الأم وتربية البنات بين الأنموذج الأمثل والرغبة في السيطرة

الأحد 2014/06/08
على الأم أن تغرس القيم الثابتة في ابنتها وتجعل من نفسها قدوة لها

القاهرة - تسعى كل أم جاهدة لإعطاء ابنتها خلاصة التجربة التي اكتسبتها على مرور الأيام، ظنا منها أنها بذلك تقوم بإفادتها الإفادة الشاملة، دون إدراك منها لبعض الحقائق التي تجعل من تدخلها هذا نوعاً من الوصاية في تقدير البنت التي بدورها تصبح طوال الوقت ساخطة على أمها، رافضة أن تتدخل في شؤونها.

لقد زاد الجدل كثيرا ما بين بنات يرفضن تدخل الأم في شؤونهن وبين من تتعاطف مع دور الأم.. وتقول هالة عبد الحميد- طالبة جامعية- رغم أن أمي سيدة مثقفة إلا أنها لا تزال تردد على مسامعي كنا نفعل كذا ولا نفعل كذا، وأن البنت “العاقلة” لابد أن تلتزم بتلك السلوكيات، حاولت كثيرا أن أناقشها لأقنعها بأننا جيل مختلف عن جيلها الذي عاشته، وأن لكل إنسان أسلوبا وشخصية مستقلة حتى عن أقرب الناس، ولكنها كانت تتهمني بالتبجح وتعتبر مناقشتي لها تجاوزا وعدم احترام، وهي دائما غاضبة مني ولا ترضى عن تصرفاتي لأنها تريدني صورة منها، ولأنني لا أستطيع إلا أن أكون أنا، فتجنبت المناقشة معها أو الاحتكاك بها حتى لا تزداد علاقتنا سوءا.

وتتفق معها إلهام السيد- طالبة – وتقول: نحن جيل أقل حظا من الأجيال السابقة، أعباؤنا كثيرة وطموحاتنا كبيرة ومطالبون بأشياء كثيرة، فنحن نعيش ظروفا تختلف عن الظروف التي عاشتها أمهاتنا، فالبنت قديما كانت تجلس وتنتظر “ابن الحلال” ويقتصر دورها على تربية الأبناء ومراعاة شؤون المنزل، ولكن الآن الوضع اختلف، فابن الحلال لم يعد يريد ربة المنزل المتفرغة بل يريدها عاملة لتشاركه في تحمل نفقات المعيشة. وبالتالي أصبحت مطالبة بالعمل داخل المنزل وخارجه.

وتضيف: فتاة اليوم مطالبة بأن تدرس وتطبخ وتغسل وأعباء كثيرة أخرى تفرضها ظروف الحياة التي نعيشها، ورغم ذلك نحن أكثر الأجيال تعرضا للنقد والاتهام بعدم القدرة على تحمل المسؤولية، وإذا حاولنا النقاش والإقناع بعكس ذلك قيل لنا “لتحمدوا الله، فالمناخ المتوفر لكم لم يكن متاحا لنا”.. وأرى أن المشكلة في أن الأهل غير قادرين على تفهم ظروفنا، ويعتبرون مجرد اختلافنا عن جيلهم جحودا من جانبنا، لذا فنحن دائما مخطئون وذلك هو السبب الذي يدفع كل أم لمحاولة جعل ابنتها نسخة منها، وعندما شعرت أن أمي تريد مني أن أكون “هي” في تصرفاتي وكلامي وطريقة تعاملي مع الآخرين، وقعت في حيرة، فمن ناحية أريد أن تكون لي شخصيتي المستقلة ومن ناحية أخرى أطمح إلى إرضاء أمي، فجعل هذا بداخلي صراعا كبيرا.. ولكني حسمت الصراع لصالحي لأنه لا يمكن لإنسان أن يكون غيره.

أما منى محمود- موظفة علاقات عامة – فترى أن الأم تكون أكثر خبرة ودراية من الابنة ألف مرة؛ لذلك يجب على كل فتاة أن تتخذ من أمها مثلا أعلى، فهي بالتأكيد تدرك اختلاف الأجيال ودائما توجهها لما يتفق مع روح العصر الذي نعيشه ولأنني أحب أمي وأؤمن برجاحة عقلها أتقبل توجيهاتها دون مناقشة، وذلك لا يعني أنني لا أتعرض للنقد واللوم وأتقبل ذلك أيضا بموافقة تامة لأنني أعلم أن ذلك نابع من دافع الخوف عليّ. فالأم هي الإنسانة الوحيدة التي تريد أن ترى ابنتها أفضل منها، وتحاول أن تعوض ما لم تحققه هي في حياتها من خلال ابنتها، وهذا بالضبط ما أشعر به في معاملة أمي لي، لذلك أتقبل لومها.. وكثيرا ما تمنيت أن أكون مثلها في هدوئها وحسن تقديرها للمواقف.

تنصح الأم بأن تحرص على إعداد ابنتها إعدادا جيدا في مرحلة الطفولة وتغرس فيها القيم والمبادئ المناسبة ثم تترك لها مساحة مناسبة للتحرك دون قيود لا مبرر لها

وتتفق مع الرأي السابق ألفت شامخ- طالبة جامعية- حيث تقول: أعتبر أمي صديقتي الأولى، فهي أكثر خبرة بالحياة مني، وتمنيت كثيراً لو كنت مثلها لأن الإنسان لا يمكنه أن ينفصل عن ذاته أو واقعه، فأنا ابنتها وابنة البيئة والعصر الذي أعيشه، لذلك لا يمكن أن أكون أمي، والحمد لله أنها تتفهم إلى حد ما، أنه ليس جميلاً أن أكون هي فتترك لي مساحة من الحرية، ونتعامل كأصدقاء، وللصديق أن يختلف مع صديقه في الرأي أو يوافقه، المهم أن يكون هناك احترام متبادل، وليس معنى ذلك أن الأم تلغي شخصية ابنتها أو أن الابنة ستكون نسخة من أمها، وفي رأيي أنه إذا اتسمت علاقة البنت وأمها بالتفاهم ونشأت بينهما صداقة فإن كل شيء سيكون أفضل ولن تكون بينهما فجوة.

ويعتبر الدكتور أحمد زين أستاذ علم الاجتماع أن التفاهم بين الأم وابنتها يفتح مجالاً للحوار وبحث جميع الأمور الحياتية التي قد يصعب على الابنة معرفتها وهي في سن صغيرة.. وينصح الأم بأن تحرص على إعداد ابنتها إعدادا جيدا في مرحلة الطفولة وتغرس فيها القيم والمبادئ المناسبة ثم تترك لها مساحة مناسبة للتحرك دون قيود لا مبرر لها، وهذا يصنع نوعاً من التقارب في علاقتهما ولا تحتاج الأم عندئذ إلى توجيه الكثير من النقد أو اللوم لابنتها وأيضاً تتقبل منها الابنة توجيهاتها دون خجل أو عناد.

ويضيف الدكتور زين: إن العديد من العادات الشرقية الموروثة تضع الفتاة في إطار ضيق على عكس الشاب؛ لذلك فهي أكثر عرضة للنقد وتدخل الآخرين في حياتها، خاصة من أمها ، فكل أم مرت بتجارب عديدة في حياتها وعاشت مواقف أكسبتها خبرة ليست قليلة، وهي تريد أن تعطي ثمرة تجاربها لابنتها كي تستفيد منها، وتعتقد كل أم أنها النموذج الأمثل الذي ينبغي أن تكون عليه ابنتها، ويحدث ذلك لا شعورياً بدافع الخوف أو الحب أو كليهما معا. ولكن هناك بعض الحالات المرضية التي تؤدي إلى نفور البنت من أمها، وهنا تدخل العلاقة في مرحلة العناد وقد يزداد الأمر سوءا إذا حاولت الأم أن تدخل طرفا آخر في الأمر، لأن ذلك يشعر البنت بأنها ليست محل ثقة، لذلك ينبغي معالجة الأمور بحكمة وتفهم من قبل الأم والفتاة.

“من الطبيعي أن تخاف الأم على ابنتها ولكن يجب أن تمنحها الثقة في نفس الوقت وأن تضعها تحت المنظار”.. هكذا ما تؤكده الدكتورة عزة محمود الباحثة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية بالقاهرة، وتضيف: يجب على كل أم أن تتفهم الاختلاف بين طبيعة الجيلين، ففي الماضي كان شغلنا الشاغل استكمال الدراسة والمطالبة بالعمل والخروج لمشاركة الرجل، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن تطالب كل أم ابنتها بأن تعتنق هذه الشعارات لتكون مثلها تماماً وإنما عليها فقط أن تغرس فيها القيم الثابتة المتفق عليها وتجعل من نفسها قدوة لها، وأن توجهها لو صدر منها تصرف خاطئ.

وتؤكد الدكتورة عزة على أهمية وجود حوار بين الأم وابنتها في أمور الحياة لتكون الأم هي المصدر الأول لمعلومات ابنتها بدلا من أن تلجأ إلى آخرين، ومن أكبر الأخطاء التي تقع فيها الأم أن تسخّر ابنتها من أجل تحقيق أحلامها وطموحاتها التي فشلت في تحقيقها أيام شبابها، فهي شخصية مختلفة عنها، لذلك يجب على الأم أن تعطي ابنتها الفرصة في أن تعيش تجربتها الخاصة بها.

21