الأنانية الصحية

بما أن المرأة هي التي تربي الرجل وهو طفل، فهي المؤثرة في سلوكه وفي شخصيته. ولذلك فهي المسؤولة بالدرجة الأولى عن تلقين ثقافة التمييز في الأدوار التي تتوارثها الأجيال.
الجمعة 2018/03/23
إقامة توازن بين الاهتمام بالذات والأسرة

تعيش معظم الأمهات، وخاصة العاملات، صراعا جسديا ونفسيا من أجل خدمة أسرهن وإحاطتها بجميع أسباب الرفاهية والراحة، والبعض منهن قد يبالغن في خدمة أسرهن، إلى الدرجة التي تجعلهن يهملن أنفسهن ولا يعرن صحتهن ومظهرهن اهتماما.
ورغم أن مثل هذا الأمر قد يؤذيهن نفسيا وصحيا، إلا أنهن لا يكترثن لذلك، لإيمانهن الراسخ بأن المعاناة والتضحية من أجل الأسرة واجب مقدس ولا يجب التخلي عنه لأي سبب من الأسباب.
وفي مقابل ذلك تواجه أغلبهن أكثر الجوانب سلبية في الحياة، مثل الاستهلاك المفرط للسجائر وتناول الأطعمة غير الصحية، والشعور بالإجهاد والأرق والتوتر… وقد صادف أطباء النفس عددا كبيرا من النساء المريضات ممن كرّسن أنفسهن لدعم أسرهن، واستنزفن طاقاتهن إلى أقصى حد بسبب إحساسهن الداخلي بالتقصير أو بالرغبة المفرطة في تقديم الأفضل لعائلاتهن.
يقول الطبيب النفسي البريطاني نيال كامبل في وصف وتيرة حياة النساء العاملات “هذا هو حال الأم العاملة على مدار اليوم: ضغوط من أجل الالتحاق بالعمل، وحث الخطى من أجل العودة إلى المنزل والعناية بالأطفال، وشعور متواصل بضرورة المساهمة في ميزانية الأسرة، وتفكير مستمر في نمط عمل مستقر، وكل ذلك من شأنه أن يؤثر سلبا على صحتها ويفقدها الشعور بمتعة الحياة”.
وقد أشار كامبل إلى أن أغلب المريضات اللاتي عاينهن يعانين من شعور متضخم بالقلق والتوتر، بسبب تعدد الضغوط الناتجة عن العمل والأسرة.
لا يكمن العلاج طبعاً في أن تتوقف النساء عن الاعتناء بأبنائهن ويهملن واجباتهن الأسرية، بل يجب عليهن إقامة توازن بين الاهتمام بالذات والأسرة، وأن يجدن مهما كانت مشاغلهن حيزا من الزمن لمكافأة أنفسهن على ما يبذلنه من جهد يومي.
ثمة أيام مخصّصة للعطلة والراحة، لا يجب التخلّي عنها وتفضيل مواصلة العمل من أجل مواجهة أعباء المعيشة، بل يجب تخصيص فترات للاسترخاء والتنزه، أو ممارسة الرياضة، ومثل هذا السلوك لا ينمّ عن أنانية أو تقصير بحق الأسرة، بل على العكس إنه التصرف السليم الذي يرفع المعنويات ويساعد المرأة على الصمود في وجه تحديات الحياة وضغوطها، ويمنحها نفسا إضافيا وحماسة جديدة تنعكس إيجابا على وسطها الأسري وأدائها الوظيفي.
حب الذات صفة طبيعية موجودة لدى كل إنسان، سواء كان رجلاً أو امرأة، وهذا ضروري لمعرفة كيف نحب الآخرين، والخبراء لا يستنكرون أن تحب المرأة بيتها وعائلتها وأولادها، لكن يجب عليها أن تقيم توازنا بين حب الذات وحب الأسرة، من أجل ألا ينتهي بها الأمر إلى الإصابة بالاعتلالات الصحية والنفسية الناتجة عن التوتر والشعور بالإحباط، جراء إحساسها الداخلي بالعجز عن التوفيق بين العمل وشؤون البيت.
هناك مقولة شائعة “أحب نفسك أولا، لكي تحب الآخرين”، ولكن حب الذات الصحي يختلف عن حب الذات المرضي، الذي يمثل علة مستفحلة في صفوف العديد من الرجال في المجتمعات العربية، ممن لا يتورعون عن توجيه اللوم الدائم لزوجاتهم واتهامهن بالتقصير عوض الثناء على جهدهن وتقاسم الأعمال المنزلية معهن بطريقة عادلة، من أجل منحهن الفرصة لتحقيق طموحاتهن المهنية، لكن ذلك لن يتحقق أيضا ما لم تسع المرأة نفسها إلى خلق بيئة مساواة في الأدوار بين أبنائها الصغار.
وبما أن المرأة هي التي تربي الرجل وهو طفل، فهي المؤثرة في سلوكه وفي شخصيته. ولذلك فهي المسؤولة بالدرجة الأولى عن تلقين ثقافة التمييز في الأدوار التي تتوارثها الأجيال.

21