الأم جدار الصد الأول أمام الإرهاب فكيف تتحول إلى سند له

نظريات وتحليلات كثيرة تتناول بالدرس ظاهرة الإرهاب اليوم في محاولة لفهمها والتعرف على أسباب نشأتها وانتشارها اللامحدود جغرافيا، ركزت أغلبها على الجوانب الدينية والسياسية وأهملت الجانب الاجتماعي والأسري بالأساس، كما أهملت علاقة المرأة بالإرهاب وخاصة دورها الهام كأم مسؤولة عن تربية الأجيال حيث يتطور على يديها فكرهم وسلوكهم ووعيهم وقدراتهم على التمييز بين مختلف المتناقضات.
الأحد 2015/11/22
الهجمات الإرهابية أثارت مخاوف وتعاطف المسلمات في العالم

تونس - أصبح العالم يعيش على وقع الارهاب ووفق أجنداته مترقبا لعملياته لاتخاذ إجراءات الحماية اللازمة. هذا ما جعل الباحثين والعلماء في جميع الاختصاصات يوجهون تركيزهم لهذا المبحث. غير أن الملاحظ هنا هو إهمال الجوانب الاجتماعية والأسرية المتصلة بالظاهرة، فاجتثاث الإرهاب يظل محالا إذا أهملنا أولى المدارس التي يتلقى فيها الإنسان التربية وطرق التفكير والأخلاق والمبادئ وهي الأسرة وأساسا الأم.

المرأة عموما تحضر بأشكال مختلفة ومتنوّعة في علاقتها بالإرهاب، فنجدها في دور الضحية وأكبر المتضررين خاصة لو خسرت بسبب عملياته الجهادية أفرادا من أسرتها، أو كانت أمّا لأحد الإرهابيين المتورّطين في الجهاد فتتحول إلى متّهم أول بعدم القيام بدورها التربوي على ركائز صحيحة ونجدها تعاني من الإساءة إلى سمعة العائلة بسبب هذا الابن وتتعرض أحيانا للإقصاء من المجتمع وتحرم أحيانا من الإحاطة الاجتماعية، ففي تونس مثلا خرجت في إحدى الإذاعات المحلية أمّ لإرهابي غادر تونس ليجاهد في سوريا لتشتكي حرمانها من الإعانات المالية لها ولأسرتها ومن أبسط الخدمات فقط لأنها أدينت بذنب لم تقترفه بسبب ابنها “المجاهد”.

كما تظهر المرأة في علاقة بالإرهاب كفاعل فيه وهنا نتحدث عن الجهاديات والمروّجات للفكر المتشدد وللجهاد. وهنا تكون متهمة وليست ضحية دون النظر إن كانت مقتنعة أو تم التغرير بها. لكن هناك علاقة غير مباشرة بالإرهاب تكون فيها المرأة كربّ للأسرة وأمّ فاعلة غير مباشرة في دعم الإرهاب. وعوض أن تلعب دور جدار الصد لحماية أبنائها من التطرف ومن الأفكار المتشددة تدفعهم لهذا الفكر وتشجعهم عليه وترمي بهم إلى التهلكة بيديها وفي أغلب الحالات تكون قد خضعت للدمغجة لتعطي مثالا عن المرأة والأمّ غير المتعلمة التي تتأثر بسرعة بغسيل الدماغ وتخضع للترهيب والإغراء بسبب ضعف وعيها.

هناك علاقة غير مباشرة بالإرهاب تكون فيها المرأة كربّ للأسرة وأمّ فاعلة غير مباشرة في دعم الإرهاب وعوض أن تلعب دور جدار الصد لحماية أبنائها من التطرف تدفعهم لهذا الفكر وتشجعهم عليه

وفي تونس توجد أمثلة حية من هذا النموذج ساهمت بشكل كبير في تزايد أعداد الشباب المنخرط في الإرهاب وقد التقت العرب بأخت أحد الشباب التونسيين الذين قصدوا سوريا للجهاد فتحدثت عن عائلتها قائلة “أخي خرج ليتدرب في ليبيا بسهولة لأنه من أصيلي الجنوب التونسي بحكم قرب المسافة وسهولة الدخول إلى جارتنا ليبيا. ثم ذهب بعد ذلك إلى سوريا بعد إقناعه بأن ذلك هو الجهاد في سبيل الله نظرا لمستواه التعليمي المتواضع وصغر سنه (20 عاما) وقد بلغنا خبر وفاته منذ الأسبوع الأول له هناك”.

تزداد لوعة الشقيقة الكبرى ذات المستوى الجامعي عندما تحاول فهم ما حصل لشقيقها الأصغر بعد أن تأكدت بأنه ذهب ضحية لغسيل الدماغ من أنصار الشريعة (الحركة التي صنفت إرهابية في تونس والمنتشرة والمتغلغلة في الجنوب التونسي) وفي مدينتها الحدودية وهي تطاوين. فقد علمت أن أمّها التي ذهبت للدراسة في ما يسمّى ببرنامج محو الأمية في إحدى المدارس لتتعلم القراءة والكتابة قد تعرضت لعملية غسل دماغ من قبل المجموعة التي عرفتها هناك سواء من الزميلات أو من المدرّسات حيث أصبحت متديّنة إلى حد التطرف بعد أن كانت أمّا عادية محجبة تقوم بواجباتها الدينية وفق ما تعلمته من عائلتها في وسط ريفي محافظ.

تغيّر تفكير الأم شيئا فشيئا وأصبحت مؤيدة للجهاد في سوريا وهي اليوم لا تبكي فلذة كبدها وأصغر أبنائها لأنها تراه “بطلا مجاهدا وشهيدا في سبيل الله”. بل هو في نظرها فخر لها وللعائلة وما تنفكّ تتحدث عن ابنها البطل بفخر واعتزاز أمام بقية الإخوة والأحفاد إلى أن خلقت لديهم الرغبة في الاقتداء به كمثل أعلى في الأسرة، حتى أن أحد الأشقاء وهو أب لبنتين لم تبلغ أكبرهما الخمس سنوات حاول الذهاب إلى سوريا للجهاد لكن الأمّ منعته ليس لعدم اقتناعها بهذا الفعل بل لأن بناته وزوجته يحتجن إلى من يعيلهن ويكفلهنّ ولا يتوفر في العائلة من يمكن أن يعوضه في ذلك.

مشكلة محدثتنا الكبيرة اليوم تبلغ درجة المأساة في نظرها لأن أمها أصبحت تطالبها بارتداء النقاب هي وأختها رغم أنهما محجّبتان. وأصبحت تعارض عملها في العاصمة بعيدا عن العائلة، وكذلك أشقاؤها المتدينون بدعوى أنها تعيش في العاصمة بمفردها ودون “محرم” إلى درجة أنها في نظرهم تجلب العار لسمعة شقيقها الشهيد وللبقية. لكن كل هذا في نظرها لا يقارن بما باتت تمارسه الأم في نطاق الأسرة خاصة مع أحفادها.

الوقاية من الإرهاب واجتثاثه من جذوره ومنابعه تكون بضرورة تركيز البحث انطلاقا من الحلقة الأولى لاتصال الإنسان بعالمه وهي الأم والأسرة والعائلة والمحيط الاجتماعي القريب

في هذه العائلة الكبيرة عدديا، وبعدد كبير من الأحفاد والحفيدات، أصبحت الجدة، موضوع حديثنا، تقوم بأدوار خطيرة تقوم على زرع أفكار متطرفة دينيا داخل الأسرة، إذ أصبحت تفرض على زوجات أبنائها أن تقمن بتحجيب بناتهن فور بلوغهن سن الثامنة. وتطالبهن بتعليمهن السلوك الديني الإسلامي الصحيح، بأن يمنعن بناتهن وأبنائهن من مشاهدة التلفزيون ماعدا البعض من برامج الأطفال التي لا تحمل مضامين “مائعة” حسب تعبيرها كالغناء والرقص.. وأن يكتفين بوضع البرامج الدينية لجميع أفراد الأسرة لأن باقي البرامج “مخلة بالآداب والأخلاق”!

بلغت الجدة درجة مطالبة الأحفاد منذ صغر سنهم ومنذ أن يبدأوا النطق وتعلم الكلمات بألا يحيوا إلا بتحية الإسلام أي ألاّ يقولوا مثلا صباح الخير بل يقولون السلام عليكم.. والقائمة تطول.

كما سهرت الجدة على ألا يدخل أحفادها رياض الأطفال بل إلى الكتاتيب والمدارس القرآنية. أما إذا دخلوا المدرسة فعليهم أن يرفضوا ممارسة الأنشطة الثقافية والرياضية والأدهى من ذلك أن عليهم ألا يتغنّوا حتى بالنشيد الوطني التونسي لأن ذلك “حرام”! هذا وغيره كثير من تفاصيل التحريم والمنع في الحياة اليومية تمارسه الأم على أبنائها وأحفادها.

هذه القصة من واقع تعيشه عائلة تونسية وهي ليست إلا حالة من بين آلاف الحالات الموجودة في تونس وفي المجتمع العربي عموما. حيث يشوّه دور الأم وتتحول من مانحة للحياة إلى مساهمة في الإرهاب السالب للحياة، وتتحول، بسبب قلة وعيها أو أميّتها أو بعد ترهيبها أو التغرير بها وإغرائها إما بالخطاب الديني أو باستغلال ظروفها المادية عبر إغوائها بالمال، من مدرسة لنبل الأخلاق وحبّ الآخر وتلقين مبادئ التعايش والتسامح إلى مدرسة لغسل الدماغ ومصدر لتغذية العقل بالفكر المتطرف وبوقا للإرهابيين والتكفيريين والمجاهدين تساندهم وتدعمهم بكل ما توفر لديها.

وهو ما يحيلنا على ضرورة تركيز البحث في سبل الوقاية من الإرهاب وسبل اجتثاثه الفعلي من جذوره ومنابعه انطلاقا من الحلقة الأولى لاتصال الإنسان بعالمه وهي الأم والأسرة والعائلة والمحيط الاجتماعي القريب.

وإن كانت الأمّ تلعب دورها المنوط بها، كما يفترض بالأمّ أن تفعل، في تجنيب وحماية أبنائها من الانخراط في التطرف والإرهاب فلا بد من مساعدتها في القيام بدورها الأصلي بدعمها من قبل المجتمع ومؤسسات الدولة.

20