الأم ضحية موجة تطرف ديني اجتاحت المجتمع الجزائري

الأحد 2015/11/22
وعي الأم المسلمة بمخاطر التطرف الديني يضمن الحماية لأبنائها

الجزائر- أظهر تنامي الأفكار الجهادية خلال العقدين الماضيين في الجزائر العديد من التحولات الاجتماعية الخطيرة، خاصة لمّا أصبح التطرف ينازع عاطفة الأمومة، والفكرة الجهادية تسمو على القيم والعلاقات الأسرية، حيث أعادت ترتيب سلم قيمية في المجتمع في مشهد متناقض، بين ابن يغتال أمه بأمر من أميره، وبين أم تبلّغ مصالح الأمن عن فلذة كبدها من أجل صده عن طريق التطرف، وأخرى تشجعه على “الجهاد” وتدعو له بالنصر والتوفيق.

نقل شهود عيان لـ”العرب” العديد من الحقائق والنماذج اللافتة من العشرية الحمراء في الجزائر، تجسّد مزاحمة الفكر الجهادي المتطرف لأسمى القيم الاجتماعية والأخلاقية، لدرجة أن صار بإمكان الابن أن ينفذ حكم الإعدام في واحد من والديه، بعدما تم شحنه بخطاب التطرف وقدسية الجهاد، وغسل مخه بأفكار تختفي أمامها كل القيم والثوابت، ولا يبقى فيه إلا الولاء للجماعة والوفاء لـ”الأمير”.

ويقول الخبير في شؤون الإسلام السياسي في الجزائر أحمد ميزاب في اتصال لـ”العرب”، بأن ما حدث منذ مطلع التسعينات في الجزائر قلب الموازين والقيم الاجتماعية، وأصبحت الفكرة الجهادية المتطرفة تزاحم أو تعلو فوق العلاقات الأسرية والقيم الاجتماعية والروحية الراسخة في المجتمع الجزائري على مرّ القرون.

وأضاف ميزاب “المرأة الجزائرية والأمّ على وجه التحديد، على عاطفة الأمومة المقدسة، فإنها مثلها مثل الرجل، كانت فاعلة وكان مفعولا فيها خلال تلك المرحلة، فكما قضت في بعض الضواحي والبلدات بسكين ابنها الذي حملته في بطنها وربته أو برصاص أحد رفاقه، ساهمت في بعض الأحيان هي نفسها بشحن ابنها وشجّعته على حمل السلاح والالتحاق بالجبل من أجل “الجهاد”، الذي تغلغل في فكرها وحوّلها إلى أم مستعدة للتضحية بابنها”.

لا يمكن الحديث عن أم ضحية أو جانية، لأن الأمر يتعلق بمشروع ديني متطرف وقدرة على الغسل الدماغي والشحن المعنوي والنفسي

وتابع المتحدث في تصريحه لـ”العرب”، بأن الوضعيات متداخلة ومتناقضة في المجتمع الواحد، فمشروع الفكر الجهادي المتطرف هزّ أركان الأسر، خاصة تلك التي لا تمتلك الحصانة الثقافية والفكرية والروحية، وسقطت بسهولة في براثن التطرف والخطاب الإسلامي المتشدد، والمرأة كأمّ بقدر ما لعبت دور المنقذ لابنها والقيام بأي شيء لأجل ذلك، تحت وازع الأمومة أو عدم الاقتناع أصلا بالفكرة، بقدر ما كانت في حالات أخرى، ولحسن الحظ أنها حالات معزولة، محرضا ومحفزا لابنها على اعتناق التطرف.

ويذكر شهود عيان بأنه رغم الأمية وهشاشة الحصانة الفكرية لدى الكثير من الأسر في البلدات والأرياف المعزولة، إلا أن المرأة الجزائرية بغريزة الأمومة وما تملكه من قيم البساطة والتعايش والتسامح، تمكنت من تحييد أبنائها عن اعتناق مشروع التطرف، ولو بالنزوح أو الابتعاد عن مصادر التأثير أو الإغراء، أو حتى بالتواصل مع مصالح محاربة الإرهاب لمراقبة ابنها أمنيا، لأنها تدرك في أعماقها أن الردع الأمني وحتى السجن أفضل لفلذة كبدها من السقوط في التطرف وارتكاب المحظور.

ويضيف هؤلاء “الأم بقدسيتها يمكن أن تكون عامل حصانة للابن من أيّ انحراف أيديولوجي متطرف، إذا ظلت قريبة منه وتحيطه بحنانها ورعايتها وتراقب محيطه، فالتجارب في الجزائر أثبتت أن الفراغ العاطفي الأسري، يفتح المجال أمام موجات غسيل المخ والشحن بأفكار الانتقام، وكم من متشرد أو ولد مهمل أو مغضوب عليه، تحوّل إلى آلة قتل ودمار وانتقام، وهذا الدور لا أحد يمكن الاضطلاع به إلا الأم”.

وخلص الخبير أحمد ميزاب، إلى أنه لا يمكن الحديث عن أمّ ضحية أو جانية، لأن الأمر يتعلق بمشروع ديني متطرف وقدرة على الغسل الدماغي والشحن المعنوي والنفسي، وبالتالي فإن تركيبة التيار برمته ضحية، بأمهاته وآبائه وأبنائه، فالإنسان لا يولد متطرفا وإنما التحولات والصراعات هي التي تجره إلى هذا النهج.

20