"الأناضول" من حرب الاستقلال إلى عملية غصن الزيتون

وكالة الأناضول ترى أنها كسرت هيمنة الغرب في تحديد الأخبار لكنها هي أيضا لم تشذ عن القاعدة حيث تقدم الخبر انطلاقا من الرؤية التركية.
الأربعاء 2018/04/11
سياسات تحتاج إعلاما لايصالها للعالم

أنقرة- عندما ظهر أول مسلسل تركي مدبلج على شاشة “أم.بي.سي” سنة 2006، قال كثيرون إنها موجة وتنحسر، وقارنوا بينها وبين المسلسلات المكسيكية التي ضربت لفترة محددة ثم اختفت. لكن، المسلسلات التركية لم تكن كذلك، بل توسعت الموجة، ولم يعد الأمر يقتصر على الدراما، افتتحت تركيا قناة إخبارية ناطقة باللغة العربية ثم قناة منوعات. وكررت أنقرة التجربة الدرامية في آسيا وأميركا اللاتينية، ثم وسعتها بشكل أكبر من خلال تدويل وكالة أنباء الأناضول، بحيث أصبحت ناطقة بـ13 لغة ولها مكاتب في 100 بلد.

اليوم، بات الإعلام قوة ناعمة رئيسية في السياسة التركية، وخاصة الخارجية. وتلعب وكالة الأناضول، التي تأسست سنة 1920، دورا رئيسيا في هذه السياسة. ويبرز هذا الدور خاصة عندما يواجه النظام التركي أزمات مع جيرانه الأوروبيين أو في منطقة الشرق الأوسط، ومن خلالها تقدم تركيا نفسها للعالم.

وكان لافتا اهتمام النظام التركي بهذه المؤسسة الإعلامية من خلال الاحتفاء بذكرى تأسيسها الـ98. والتغطية الخاصة لهذا الحدث والتي ركزت، من خلال تقرير نشرته الأناضول، على ما تقدمه الوكالة التي لخص كاتب التقرير يوسف أوزقر، وهو عضو الهيئة التدريسية في جامعة مديبول بمدينة إسطنبول، دورها بقوله إنها “صوت تركيا العالمي”.

وتأسست الوكالة في 6 أبريل 1920 بتوجيهات من مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، من أجل إيصال صوت تركيا إلى العالم الخارجي إبان حرب الاستقلال (1919 ـ 1923)، لكن تراجع دورها الخارجي كشأن السياسة التركية في عهد كمال أتاتورك، الذي اختار التركيز على الاهتمام بالشأن الداخلي التركي وانهمك في علمنة البلاد ورفع شعار صفر مشاكل مع الخارج.

يلاحظ أن بعض وكالات الأنباء التي تنافس الأناضول على المستوى العالمي، تأسست قبل الأناضول بفترة طويلة، بينها وكالة “هاواس″ المؤسسة في فرنسا عام 1835 (المعروفة باسم أي.أف.بي)

مع عودة تركيا إلى الساحة الدولية، عاد دور وكالة الأناضول الخارجي. وتشير البيانات، وفق تقرير الوكالة، إلى أنها انتقلت إلى عهد جديد في قضايا حيوية، ضمن عمل صحافي يتطلب إعادة حسابات للتوازنات على الصعيد العالمي.

وافتتحت الوكالة سنة 2013 مكتبها في تونس، وهو إلى جانب دوره الإعلامي، كان جزءا من استراتجية تركية لترسيخ أقدامها في تونس، ضمن مشروع دعم الإسلاميين في المنطقة، فيما يبدو. وأيضا افتتحت مكتبا في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في سنة 2014. وفي سنة 2015، تأسس مكتب إقليمي في العاصمة المقدونية سكوبيه. وفي فترة حكم الإخوان كان للوكالة مكتب موسع في مصر ثم أغلق بعد ثورة 30 يونيو.

واليوم، لدى النظر إلى مساحة تغطية وكالة الأناضول، فإنها تشمل بقعة جغرافية واسعة ممتدة من آسيا إلى أوروبا، ومن الأميركيتين حتى أفريقيا ومن الشرق الأوسط إلى البلقان، وهذا يقتضي المنافسة مع باقي وكالات الأنباء العاملة في تلك المناطق، لإيصال صوت تركيا إلى العالم، ووضع حدّ للسيطرة الغربية على تدفق الأخبار العالمي، على حدّ قول يوسف أوزقر، وبمعنى آخر لخلق توازن بين الأخبار العالمية والموقف التركي، خصوصا في القضايا الجوهرية والحساسة، كالقضية الكردية، وأيضا قضايا الربيع العربي والإخوان. وقد تراجع الاهتمام بهذين الملفين بتراجعهما على الساحة الدولية وتصدرت قضايا أخرى في المقابل، منها الملف السوري والحرب ضدّ الأكراد وأزمة تركيا مع الدول الأوروبية.

عندما بدأت الوكالة بثها في 1920، كانت إسطنبول محتلة من البريطانيين و”مجلس المبعوثان” (البرلمان العثماني) متفرق، بعض نوابه منفيون إلى جزيرة مالطا، فيما شهد آخرون ممن توجهوا إلى أنقرة أولى جلسات مجلس الأمة الكبير (البرلمان) الذي افتتح بعد وكالة الأناضول بـ17 يوما.

وفي فترة شهدت إسكات مجلس المبعوثان الذي يجسد إرادة الشعب، ووقوع عاصمة العثمانيين تحت الاحتلال البريطاني، تأسست وكالة الأناضول من أجل شرح أحقية تركيا في حرب الاستقلال للداخل والخارج على حد سواء.

وكان لافتا اهتمام النظام التركي بهذه المؤسسة الإعلامية من خلال الاحتفاء بذكرى تأسيسها الـ98. والتغطية الخاصة لهذا الحدث

كما كان من بين أهداف تأسيس الوكالة، ضمان الوحدة وتحولها إلى صوت للبرلمان، وإفساد حملات التشويه الخارجية، وتحولت خلال فترة قصيرة إلى المصدر الأول للمجتمع والصحف، وهو الدور الذي تقوم به اليوم أيضا في عهد رجب طيب أردوغان.

وأكد الرئيس التركي في رسالة التهنئة بمناسبة ذكرى تأسيس الوكالة، على “أن وكالة الأناضول التي التزمت بفلسفة تأسيسها من خلال مواصلتها مهمة إطلاع الشعب على الأنباء الصحيحة والكاملة أثناء سير عملية غصن الزيتون كما أدتها خلال حرب الاستقلال، نجحت بفعاليتها بتبوّء مكانة بين وكالات الأنباء الرائدة المعدودة في العالم”.

ويمكن النظر إلى تطور الأناضول على أنه نتيجة ملموسة للتقدم نحو أهداف تركيا لعام 2023، حيث أن قدرتها على العمل الصحافي بـ13 لغة بشكل متوافق مع أهداف تركيا، يعتبر مؤشرا على عدم ابتعادها عن أهم محدد لعصر التواصل.

إن هذا الوضع الجديد الذي يوفر الإمكانية لتركيا لتظهر نفسها بلغات مختلفة، تشكل “القوة الناعمة” للحملات التي تقودها تركيا في مجالات الاقتصاد والسياسة الخارجية والصناعات الدفاعية، لذلك فإن وكالة الأناضول، تعد أكثر من وكالة أنباء من أجل تركيا وإنما أرضية للكفاح، كما أكد كل من مصطفى كمال في بيان التأسيس، وأردوغان في رسالة التهنئة.

يلاحظ أن بعض وكالات الأنباء التي تنافس الأناضول على المستوى العالمي، تأسست قبل الأناضول بفترة طويلة، بينها وكالة “هاواس″ المؤسسة في فرنسا عام 1835 (المعروفة باسم أي.أف.بي)، و”أسوشيتد برس″ المؤسسة في الولايات المتحدة عام 1846، و”رويترز″ البريطانية المؤسسة عام 1849، حيث أن هذه الوكالات تقسم العالم بشكل يتوافق مع مستعمرات بلدانها، وتقدم أخبارها بشكل يتناسب مع هذا التقسيم.

ولدى بدء وكالة الأناضول بالبث عام 1920، كانت المساحة الإخبارية مُسيطرا عليها بشكل مشترك من وكالتي “هاواس″ و”رويترز″، حيث تبنت وكالة رويترز النشطة تحت سلطة البريطانيين الذين كانوا يحتلون إسطنبول، بث سياسة ضد حرب الاستقلال، ولذلك قام مصطفى كمال باتخاذ خطوات عديدة منها تأسيس وكالة الأناضول للحد من شراكة الوكالتين الفرنسية والبريطانية.

تتلقى البلدان عادة وقائع ما يحدث في منطقتها والعالم عبر الوكالات. ويصل الخبر للمتلقي وفق استراتيجيات الباث. وترى وكالة الأناضول أنها كسرت هيمنة الغرب في تحديد الأخبار. لكنها هي أيضا لم تشذ عن القاعدة، حيث تقدم الخبر انطلاقا من الرؤية التركية، من ذلك تغطية عملية غصن الزيتون في سوريا، وأيضا من خلال المصطلحات التي كثيرا ما روّج لها الرئيس التركي كالحديث عن الأنشطة الإمبريالية الساعية لتطويق تركيا من الشمال السوري عبر تشكيل حزام إرهابي على الحدود الجنوبية لتركيا.

7