الأم والطفل والجدة.. هرم ثلاثي الأبعاد لتخطي محنة الأمومة

الأمومة، هي الهدف الأسمى في حياة العديد من النساء، فعندما تتخذ المرأة قرارها الجريء بالإنجاب وتحمّل مسؤولية تربية طفل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، فإنها إنما تداعب رغبة ملّحة في داخلها لإثبات وجودها ولخلق توافق حقيقي مع الأشخاص المحيطين بها، الأصدقاء والغرباء على حد سواء، توافق مع مجتمع يرسم لها أدواراً متعددة تضع معها حدود واجباتها وحقوقها في كفتين متوازيتين في بعض الأحيان وتتغلب فيها كفة الواجبات في أحيان كثيرة.
الأربعاء 2015/10/14
الجدة تتهيأ نفسيا لشغل دورها الجديد حتى قبل ولادة الحفيد

في مرحلة الأمومة، تواجه المرأة تغيراً كبيراً في سلم الأولويات والاهتمامات ويحدث هذا التطوّر النفسي بينما تدخل الأم في دور جديد وطويل نسبياً في حياتها، إذ لن يكون التركيز في هذه الحالة مقتصراً على دورها في حياة شريكها الرجل، بل سيتعدى ذلك بكثير وسيتعين عليها أن تكون ضمن سلسلة ثلاثية الأبعاد تربطها من ناحية بطفلها ومن ناحية أخرى بأمها أو بما يماثلها من سلطة مهمة لدعم دورها الجديد بما يميزها من تراكم خبرات.

وتدور ضمن هذا البعد الثلاثي للأم وطفلها وأمها، محاور عدة تتعلق بالحرص على مراحل نمو الطفل مع طريقة تكيف الأم للمرة الأولى وحياتها الجديدة بوجود هذا المخلوق الرقيق الذي يعتمد عليها كلياً، إضافة إلى الدعم المعنوي والإسناد العاطفي الذي تتلقاه من الأطراف المحيطة بها وأهمها جدّة الطفل، فهي تساندها في انتقاء أفضل الطرق في تربية وتعليم الطفل والتعامل مع المستجدات والطوارئ في مستهل حياته وطبيعة علاقته بمحيطه من أحداث وشخصيات.

وتؤكد الدكتورة سوزان ديتجز وايت، أستاذة قسم الإرشاد النفسي والتعليمي في جامعة إلينوي الأميركية، على أن المرأة تمتلك هذه القدرة الفريدة على تحويل اهتماماتها وأولوياتها بمجرد لعبها دور الأمومة، فيحدث هذا التحول بصورة سريعة وتلقائية لمقابلة احتياجات الدور وتسلم مسؤولياتها الجديدة وهي في كامل الاستعداد لذلك.

وتحتاج الأمهات الجديدات إلى نموذج ومثال حي للأمومة، وليس أفضل من ذلك قدوة ما تقوم به أمهاتهن أو النساء الكبيرات في السن ضمن العائلة، ودورهن في الدعم وتقديم المشورة للأم المستجدة والتعقيب على أدائها والثناء عليه ربما.

المرأة تمتلك قدرة فريدة على تحويل اهتماماتها وأولوياتها بمجرد لعبها دور الأمومة وتسلم مسؤولياتها الجديدة

ووصفت وايت أهم مرحلة في تحوّل دورة المرأة إلى الأم أو ما يصطلح عليه ببلوغ “سن الرشد”، من خلال تغيير وصف علاقتها بأمها أي من علاقة ابنة بوالدتها إلى علاقة صديقة بصديقتها، حيث تذوب الفوارق الاجتماعية وتصّب العلاقة في بوتقة واحدة، هدفها رفد عملية تنمية وتربية طفل جديد في الأسرة وفق أسس سليمة ومجرّبة تجمع خبرة الجدّة وحنكتها مع الدور التلقائي للأم.

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن هذا التحول في الأدوار لا يشمل الأم المستجدة فقط بل ينطبق على الجدّة التي تتهيأ نفسياً لشغل دورها الجديد أيضاً، حتى قبل ولادة الحفيد حيث لا يشمل التحوّل في دور الجدة الناحية الاجتماعية فقط، بل هو مؤشر ناضج على تقبلها أو اعترافها ضمنياً بتقدمها في السن وتحركها في الدور الجديد بنفس راضية، وهو ما ترفض الاعتراف به بعض السيدات من كبار السن.

وحين تقدم الجدة دعمها لابنتها وحفيدها الجديد، فإنها تسهم بصورة غير مباشرة في ترويض قدراتها النفسية وتكيّفها هي شخصياً مع التغييرات المرتبطة في السن، الأمر الذي ينعكس بصورة إيجابية على جميع الأطراف.

من ناحية أخرى، يسهم دور الجدة في تقديم الدعم المعنوي للأطفال من والدين منفصلين، حيث تكون بمثابة البديل لدور أحد الوالدين أو كليهما، فتقدم بيئة صحية ونفسية ملائمة لهذا الطفل لينمو بشكل سوي ويتكيف وفق مبادئ راسخة لا تأخذ في الاعتبار تأثير المشاعر السلبية التي تغمره بسبب انفصال والديه وفقدانه للتوازن النفسي.

الجدة تقدم الدعم المعنوي للأطفال من والدين منفصلين، حيث تكون بمثابة البديل لدور أحد الوالدين أو كليهما

ومن ناحية أخرى، تحذر ميليندا بلاو، وهي كاتبة وباحثة أميركية في العلاقات الاجتماعية، من الاتكال بصورة دائمة على نصائح الجدة في التعامل مع مشكلات تربية الأطفال، فحين تقدم الجدة الاستشارة المطلوبة أو تجيب على تساؤل مهم فهذا لا يعني بأن الأم ملزمة بتطبيق النصيحة بحذافيرها من دون أن يكون لها دورها الحقيقي في القرار، على أن يكون

طلب المساعدة محاولة للتعرف إلى مصادر أخرى (لا بأس أن تكون عن طريق الجدة)، كأن يكونوا مستشارين في التربية وعلم النفس أو من خلال الإطلاع على أبحاث متخصصة في هذا المجال.

لكن، يبدو من المفيد استشارة الجدة في ما يتعلق بتجارب أو مشكلات مشابهة حدثت مع الأقارب أو الأم بنفسها في مرحلة الطفولة وتكررت مع طفلها، عندئذ تتخذ نصيحة الجدة بعداً آخر أكثر أهمية. فهي لا تكتفي بالنصيحة النظرية، بل تقدم لتجربة حقيقية عاشت تفاصيلها وخبرت نتائجها بنفسها وهذا كل ما تحتاجه الأم المستجدة، من خلال تجربة مشابهة من الماضي.

وعلى الطرف المقابل فإن الجدة يجب أن لا تقحم نفسها في مشكلة تواجهها الأم مع طفلها، إلا إذا كان هناك استعداد حقيقي لدى الأم لطلب المساعدة والمشورة أو مثلما يقول المثل “عندما يكون التلميذ مستعداً، يظهر المعلم”، ولهذا تنصح بلاو الجدات بالتأني في تقديم المساندة والنصيحة وترك بابهن مفتوحاً والتزام منازلهن، فربما لا تجدي نصيحة الجدة نفعاً إذا لم تتكون لديها صورة كاملة عن المشهد، فالجدة ربما تكون آخر من يعلم.

21