال ولا تغيير صورة الأم الحنون.

تكفينا ذكر كلمة أم ليستدعي العقل الصورة الذهنية المخزّنة بداخله لطهر الأم وعفتها وكل معاني الحب والحنان، وتلك الملكة المتوجة على عرش القلب.

ولكن وحدها الأم هي القادرة على هدم هذا التمثال وسقوطها من عرشها إلى أسفل سافلين، هي التي تغير النظرة الوقورة لهيئتها لدى أبنائها.

ما دفعني إلى هذا هو حال مراهقة حسناء، غاية في الجمال والتفوق، ولكنها للأسف عاقة لأمها وتزهو بهذا العقوق، هالني منها اعترافها بعدم حب والدتها والرغبة في الفرار منها ومن الحياة في كنفها وكنف أب مغيّب، فالفتاة هي الشاهد الوحيد على علاقة ما تربط الأم بمدرب السباحة الخاص بها.

حاولت الفتاة إيقاظ الأب من غفلته دون جدوى، ولكنها لا تجرؤ على التصريح بما تراه جريمة في حق الأم وانتقاصا من صورتها العظيمة المنزّهة التي حرصت الفتاة على رسم تفاصيلها بعناية فائقة منذ الصغر وعمدت كل يوم إلى إضافة تفصيلة جديدة لصورة الأم تزيد من جمالها وبهائها، تفصيلة تضيف للشكل والمضمون.

ولكن صورة الأم الخائنة وحدها هي ما استقر في عيني الفتاة بعدما رأت نموذج الأم الطاهرة يتحطم على صخرة الخيانة لزوج أودعها ثقته، وذهب يكد من أجل رفاهيتها وسعادتها وهي تطعن كبراءه كل صباح، ترتشف من كرامته رشفة كل يوم مع قهوة الصباح، وتغتسل من خيانتها له وحبه لها بطهر واحد، غسل مزيف لا يمحو أثر الخيانة.

هذه الأم بتلك الصورة قد أساءت لنفسها للأسف ومهما حاولت فستظل جرح ابنتها النازف تتعذب به دوما، وقد تصبح هذه الفتاة يوما ما خائنة. ربما بالتقليد لنفس سلوك الأم، وربما لكي يثأر عقلها الباطن لصورة الأم التي تشوهت في ذهنها، فتحاول أن تثبت لنفسها وللآخرين أن كل النساء خائنات، وما كان سلوك والدتها إلا صورة مكررة للكثيرات.

ولكن تظل الأم السوية والصورة الجميلة لـ"ست الحبايب" هي السواد الأعظم لنساء قدمن العمر على طبق من ذهب مهرا لرفاهية صغارهن، أمهات ذبن ذوبانا في أبنائهن وضحين من أجلهم بالغالي والنفيس.

نماذج عديدة لأمهات مثاليات حقا ظلت صورتهن تتراقص أمام أعين أبنائهن دائما كعناوين للوفاء والحب والإخلاص، فأجمل ما قيل في الأم “إن حبها لا يشيخ أبدا، وأنها كل شيء في الحياة، فهي التعزية في الحزن، والرجاء في اليأس، والقوة في الضعف”. اللهم بارك في أعمار أمهاتنا، وارحم من مات منهن.

21